[21/أبريل/2008] (السياسية)- استطلاع: غمدان الدقيمي
انشغل المواطنون في كافة محافظات الجمهورية خلال الأسبوعين الماضيين بشائعة "مصباح" قديم يعمل بمادة الكيروسين "القاز" مكتوب عليه اسم محمد يوسف خان، وأن هناك شركة أو محلات صرافة تقوم بشرائها بمبالغ كبيرة تبدأ بـ300 ألف ريال وتنتهي عند حد المليون، كما تداوله الناس في الشارع ويقال إن تلك المصابيح تحتوي على مادة اليورانيوم أو الزئبق وما إلى ذلك.
الجدير بالذكر أنه ليست المرة الأولى نسمع عن مثل هذه الشائعات ففي كل عام ينشغل الناس بإشاعة لفترة ونكتشف أخيرا أنها "كذبة إبريل"، أو مزح من شخص توقع أو لم يتوقع أن تعمم، ففي السنوات الماضية سمعنا أن إذاعة "بي بي سي" ستشتري أجهزة الراديو القديمة بمبالغ باهظة واتجه المواطنون للبحث عن هذه الأجهزة؛ لكن خاب ظنهم.
"السياسية" نزلت إلى بيئة الشائعات واستطلعت آراء مواطنين، والتقت بالمختصين في علم النفس؛ لتكشف ما وراء هذه الشائعات وحكمها في الجانب الديني:
كذبة أبريل :
(ع.ح) موظف في الكهرباء، أشار إلى أنه تلقى الإشاعات في مرفق عمله من بعض الزملاء وفي الباصات وأنه كان يتمنى أن يمتلك هذا النوع من الفوانيس (تريك روسي أبو ثلاث نجمات)؛ لأنه سيقوم ببيعه بـ300 ألف ريال أو أكثر حسب ما حدثه زملاؤه، لكنه تأكد أخيرا- حسب قوله- من بعض الأصدقاء أن ما سمعه مجرد إشاعات وأنها كذبة أبريل من العيار الثقيل كما هي كذبة الراديو الانجليزي.
وقال إنه في بداية الأمر حث زوجته بأن تشتري فانوس (تريك) أحد الجيران دون أن تخبرها بالسبب وأن هذا النوع من الفوانيس قديم جدا، وأن البعض ورثوه من آبائهم وأجدادهم ومازالوا يحافظون عليه منذ مئات السنين، لكنه لم يعد يسمع عن الموضوع شيئا، وهو ما يدلل أنها كذبة.
مشروع استثماري:
أبو محمد- عامل بمطعم في محافظة عدن- تلقى الخبر من أحد مرتادي المطعم ولم يصدق نفسه في تلك اللحظة وشعر أنه أمام حلم جميل طال انتظاره؛ لأنه يملك "تريك أبو ثلاث نجمات"، ومباشرة اتصل بأسرته في الريف وكلفهم بالبحث عن الاتريك (المصباح) القديم، وأنه ستتحسن ظروفهم المادية بمجرد أن يرسلوه إليه، والحديث هنا لأبي محمد: "بمجرد سماعي للخبر بدأت أفكر بمشروع استثماري بعد بيع (الاتريك) والتحرر من العمل في المطعم، وتحسين الظروف المعيشية لأسرتي، لكنني اكتشفت أخيراً أن هناك مقلبا دبره أحد المواطنين، وقام بتسريبه، وهذا ساعد على انتشاره في جميع محافظات الجمهورية وأصبح حديث الساعة".
أبو محمد يرى أن مثل هذه الإشاعات تؤثر سلباً على المواطنين وتدخلهم في أوهام لا أول لها ولا آخر، خاصة أن شريحة كبيرة من المواطنين تعيش تحت خط الفقر ويعتقدون أن "ليلة القدر" نزلت عليهم حال سماع الخبر؛ لأنهم سيمتلكون الدنيا وما فيها أثناء حصولهم على 300 ألف ريال أو أكثر، خصوصاَ أن المبلغ بالنسبة لهم كبير جداً مقارنة بدخلهم اليومي الذي لا يغطي أبسط الأشياء مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية.
من أقوال الصحف:
وذكرت صحيفة "الناس" المحلية، أنه في محافظة إب حدث أن قام شخص بشراء "مصباح" من شخص آخر ويحمل ذات المواصفات المطلوبة في الشائعة، وعندما علم صاحب "المصباح" أن من اشترى منه باعه بمبلغ يفوق "المليون ريال" قام يطالبه بمصباحه، وأنهما ما زالا مختلفين فيما بينهما. وأن شخصا آخر من محافظة تعز يقول إن أحد جيرانه أهداهم مصباحا قبل عدة سنوات حين كانت الكهرباء وقتها لم تصل إليهم ويضيف: حاليا يتصل بنا لأكثر من مرة يطالبنا بإعادة المصباح رغم أننا قمنا ببيعه، إلا أنه أصر على ذلك وبطريقة امتعاض الأمر الذي ربما أدى إلى "زعل" فيما بيننا. ومن المواقف الطريفة أيضا أن شخصا يقطن العاصمة عندما سمع بذلك اتصل بأخيه في القرية يقول له: "أنا هذه الأيام أشتغل البيت وأشتي منك تطلع لي الثلاثة "الفوانيس" القديمة اللي معانا لأجل أستضيء بهن في البدروم"، إلا أن أخاه كان لسان حاله عند رده عليه "على فرعون يا هامان"، فالشائعة من الأرياف انطلاقها.
