موقع وكالة الأنباء اليمنية سبأ

تاريخ الطباعة: 17-01-2018
رابط الخبر: http://www.sabanews.net/ar/news193807.htm
  رمضان والناس2010
صندوق للزكاة .. رؤية عصرية لفريضة شرعية واجبة
[16/سبتمبر/2009] صنعاء – سبأنت: تحقيق : محمد السياغي
تبرز فكرة إنشاء مجلس أعلى لأمناء الزكاة في اليمن وإنشاء صندوق للزكاة يمكنه الاضطلاع بدوره في عملية جباية وتصريف وإدارة أموال الزكاة في نظر عدد من الشخصيات الأكاديمية والمتخصصة بعلوم الشريعة وفقه العبادات كفكرة عصرية لفريضة شرعية هامة .
لكن ورغم التأييد والترحيب بالفكرة إلا أن عملية تطبيقها على ارض الواقع تظل عصية على التحقيق وربما مستحيلة في نظر البعض خصوصا في ظل حالة التداخل والازدواجية الحاصلة في الاختصاصات والتشريعات والحاجة الملحة التي فرضتها دواعي الحاجة ومتطلبات الحياة الجديدة والمعاصرة اليوم إلى إعادة النظر في الكثير من اللوائح والتشريعات المنظمة للزكاة وطرق جبايتها بما يتوائم وعملية البناء والتنمية الشاملة.
وكالة الانباء اليمنية (سبأ) تسلط الضوء من خلال عرضها في سياق هذا التحقيق لبعض لرؤى عدد من الشخصيات الدينية والاكاديمية المتخصصة في علوم الشريعة وفقه العبادات وغيرها من الشخصيات المهتمة على أهمية الفكرة ومواكبتها للتطورات المعاصرة وكذا أبرز التحديات التي تقف في وجه تنفيذ الفكرة رغم قابليتها للتنفيذ والترحيب بها من الأوساط الاجتماعية المختلفة لأثرها في كسر حاجز الشك بتصريف أموال الزكاة ومصادر جبايتها ، وكذا الحد من حالة التداخل والازدواجية في الاختصاصات بين الجهات المعنية بإدارتها حاليا ومدى مساهمتها في نظر كل من يبحث في الدور الذي يجب أن تضطلع به الزكاة في المجتمع المسلم المعاصر باتجاه معالجة الكثير من المشكلات الاجتماعية باعتبار فريضة الزكاة تمثل عاملا أساسيا في مكافحة الفقر وتغذية وتمويل ودعم المشاريع الصغيرة الرامية للنهوض بالمجتمع.
وعلى الرغم من أن التعمق في بعض الرؤى المعاصرة المطروحة لإدارة موارد الزكاة قد تعزز من فكرة إنشاء الصندوق الخاص بالزكاة بما يوحد مصدر ادارتها ، إلا أن تفعيلها يرتبط من وجهة نظر الاختصاصيين بشروط أساسية ، مثل شمولية الزكاة لسائر أنواع الأموال ، وإلزام جميع المكلفين بها، ووجود هيئة موحدة في كل مجتمع لتنظيم عملية الزكاة جمعا وإنفاقا..
وعندما يستقراء المتتبع واقع الحال في مجتمع كاليمن يجد أن امكانيات انشاء مثل هذا الصندوق أمرا ممكنا خصوصا بالنظر إلى مجتمع تعمقت فيه ظاهرة الفقر واتسعت ، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن ثلثي السكان (البالغ إجمالي عددهم 22 مليون نسمة) هم دون خط الفقر ، كما كشف تقرير رسمي أن أكثر من (30) شخصاً من كل مائة فرد في المجتمع اليمني يعانون من الفقر ولا يمتلكون ما يكفيهم لتغطية احتياجاتهم الضرورية كالمسكن والتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية الأخرى ، علاوة على أن نحو (20) شخصاً من كل مائة فرد لا يمتلكون ما يغطي احتياجاتهم الأساسية من المأكل والمشرب والملبس ، وأرجع التقرير الأسباب إلى عدة عوامل أساسية أهمها انخفاض معدل النمو الاقتصادي ، محدودية فرص العمل ، ارتفاع معدل النمو السكاني ، والضغط على الموارد.
