|
لـمحـة تــاريخـيـة عـن الـتــعـدديـة الـسـيـاسـيـة في اليمن0 (الجزء الأول) [19/يونيو/2003] التعدديـة السياسيةهي ركن أساس من أركان الديمقراطية وليس لها تعريف واحد،وان كان لها تعريف غالب هو وجود احزاب سياسية مختلفة تمثل قوى اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية متباينة، وهذه الاحزاب تتنافس فيما بينها من اجل كسب الرأي العام تمهيداً للوصول عن طريقه إلى السلطـة.
والتعددية السياسية بهذاالمعنى لم تكن موجودة في اليمن - بشطريه – قبل الوحدة على الاقل بشكلها الرسمي والعلني وان كانت موجودة في الواقع العملي وتعمل فـي الـسـر..
ففي الشطر الشمالي من الوطن(سابقاً)، وعلى الرغم من أن أحد أهداف ثورة 26 من سبتمبر 1962كان (إقامة مجتمع ديمقراطي عادل)، الا أن ذلك لم يتحقق في الواقع العملي، حيث دخل الثوار في صراع فيما بينهم ودخل النظام في أزمة كانت نتيجة طبيعية لعجزالثوار عن تحقيق هدف عظيم من أهداف النضال الوطني وهو قيام حياة ديمقراطية سليمة، وقد صدرت عدة دساتير بعد قيام الثورة كانت تعكس مفهوم الصراع حول الحد من سلطة الحاكم ومن فرديته، كما كانت تعبر أيضاً عن غياب المفهوم الصحيح لحل هذه الاشكالية، واسـتمر الصراع داخل اجنحة الحكم حتى جاءت حركة نوفمبر 1967م وكان المطلب الهام حينذاك (هـو تحقيق الديمقراطية بأوسع معانيها لهذا بدأت القوى الوطنية المختلفة تلح في تحقيق هذا المطلب الحيوي حتى يتحمل الجميع مسئولياتهم، وحتى تسير السفينة بعيدا عن الزوابع والاعاصير التي تنتج من الحكم الفردي ذي الصفة العسكرية).(1)
وعلى إثر ذلك تم تشكيل المجلس الوطني المؤقت وبالرغـم من أن أعضاءه تم اختيارهم بالتعيين وليس بالانتخاب الحر المباشر، إلا أنه كان البداية التي مهدت لخطوات اخرى، حيث تمكن المجلس من وضع مشروع الدستور الدائم ثم اخلى مكانه لمجلس الشورى والذي كان -رغم سلبياته- خطوة متقدمة في الطريق الصحيح، وكان الدستور الدائم الذي تم اقراره عام 1970م قد اعطى صلاحيات واسعة لمجلس الشورى وقيد سلطات رئيس الجمهورية ولكنه نص على ان الحزبية محظورة بكافة اشكالها، وكانت النظرة الى الحزبية آنذاك نظرة سلبية باعتبار انها رديف للعمالة والخيانة والتمزق .. الخ وشاعت في أوساط الجماهير المقولة التي نسبت إلى القاضي عبدالرحمن الإرياني "رحمه الله" (بأن الحزبية تبدأ بالتأثر وتنتهي بالعمالة).
وبعد حرب 1972م بين شطري اليمن وتوقيع اتفاقية الوحدة بينهما، ثم تأسيس الاتحاد اليمني ليكون الوعاء الديمقراطي الذي يمكن ان يضم جميع ابناء اليمن ليتبادلوا الرأي بحرية تامة، ولكن بعد قيام حركة 13 يونيو 1974م تم - للاسف - الغاء هذا الاتحاد وحل مجلس الشورى ومجلس الرئاسة واستبدالهما بقيادة عسكرية، وبذلك انتهت تجربة ديمقراطية كان يمكن ان تنمو وتتطور ولكن وبالرغم من ذلك فان هذه المرحلة قد عرفت نوعا جديدا من المشاركة الشعبية عن طريق التعاونيات والمجالس المحلية والتي حققت نجاحا كبيرا واسهمت في عملية التنمية .
