[27/أكتوبر/2007] عدن (السياسية):تحقيق: أحمد حسن عقربي
متاعب الزراعة.. واستقبال مياه الوادي.. وبساطة الناس عكست نفسها في رقصات الدمندم والمركح وأعلى محنا ونجيم الصباح.
الرقص الشعبي اللحجي هو جزء من مكونات تراثنا اليمني الأصيل، رقصا ونغما وإيقاعا، بمختلف الألوان الفنية بل لعله جزء من مكونات المواطن اليمني اللحجي ومن فلكلوره الشعبي والذي يعكس طبيعة المزارع اللحجي في الزراعة وعملية (السقو) عند استقبال واد كبير وواد صغير وهي عملية إنتاجية تحتاج إلى السرعة في الحركة لملاحقة مياه الوادي وترشيدها حتى تسقى كل أراضي المزارعين بدون استثناء بما يرافق ذلك من عبارات يرددها المزارعون عند التبشير بقدوم مياه الوادي (الدفر) مثل (حطوب سيلوه) بما يصاحبها من إحساس الفرحة والبهجة والزغردة والتصفيق بالوادي إلى جانب الرقص وهي حركات حياتية وإنتاجية للمزارعين في لحج انعكست في بساطة المواطن فيها وحياته المرحة وروح النكتة التي لازمت خصوصية اللحجي وأخلاقه المستمدة من اخضرار الوادي وعفير مياه السيل عند القدوم إلى جانب عقليته الحضارية وهي ميزة تنطبق على كل من عاش في السهول الزراعية الخضراء أو بجانب الوادي أو الأنهار؛ ولذلك فقد تنوعت وتعددت الرقصات اللحجية التي تعكس الحياة الزراعية وفلاحة الأرض عند المزارعين في حياتهم الاجتماعية وطقوس الزواج وأفراحه.
وأشهر تلك الرقصات _الرزحة) و(الدحفة)والشرح (والدمندم) ورقصة (الحنا) و(نجيم الصباح)، حيث كانت تؤدي تلك الرقصات بآلات الطبول المعروفة بالهاجر والمراويس وآلة المزمار والسمسمية (الطنبور) وان كانت بعض الآلات قد اختفت في الوقت الحاضر ولا نراها إلا في المتاحف الوطنية أو عند بعض الأفراد الذين لا زالوا يحتفظون بها في منازلهم.
**تراث مندثر
تتعرض الرقصات اللحجية إلى تهديد الانقراض والتشوية لقواعد الرقصة الأساسية ولذلك نرى ضرورة الاهتمام والعناية من خلال إنشاء مركز يمني يعنى بهذا الجانب وإمداده بكافة التجهيزات والوسائل والإسراع في وضع الخطط لإجراء المسوحات الميدانية اللازمة لتراثنا الفني المتناثر والمهدد بالانقراض ومن ضمنه الفلكلور الشعبي اللحجي والرقصات الشعبية اللحجية الأصيلة وهو الأمر الذي يمكن الدارسين والمختصين من الوصول إلى الكثير من المعلومات التاريخية الهامة ويسهل عليهم إجراء الدراسات التخصصية في مجال البحث عن هذا التراث والعمل على جمعه وتدوينه.
*يقول الباحث الموسيقي عبد القادر قائد: إن لحج تمتلك رقصات شعبية فلكلور متنوعة منها (الدحفه) التي يلعبها رجل وامرأة أو رجلان وامرأتان في المدارة ويستخدم لأدائها إيقاعات الطبول (الهواجر)، وأحيانا مع المراويس. وتمتاز هذه الرقصة بخفة الحركة والحركات النظامية وفيها يحاول الرجل اختطاف أي شيء من المرأة مثل خاتم أو (مريه)- بضم الميم- أو مقرمة في حين أن المرأة تحترس من أن يخطف الرجل منها أيا مما ذكر آنفا، أما رقصة الشرح؛ فهي عبارة عن رقصة يرقصها الرجال والنساء معا وتؤدى عبر طبلة الهاجر والمراويس، وهذه الرقصة سريعة الخطوات.