و توضح الدراسات أن المناطق الريفية هي الأكثر فقرا وحرمانا ، وإن كانت المدن الكبرى تشهد نسبة لا بأس بها من حالات الفقر ، كما أن أكثر من 80 في المائة من العائلات التي تعيش في محيط المدن لا تحصل على دخل كاف لتحقيق الشعور بالأمان.
ومن هذا المنطلق أكدت شخصيات دينية وأكاديمية متخصصة في العلوم الشرعية وفقه العبادات أهمية التسريع باتخاذ الإجراءات العملية لإنشاء صندوق خاص للزكاة وتفعيل المجلس الأعلى لأمناء الزكاة في اليمن ليضطلع بمهام تصريف أموال الزكاة وإدارتها.. وشددوا على ضرورة ان يعمل الصندوق على خدمة المصارف التى حددها الشرع بقوله تعالى " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم.
واعتبرت تلك الشخصيات ان الانشاء العملي لهذا الصندوق بات أمراً ملحاً تستدعيه ضرورات موضوعية كونه سيمثل الآلية المناسبة والمفتقدة لضمان التكريس الأمثل لاستحقاقات الزكاة في خدمة المصارف الثمانية المحددة في الشرع كما سيمثل أداة فاعلة ومؤثرة لإدارة أموال الزكاة بما يحقق المصالح التى توخاها المشرع الاسلامي.
إذ يرى الأكاديمي المتخصص في الدراسات الإسلامية الدكتور عبد الرحمن أحمد ناصر باعقيل إن انشاء صندوق خاص لتصريف وإدارة أموال وموارد الزكاة يعد الآلية المثلى لضمان حسن تصريف وتكريس موارد الزكاة ، ويشير الى أهمية تنفيذ القرار الجمهوري الخاص بإنشاء الصندوق.
ويقول ان انشاء صندوق خاص للزكاة أثبت جدواه وفاعليته في الكثير من البلدان العربية وهو ما يمكن الوقوف علية من خلال استقراء التجارب المماثلة خصوصا في كل من قطر والكويت والجزائر ولبنان ومؤخراً الامارات العربية المتحدة.
ومثلما أصبحت صناديق الزكاة في هذه البلدان تسهم بدور كبير وحيوي تجاوز مجرد خدمة المصارف الشرعية المحددة للمستحقين للزكاة إلى دعم أنشطة وفعاليات ذات طابع اجتماعي وانساني كبير وراقٍ يتمثل في المساهمة الفاعلة في مجالات أخرى كالتنمية البشرية والاجتماعية ودعم الجهود الحكومية الهادفة إحداث تنمية شاملة ، فأن اليمن في نظر الدكتور باعقيل بحاجة الى إنشاء هذا الصندوق الخاص بتصريف وإدارة موارد الزكاة نظراً لأهمية تكريس موارد الزكاة وتوجيهها في دعم الجهود المتعلقة بمكافحة الفقر وتقديم المساعدة للفئات المستحقة وبخاصة تلك التى لم تشملها أطر الرعاية الاجتماعية أو شبكة الأمان الإجتماعي الى جانب خلق نافذة جديدة تسهم بمبادرات فاعلة في تحسين الحياة الاجتماعية في اليمن .

** حاجة ملحة
وكون الزكاة ركن من أركان الإسلام ، فأن أهميتها وفق ما خلصت إليه دراسة حديثة لمركز الاعلام الاقتصادي في الواقع الاقتصادي ومدى ارتباطها بأهداف المجتمع الاقتصادية ، ممثلة في العدالة ، الكفاءة ، النمو ، والاستقرار ومن دورها المحوري في علاج المشكلات الاقتصادية ، وتحسين أداء اقتصاديات المجتمعات المسلمة وتطويرها ، بما يعزز من مكانتها ويرقى بها بين الأمم .