وبعد ان تولى الرئيس علي عبدالله صالح مقاليد الحكم وبالتحديد منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي والذي شهد بداية الاستقرار في نظام الحكم، عمل الرئيس وبشكل تدريجي على إرساء النهج الديمقراطي وتوسيع المشاركة السياسية بدءً من إنشاء المؤتمر الشعبي العام عام 1982م كإطار يضم جميع التيارات السياسية في الساحة، ثم انتخابات الهيئات الادارية للمجالس المحلية عام 1985م، ثم انتخابات مجلس الشورى عام 1988م، بالرغم من ان التعددية السياسية والحزبية العلنية ظلت محظورة دستوريا وفي هذا الصدد يقول الرئيس علي عبدالله صالح (كانت اقامة التعددية الحزبية مباشرة في تلك المرحلة خطأً فادحا في بلد لا يوجد فيه تقليد ديمقراطي، ولم يمارس فيه الانتخابات العامة ابدا، لم يكن ينبغي حرق المراحل بشكل غير مسؤول، ولم يكن امرا جديا ان نقترح كما فعل البعض اقامة نظام الاحزاب فورا لان ذلك كان سيؤدي الى الانقسام والشلل والبلبلة، كان يتوجب علينا عكس ذلك تجميع القوى الحية للأمة وبخاصة التشكيلات السياسية والنقابية داخل حركة واسعة الانفتاح تستطيع ان تختبر اول شكل للانتخاب العام، هذا ما فعلناه بتأسيس المؤتمر الشعبي العام، فتح ذلك الطريق الى حياة ديمقراطية تبدأ مع انتخابات المجالس المحلية للتطوير التعاوني في العام 1985م، ثم في يوليو 1988 مع الانتخابات البرلمانية للاقتراع العام).(2)
ولم يكن الوضع بأحسن حالا في المحافظات الجنوبية والشرقية والتي كانت قد شهدت اثناء فترة الاحتلال البريطاني حركة حزبية وصحفية متنوعة، لأن بريطانيا آنذاك كانت تسمح بالحزبية في مستعمراتها في آسيا وافريقيا، ولكن بعد رحيل الاستعمار البريطاني عام 1967م وبعد ان تخلصت الجبهة القومية من جبهة التحرير، أعلنت القيادة العامة للجبهة القومية في بيانها العام عشية 30 نوفمبر 1967م (ان الجبهة القومية هي الممثل الوحيد للشعب وهي التنظيم السياسي الوحيد في الجمهورية كما اكدت عزمها على بناء حزب طليعي عقائدي قادر على مواجهة اعباء المرحلة).
وفي عام 1970م اصدرت الجبهة القومية الدستور الذي اكد على احتكارها للسلطة حيث جاء في المادة السابعة منه (ويقود تنظيم الجبهة القومية على اساس الاشتراكية العلمية، النشاط السياسي بين الجماهير ضمن المنظمات الجماهيرية بغية تطوير المجتمع بطريقة تستكمل فيها الثورة الوطنية المنتهجة الطريقة غير الرأسمالية، ثم تحول النظام صراحة الى نظام الحزب الواحد الذي تبنى الاشتراكية العلمية حيث نصت المادة الثالثة من الدستور المعدل عام 1978م على ان (الحزب الاشتراكي اليمني المتسلح بنظرية الاشتراكية العلمية هو القائد والموجه للمجتمع والدولة وهو الذي يحدد الأمن العام لتطور المجتمع وخط السياسة الداخلية والخارجية للدولة)(3).
وبالرغم من انفراد الحزب بالسلطةالا ان للعنف دورة لا ترحم، والنار تأكل بعضها ان لم تجد ما تأكله فقد استمرت الصراعات داخل الحزب وكان آخرها واكثرها دموية أحداث 13يناير1986م، والتي جعلت بعض قيادات الحزب تدعو الى ضرورة الإصلاحات السياسية ومراجعة تجربة نظام الحزب الواحد، وبدأت بعض الاصوات تنادي بضرورة إقرار التعددية كبديل للحكم الشمولي، وقد بدأت وتيرة الاصلاحات تزداد تزامناً مع التطورات الدولية والمباحثات الجادة للوحدة، حيث اقرت اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اثناء الدورة الـ(15) في يونيو 1989م البرنامج الاصلاحي الذي اتخذه الحزب داخل بنيته مرتكزا على الديمقراطية والتعددية السياسية، وفي الدورة الـ(18) للجنة المركزية اقرت حق ممارسة التعددية الحزبية في اطار الدستور وكلفت المكتب السياسي بوضع الاتجاهات الاساسية لقانون الاحزاب.(4)
* المحور الأول: الاساس الدستوري والقانوني للمشاركة السياسية للانتخابات فـي الجمهورية اليمنية:
- أولاً: ترسيخ الاساس الدستوري للتعددية السياسية:
أ- التعددية السياسية في دستور دولة الوحدة:
منذ بدء المفاوضات الوحدوية بين شطري اليمن عام 1972م وتحديدا بعد صدور البيان المشترك الصادر عن قمة طرابلس في نوفمبر 1972م والذي نص على ان (ينشأ تنظيم سياسي موحد يضم جميع فئات الشعب المنتجة صاحبة المصلحة في الثورة) ظل الاتجاه العام في المفاوضات التي تلت هذه القمة والى ما قبل اعلان الوحدة يدور حول كيفية إنشاء تنظيم سياسي موحد يجمع تنظيمي الشطرين الحاكمين (المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني).