ولرقصة الشرح ألوان مختلفة وبإطلاق الألحان تختلف الأوزان الشعرية إلا أن الإيقاع يظل واحدا. ومن أشعار وأغاني هذه الرقصة على سبيل المثال (قلي ليش يا سيدي، طبعك ليش صبح مغلوب، سامحني وانا باتوب).
ويضيف قائد الذي يدرس النظريات الموسيقية العامة بمعهد جميل غانم للفنون الجميلة ومؤلف كتاب (من الغناء اليمني قراءة موسيقية): مثل هذه الأغاني كانت تغنى في الشرح والتي عادة ما يرقصها رجلان أو رجل وامرأة فقط على نغم الدان وتصفيق الأكف (الأيادي) محدثة صوتا إيقاعيا موسيقيا، ومن الشعراء الذين صاغوا أغاني شرحية كأغنية قال بوفضل سالم الشاعران اللحجيان المشهوران أمير الفن اللحجي احمد فضل القمندان والشاعر عبدالله هادي سبيت رحمهما الله ونفس أغنية (قال بوفضل) كانت تصاحب رقصة الدحيف إلى جانب أغان تراثية أخرى عبارة عن مساجلات بين الشعراء سميت مساجلات الدحيف وهي كما يقال منقولة من أبين ومن أبرز شعراء الدحيف يرجح بعض المهتمين بالتراث الغنائي في محافظتي لحج وأبين أن الشاعر المرحوم (سالم خير) أحد شعراء الدحيف القدامى البارزين في منطقة شقرة بأبين موطن إيقاع الدحيف الأصلي.
**الشرح
يشبه إيقاع رقصة الشرح اللحجي إلى حد كبير من حيث الاستخدام في دول الخليج العربي ومعروف عندهم بالإيقاع العدني. كما يقول قائد وهناك نوع من الإيقاعات المركبة عليه الكثير من الأغاني اللحجية ويعد تطويرا لإيقاع الشرح، يطلق عليه البعض بالشرح اللحجي الثقيل. وهناك تسمية أخرى له أكدها الفنان فيصل علوي وهي الشرح السلطاني.
وكما عرفت من الباحث الموسيقي قائد في معرض إسهابه عن الإيقاع الشرحي اللحجي الثقيل انه يتميز بالرتابة والوقار وهو ما يلاحظ في حركات الراقصين التي يغلب عليها المط في الأداء، كما انه لا يختلف في تركيب ميزانه وحركاته الداخلية عن الإيقاع الشحري الساحلي الشائع المستخدم كثيرا في محافظة حضرموت، غير أننا نلاحظ الفرق بينهما في السرعة فقط، فسرعة إيقاع الشرح اللحجي الثقيل على جهاز المترنوم هي 84 ضربة بلانش في الدقيقة بينما سرعة إيقاع الشحري الساحلي تكون أنشط من ذلك وتقاس بجهاز المترنوم بـ104 ضربة بلانش في الدقيقة مع إدخال بعض الزخارف والحليات المقتبسة من إيقاع هندي مألوف تخرجه بعض الشيء من طابعه المحلي.
** الدمندم
الدمندم عادة يرقصها المزارعون السمر من أبناء قرية الخداد، وهي رقصة شعبية يستخدم لأدائها الطبول الهواجر والمراويس ويلعبها رجل وامرأة وتمتاز حركاتها بالخفة والسرعة ويدور الرجل من خلال هذه الرقصة حول المرأة بخطوات سريعة لأخذ ما بحوزتها، وهذه الرقصة يلعبها الناس في نهاية الحصاد الزراعي وأيام الأفراح والمواليد، ومن الأغاني المصاحب لها أغنية: شراحي.. كيه .. سمعوا الأوطاف.. با أعطى شراحه لا توكونوني .. وإلا طرحوا الطين باجيب شراح. وهي من كلمات الشاعر اللحجي فضل ماطر.
ويشير الباحث عبد القادر قائد إلى أن رقصة الحناء ونجيم الصباح المشهورة في لحج قلدها في الرقص اليمنيون في مختلف محافظات الجمهورية وانتشر صيتها خليجيا ورقصها الطلاب اليمنيون في المهرجانات العربية والعالمية، وهي من الرقصات التي لم تطمسها رياح الانقراض أو الإهمال أو حتى التشويه لأصالتها وخصوصية قواعد رقصها وإيقاعها الموسيقي الراقص وعادة ما تكون مسك الختام في حفل مخادر الزواج، وكان الفنان فضل محمد اللحجي وفيصل علوي هما فرسان هذه الأغنية في المخادر التي يرقص ويطرب لهما الجميع في الزواج.