كما أن تميز الزكاة في التشريع الإسلامي عن الزكاة في تشريعات الأمم السابقة في أنها نظام مقنن ومحكم ، تعجز النظم الوضعية عن محاكاته واستكناه أسرار تفوقه ، هو ما يؤكد أهميتها من خلال القواعد الشرعية الهادفة التي تحكم وتوجه وتضبط تطبيقها على أرض الواقع سواء في مجال الجباية أو الإنفاق .
ولذلك فإن القاضي الشرعي محمد عبد الرحمن الفران يرى هو الآخر أن إنشاء صندوق خاص للزكاة أضحى حاجة ملحة للغاية كونه سيوفر آلية مناسبة لجمع وتصريف هذه الموارد على الوجه الأمثل بما يسهم في انهاء الالتباس لدى الناس حول الفوارق بين الزكاة وضريبة الخدمات ، كما سيعزز الجانب العقائدي الذي يوجب تأدية الزكاة لولي الأمر أومن يعينه لجبايتها .
ويضيف " سيترتب على حسن إدارة موارد الزكاة من قبل صندوق الزكاة ، ارتفاع الشعور العام بأهمية وضرورة الالتزام بتأدية فريضة الزكاة نظراً لما سيلمسه الناس من مساهمات حيوية للصندوق في توجيه أموال الزكاة لتحقيق أهداف انسانية واجتماعية سامية وملحة".
ولفت القاضي الفران الى الضرورات الملحة التى باتت تستدعي انشاء صندوق خاص للزكاة بالقول :" الخالق جل وعلا فرض الزكاة لغايات إنسانية نبيلة فهي حق للفقراء في أموال الأغنياء وتصريف أموال الزكاة دون وجود جهة مستقلة تتولي هذه المهمة كما هو حالياً يقلل من جدوى هذه الموارد في تحقيق الأهداف والغايات المتوخاة منها بل وقد يشكك البعض في اتجاهات تصريفها" .
وتابع :" أما في حال وجود صندوق خاص للزكاة فإن أموال الزكاة ومواردها ستكرس بشكل يلمسه عامة الناس وبخاصة من هم مستحقون لها كما سيكون لهذه الأموال فائدة ملموسة في انشاء مشاريع تخدم الفئات المستحقة وتحقق النفع العام".
لكن إنشاء صندوق خاص للزكاة لابد أن يترافق في نظر الأكاديمي المتخصص في فقه العبادات الدكتور ناصر الضمين مع توفير العديد من الاحتياجات الضرورية لضمان حسن اداء الصندوق وتصريف موارده.. إذ يقول :"انشاء صندوق للزكاة ليس مجرد قرار يتخذ ، فاستحداث مثل هذا الصندوق يتطلب بالضرورة توفير احتياجات ومقومات رئيسية لضمان حسن ادارة اموال الزكاة من قبيل رفده بالكوادر المؤهلة القادرة على إدارة منظومة مالية وإدارية بكفاءة عالية".
ويتضح أن صندوق الزكاة في كل النماذج القائمة في البلدان العربية التى خصصت مثل هذا الصندوق لتصريف أموال الزكاة ، يقوم بمهام عديدة ليس فقط تقديم المساعدة من أموال الزكاة لمستحقيها بحسب المصارف المحددة في الشرع وحسب ، بل تضطلع بمهام كبيرة كتمويل وإدارة المشاريع ذات النفع العام المتوافق غاياته مع أهداف تشريع الزكاة وتقديم الدعم الذي لا يتوقف فقط على المعونات والمساعدات المالية وانما قد يصبح الدعم نوع من التأهيل التقني أو الفني لفئات مستحقة وهي قضايا تحتاج الى إدارة قادرة على إدارة أموال وموارد الزكاة بما يحقق النفع العام .