تجار وسماسرة المنازل في أمانة العاصمة عند سماعهم للشائعة تركوا مهنتهم واتجهوا إلى الأرياف بحثا عن المصابيح، وهو ما حدث مع "سالم" وهناك أشخاص في بني ميمون مديرية عيال سريح محافظة عمران، نبشوا مخازنهم القديمة- حسب قول البعض- باحثين عن هذه المصابيح، وأحدهم طلب عدم إخبار أقربائه القاطنين أمانة العصمة بالموضوع وقال: "حتى لا تعاد تقسيم تركة والدهم التي تحتوي على أحد هذه المصابيح".
بحثنا كثيرا عن الشخص الذي قالوا بأنه يشتري هذه المصابيح ووجدنا أن الموضوع هو استخفاف بعقول المواطنين، وذكر الرجل المشار إليه من قبل البعض أنه مستغرب من الشخص الذي أشاع الخبر وقال إنه..., هو من يشتري هذه المصابيح ونصح المواطنين بعدم تصديق مثل هذه الإشاعات.
الرسام الدنماركي :
كما أن مثل هذه الإشاعات لم تخل من إثباتها بأوراق، فأحد المشايخ ذكر أنه رأى في المنام أن الرسول أخبره بموت الرسام الدنماركي، وقام الشيخ بكتابة هذا النبأ على ورقة وطلب من كل شخص يستلم الورقة أن يقوم بطباعتها لأكثر من عشر مرات وسيكتب له أجر عظيم.
استغراب :
من جهته قال الصحفي إياد الشرعبي: "نستغرب في أحايين كثيرة من إشاعة أو كذبة صغيرة ونجدها منتشرة بشكل غير عادي في بلادنا ولا تخلو بقعة ومقيل من الحديث عنها لعدة أيام وتلاقي مثل هذه الإشاعات اهتماما كبيرا جدا من الجميع (مواطنون ومثقفون وصحفيون وشخصيات كبيرة وأطفال ونساء وغيرهم)، وبالمقابل تنشر الصحف أحداث أو أخبار ذات أهمية بالغة، ونادرا ما تجد أحدا يتحدث عنها ويتفاعل معها- إلا ما ندر- وكأن ما يكتب في الصحف كذب، وما يقال في الشارع هو صحيح".
وأوضح الشرعبي أنه من الطبيعي التفاعل مع الإشاعة الأخيرة- بيع المصابيح- بين المواطنين؛ لأن الكثير منهم يشكون من ارتفاع الأسعار، وهذا سيخفف عنهم جزءا من المعاناة التي يواجهونها، وسيدفع بهم نحو الأمام لمقاومة الظروف المعيشية الصعبة.
ويؤكد الشرعبي أن "مجتمعنا مازال يعاني مشكلات عدة، منها: الفقر والبطالة إضافة إلى تدني مستوى الوعي، ولا يستطيع الشخص أن يتحكم بعقله عند سماعه كلاما مثيرا -كما حدث مؤخرا- وبدلا من التأكد من المعلومة التي تلقاها تجده ينشرها بين أكبر عدد ممكن من الناس مهما كانت حقيقية أو غير حقيقية ويكتفي بقول (قالوا)".
شائعات عديدة :
نصيب ردمان سعيد- تربوي في إحدي المناطق الريفية بمحافظة تعز- قال إن: "قبل شائعة المصباح، والشول النحاس، سمعنا عن موضوع الاتصالات الذي أدى إلى الرعب في أوساط المجتمع، وهذه الشائعات تدخل في إطار الكذب الحرام، ويدلل ردمان ذلك بقول النبي- صلى الله عليه وسلم- فيما معنى الحديث- عندما سأل {أيكون المؤمن جباناً قال نعم، أن يكون المؤمن بخيلاًَ قال نعم، أيكون المؤمن كذابا قال لا}؛ لأن الكذب والإيمان لا يجتمعان في قلب واحد، و{الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً}.
عدم الثقة بالنفس:
أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عدن الدكتور عبيد يسلم بن رعود، أكد لـ"السياسية" أن الانغلاق والأمية وضعف الثقافة والتوترات التي يعيشها المجتمع اليمني هي أسباب حقيقية لانتشار مثل هذه الشائعات التي لأساس لها من الصحة.
وأضاف: "أيضا عدم الثقة بالنفس وغياب الاتصال الجدي بين أفراد المجتمع وعدم التحاور بعقلانية تجعل الكثير من الناس يأخذون بعض الأمور بجدية، حتى وإن كانت غير صحيحة، إلى جانب الكيف ففي بعض المجتمعات ومجتمعنا طبعا يتكيف بـ"القات" تجعل الكثيرين يصدقون الأشياء غير الحقيقية، وعكس ذلك في الأخبار الموثوقة فهم لا يصدقونها". ولم يستبعد بن رعود الاتجاهات الأخرى التي يمكن أن تقف وراء هذه الشائعات بهدف الهاء الناس عن أمورهم الحقيقية.
ونصح بن رعود المواطنين بالتروي لمثل هذه الشائعات ولما يسمعوه، موضحا أهمية الاتجاه نحو القراءة وعدم العزلة والتنور والسماع للأخبار الحقيقية، والتواصل مع العالم. وقال إن القراءة تنمي العقل وتكسب الفرد مواهب عدة، وأنها أفضل من الخروج بين الناس في المقايل لسماع شائعات لا تسمن ولا تغني من جوع.