أما الحديث عن أصول هذه اللعبة وطقوسها فيقول قائد: كانت العادة قد جرت حتى وقت قريب واستمرار السمرة حتى الساعة الرابعة صباحا ينهض بعدها من تبقى من السامرين ليقفوا في شكل دائري وكل منهم يمسك من بجواره بيديه من الخصر ويتوسط هذه المجموعة المغني والعازفون وأصحاب الطبول والمراويس والهاجر إلى جانب امرأة تحمل البخور في صحن أو طشت باللهجة اللحجية به قليل من الحبوب وحبات البيض وتبدأ هذه الرقصة بأن يأتي عاقل الحارة أو القرية حيث يهتف بصوت عالٍ ( حوطك الله وسبعين ولي أولهما محمد وتاليها علي والمالك الحريو) وبعد هذه الصيحات يبدأ الإيقاع والمغنى ويردد بعده الموجودون (وأعلى محنا) ومن أبيات هذه الرقصة:
سعد ما مسعود فاح عرف العود
اسقني الصهباء دمعة العنقود
تجلي الكربة تشفي المارود
حلها يا الله يا كريم الجود
بالمبرح قاتنا والمثنى
سعد يا مسعود فاح عرف الند
في السمر لاقانا أصيل الجد
كلما طاب أحبانا طبنا
واعلى أمحنا واعلى أمحنا
*الزفنة
أما رقصة الزفنة فهي رقصة شعبية ترقصها امرأتان بإيقاع الطبول الهاجر والمراويس وعلى وجه كل منهن مقرمة،- منديل شفاف يغطى به الرأس-، يؤدين هذه الرقصة وهن لابسات افخر ثيابهن وحليهن، وطريقة أدائها تبدأ بمد الرجل اليمني ودقها على الأرض مع إيقاع الطبول ومع الأشعار التي كانت تصاحبها وهي للشاعر عبدالله محسن والد الشاعر والملحن عبده عبد الكريم هي:
ماشي كما جبر الخواطر
لا قد عطاك الزين كليه مليح
يسليك لا انته ألف ضاجر
تمسي وتصبح خاطرك مستريح
إلى جانب بعض من الأبيات أوردها الأمير علي بن أحمد فضل تقول:
بس الهوس بس يا وجه المشيبة يسليك
خلي الهواسة لمن عادة ببسباسه
وقت المشيبة مضى غير الملبس
لبس الصغر في الكبر يزري بلباسه
**المركح
ويقول الشاعر الشعبي رحمه الله مسرور مبروك صاحب القصيدة المشهورة عشق الطفر بس لا كانه.. عاشق زري ولد حافتنا.. يلبس ثيابه ويتعطر ماشي ..معه في الكمر عانة.
يقول هذا الشاعر إن رقصة الزفنة- كما يسميها أهل المدينة- تسمى عند أهل القرى في لحج المركح لكن الاختلاف يكمن في التسمية، أما الإيقاع فيظل كما هو في كل التسميتين إيقاع زفنة وينطبق على مركح أهل القرى نفس تعريف الزفنة في الإيقاع وطريقة الأداء واللبس.
أما المركح فهي رقصة شعبية لا تختلف عن رقصة الزفنة وتتطابق معها من حيث الأداء واللبس، أما وجه الاختلاف بينهما فهو في الضروب الإيقاعية والألحان ونغمة المركح وهي مقدمة لحن على المحبين شني .. يا مطر نيسان.
وهذه القصيدة التي تجاري هذه الرقصة من كلمات أمير الفن القمندان الذي يقول فيها:
يا قلب مالك بالبكاء والأنين
ربك على هذا الهواء با يعين
على فراق الزين تمسي حزين
تشكي على القرى والسامعين
ما شفت حد إلا حبيبك حسين
حتى ضبا الحنة ولا الحور عين