الداعية الاسلامي الشيخ نصر العيدروس يرى هو الآخر ان وجود صندوق خاص للزكاة سينعكس ايجاباً على حجم الأموال التى يتم جبايتها كما سيضمن حسن التكريس والاستغلال.. موضحاً بالقول " صندوق الزكاة يجب ان يخرج الى حيز الوجود فما يتم جبايته من أموال الزكاة من قبل الدولة صاحبة الاختصاص الشرعي بالقيام بهذه المهمة لايمثل سوي نسبة بسيطة من التقديرات المفترضة والسبب يعود لكون الكثير من الناس والمكلفين يلجأون الى تصريف زكاة أموالهم بمعرفتهم الشخصية ولا يسلمونها الى الدولة " .
وتابع العيدروس "لذا فان إنشاء صندوق للزكاة يقوم بمهام تصريف اموال الزكاة وابراز هذه الأموال في شكل مشاريع وأنشطة نافعة للمجتمع قطعاً سيجعل الكثيرين يفضلون تسليم زكاتهم للصندوق أما استمرار الوضع على ماهو عليه وعدم وجود صندوق خاص بالزكاة ، فأنه سينعكس سلباً كماهو الوضع حالياً على موارد الزكاة المحدودة والافضل بالطبع استغلال هذه الاموال في المنفعة العامة من خلال اطار واضح وموثوق وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا باخراج هذا الصندوق الى حيز الوجود ".

** إجراءات وجهود
يبرز من بين أهم الجهود الحكومية الرامية إلى إنشاء جهة خاصة تتولى إدارة أموال الزكاه القرار الجمهوري الصادر في نوفمبر من العام 2003م والخاص بإنشاء المجلس الأعلى لأمناء الزكاة وتحديد مهامه وإختصاصه والذي قضت المادة الأولى منه بإنشاء مجلس أعلى يسمى (المجلس الأعلى لأمناء الزكاة) يكون مقره أمانة العاصمة ويتبع مجلس الوزراء.
ورغم إن القرار تضمن العديد من المهام والاختصاصات ابرزها رسم السياسات والخطط العامة لتحصيل أموال الزكاة وتصريفها وتوجيهها نحو خدمة التنمية الاقتصادية ، إلا أن القرار الذي اعتبر في حينه نقلة نوعية نحو إقامة مؤسسة زكوية نموذجية واجه الكثير من الصعوبات والتحديات التي ساهمت في تعميق الفجوة فيما يخص إدارة موارد الزكاة.
يقول كيل وزارة الادارة المحلية المساعد للموارد المالية المحلية محمد الظرافي أن ما يعيق صدور قرار بتشكيل مجلس أعلى للزكاة يتولى الإشراف العام على تحصيل وتوريد أموال الزكاة المستحقة على المكلفين بمقتضى احكام الشريعة الاسلامية ووفقاً للدستور والقوانين واللوائح النافذة يتمثل في عدم وجود قانون ينظم عمله.
ومع أن إنشاء المجلس الاعلى للزكاة ينسجم من وجهة نظر المسئولين مع التجارب الإسلامية الرائدة في هذا الجانب التي أثبتت دورها الفاعل في إضفاء المزيد من الشفافية والشرعية من خلال تمثيل كبار دافعي الزكاة والعلماء في إطار هيئة أو مجلس أعلى للزكاة من شأنه تعزيز إجراءات تحصيل وإخراج الزكاة بما يؤكد أحقية الدولة في تحصيل هذا المورد إلا أن المجلس لم يقم بأي مهام نظراً لغياب الاطار القانوني لأعماله وتأخر التعديلات الخاصة بقانون الزكاة .
ويرجع المسئولون سبب تأخر صدور القانون المنظم للمجلس الاعلى للزكاة بتعارضه مع صدور قوانين اخرى تتصل بقانون الرعاية الاجتماعية ، يقول وكيل وزارة الادارة المحلية المساعد للموارد المالية " كنا قد انتهينا تقريباً من وضع الإطار العام لمشروع تعديلات قانون الزكاة لكننا فوجئنا للأسف بصدور قانون الرعاية الاجتماعية بما يتعارض مع ما يتم اعداده في القانون الجديد.
واستطرد قائلاً "" اللجنة المشكلة لإعداد تعديلات قانون الزكاة روعي تشكيلها من كافة الجهات المعنية بما فيها وزارة الشؤون الاجتماعية وصناديق الرعاية الاجتماعية ووزارتا الأوقاف والمالية إلا أن صدور قانون الرعاية الاجتماعية أعاق إلى حد ما عمل اللجنة المشكلة لإعداد هذه التعديلات" .
ورغم أن توقعات المسئولين كانت قد ذهبت حينها بالانتهاء من تعديلات قانون الزكاة بنهاية العام الماضي خصوصاً وان اللجنة المكلفة كانت تعمل على قدم وساق للخروج بمشروع القانون الجديد إلى صورته النهائية إلا أن تأخر صدور القانون حتى اليوم ادى إلى الابقاء على القانون السابق بكل ما فيه من مآخذ أهمها عدم ارتباط مهامه واختصاصاته بحيثيات وابجديات العملية الاقتصادية وتنميتها .
ولعل القانون الجديد المنتظر له ان يرى النور قريباً كان من شأنه أن يتلافى الكثير من القصور في القانون الحالي من خلال تركيزه وفق المسئولين على ثلاثة محاور رئيسة لم تكن موجودة في القانون السابق ، حيث يشمل المحور الأول دور الدولة في التحصيل وفق آليات حديثة ، أما المحور الثاني فيتضمن إجراءات كيفية الإنفاق على المصارف الشرعية وتحديد ضوابط الإنفاق ، فيما يركز المحور الثالث على توحيد الجهود الرامية مكافحة الفقر عبر صناديق الرعاية الاجتماعية وبرامج مكافحة الفقر.
ولا يلغي توقف القانون الجديد عند هذا المصير فكرة انشاء صندوق للزكاة أو يحد من الترحيب بها من قبل الأوساط المجتمعية والدينية المهتمة ، حيث يرى أمام وخطيب مسجد الصحابة بالعاصمة عبد الكريم الزبير ويتفق معه الكثير ممن التقيناهم في سياق هذا التحقيق أن من شأن الصندوق المساهمة في الكثير من المعالجات وأبرزها تفعيل فريضة الزكاة في المجتمع ، وتفهم الكثير من المؤدين للزكاة أهمية العمل المؤسسي لهذه الفريضة، بعد أن اعتاد الناس التطبيق الفردي.
فيما يرى عبد العزيز المخلافي (باحث في العلوم الاسلامية) أن عدم العمل بمثل هذه الفكرة من شأنه تعميق الفجوة بين المؤدين للفريضة وبين مصادر تحصيلها ممن يميلون إلى اداءها بصورة فردية بعيدة عن مصادر الشك بمصادر إدارتها ، ويشير إلى الكثير من الايجابيات التي سيعمل إنشاء صندوق للزكاة على توفيرها ويقول أن ظاهرة الفقر لا تزال من أبرز المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تنتشر في المجتمعات البشرية ، لما يترتب عليها من آفات اجتماعية كالمرض و الجهل ، والتي تؤثر سلبا على الواقع المعاش للأفراد من جهة وعلى تحقيق أهداف التنمية الاجتماعية و الاقتصادية من جهة أخرى.
وتشكل مكافحة الفقر وايجاد سبل لمواجهته من أهم التحديات الأساسية التي تقوم بها الحكومات لرفع المستوى الأدنى لهذه الطبقات ، و كذا الوقوف على مواطن الضعف والنهوض بها للوصول الى مستوى معيشي ملائم إلى حد الكفاية في ظل النظام الذي يهدف الى تحقيقه.
وتابع المخلافي "ومن ثم كانت الزكاة احدى الركائز المهمة في محاربة آفة الفقر والتسول ودعم التنمية الاجتماعية ضمن منظومة اقتصادية متكاملة تبدأ بالبحث عن العمل ونبذ العجز والكسل وتنتهي باعانة المدين ، فالزكاة طهارة للنفس والمال لقوله تعالى:" خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" و اعتمدتها عدة دول اسلامية لمحاربة آفة الفقر، ولكن لا يمكن للزكاة أن تقوم بهذا الدور المهم إذا كانت مجرد دريهمات متناثرة بين الفقراء إلا إذا كانت في شكل منظم وتحت رعاية وإشراف الدولة ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :" ادفعوا صدقاتكم إلى من ولاه الله أمركم فمن بر لنفسه ومن أثم فعليها" فالدولة تملك الوسائل التي تسمح لها بجمع وتوزيع أموال الزكاة حسب الشرع".

** صندوق الزكاة
يبقى من المهم في ظل تداخل الآراء وتعارضها مع القوانين والتوجهات، الإشارة إلى الكثير من الايجابيات التي سجلتها التجارب العربية الفريدة لصندوق الزكاة والتي منها على سبيل المثال لا الحصر لبنان ، حيث أن فكرة انشاء صندوق للزكاة فيها كانت عصية على التنفيذ إلى ما قبل اربعينيات القرن الماضي نظرا لتركيبة المجتمع اللبناني المتعدد الأديان والطوائف والمذاهب، الامر الذي ألجأ المشرع إلى الإقرار بأن لكل طائفة دينية حريتها في إدارة شئونها الوقفية والدينية.
وفي مطلع الأربعينيات من القرن العشرين بدأت الدعوة إلى تنظيم الزكاة ، غير أنه في أواخر عام 1977، قام المجلس الشرعي الإسلامي بوضع النظام الأساسي والداخلي لصندوق المستقبل لبيت مال المسلمين ، إلا أنه لم يجر تطبيقه على أرض الواقع إلا في عام 1984، ونتيجة لاقتراح عدد كبير من الشباب المسلم ، أصدر مفتي الجمهورية قرارا بإنشاء صندوق الزكاة ، وشكل له لجنة من مجموعة من رجال الخير المتطوعين لإدارته ، ومع مرور الوقت وضع له نظام مالي وداخلي ، واستعملت الوسائل الحديثة في برمجة المعلومات والحسابات المالية والتدقيق والمراقبة.
وخلال تلك المدة التي بلغت عشرين عاما، وضعت إدارة الصندوق خطة إعلامية تنفذها خلال شهر رمضان بكثافة بهدف الوصول إلى أكبر عدد من المسلمين لنشر الوعي بالزكاة وأحكامها، إضافة إلى زيادة نطاق المساعدات ضمن برنامج متنوع يشمل المساعدات المالية الدائمة أو المؤقتة، والمساعدات للمرضى والقروض الإنتاجية الحسنة، وبرنامج توزيع البقرة الحلوب في المناطق الريفية.
وبلغ عدد المستفيدين في عام 2003 من الصرف الشهري 1119 مستفيدا، أما المساعدات المدرسية فتصرف لـ7541 طالبا، كما تم كفالة 1187 يتيما، وتوزيع 13 بقرة حلوب، وكسوة 9043 محتاجا، وإفطار 7250 صائما، ومساعدة 13 شخصا على عمل مشروع إنتاجي.
ويتضح من ذلك أن صندوق الزكاة قام بإجراء نقلة نوعية لنشر الوعي بفريضة الزكاة وأهميتها للمزكي، والتوسع في تمويل المشروعات الإنتاجية الصغيرة، والوصول إلى عدد من الفقراء المتعففين، ومن الذين لديهم استعداد لتنفيذ مشاريع إنتاجية صغيرة تمكنهم من التخلص من حالة الفقر بل وأصبحوا من الذين يخرجون زكاة مال .