غير انه ومع تسارع الخطوات الوحدوية في اواخر الثمانينات من القرن الماضي وبفعل متغيرات كثيرة - لا مجال لحصرها هنا - حدثت تطورات جذرية في التوجه الرسمي ازاء هذا الامر حيث توصلت اللجنة الوزارية المشتركة التي عرفت باسم (لجنة التنظيم السياسي الموحد) في اجتماعها الذي عقد بتاريخ 3 نوفمبر 1989م، وهو الاجتماع الاول لها منذ النص على تشكيل اللجنة في اتفاقية عام 1972م، الى تقديم أربع بدائل للعمل السياسي بعد الوحدة هي:
- البديل الأول: دمج المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني في كيان واحد.
- البديل الثاني: استمرار الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي كتنظيمين سياسيين مستقلين مع الاحتفاظ بحق القوى الاخرى والشخصيات الاجتماعية والوطنية في ممارسة النشاط السياسي.
- البديل الثالث: ان يعمد الحزب الاشتراكي والمؤتمر الى حل نفسيهما وتتاح الحرية لقيام التنظيمات السياسية الجديدة.
- البديل الرابع: تأليف جبهة وطنية عريضة تضم المؤتمر والحزب والقوى الوطنية المؤمنة باهداف ثورتي سبتمبر واكتوبر في اطار تنظيم سياسي مع احتفاظ كل هذه القوى باستقلالها ضمنه.
وقد تأجل البت في اختيار احد هذه الخيارات الاربعة الى ما بعد اعلان 30 نوفمبر 1989م ففي دورة انعقاد لجنة التنظيم السياسي الموحد بتاريخ 10 يناير 1990م اقرت اللجنة البديل الثاني باعتباره حق يكفله دستور دولة الوحدة لجميع التنظيمات السياسية في ظل دولة الوحدة وهو ما كان يعني الانتقال الى نمط جديد من الشرعية وبالتأكيد فقد كان هذا القرار إقراراً للمصلحة المشتركة بين الجميع وتلبية للتطلعات الجماهيرية ومواكبة للتغيرات العالمية.
وقد ساعدت عدة عوامل على ترجيح كفة التعددية والمضي في عملية تركيزها مؤسسيا وقانونيا أهمها:(5)
1- ان الاحزاب السياسية والشخصيات الوطنية مارست ضغوطا مباشرة وغير مباشرة من أجل اقرار واقع التعددية والافساح للقوى خارج السلطة بالمشاركة في بناء دولة الوحدة بعد ان اقصيت هذه القوى من المشاركة في تأسيسها، وهذا الضغط أفرز تبلوراً في المصلحة المشتركة في السلطة والمعارضة على نحو جعل الخيار امام الجميع بين احد امرين: اما الديمقراطية والوحدة او تفجر الموقف وضياع المشروع الوحدوي كلية، كما ان هذا الخيار ايضا جاء متوافقا مع مصالح النخبة الحاكمة اذ ان العديد من السياسيين والزعماء الذين كانت شرعيتهم في انكماش وجدوا ان دعم التعددية سيعزز نفوذهم وسلطتهم.
2- اعطى الظهور الفعلي للاحزاب السياسية بقوة الواقع دفعا كبيرا للتحول نحو التعددية وخاصة في الشطر الجنوبي من الوطن الذي بدأت فيه بعض القوى السياسية باعلان نفسها قبل 22 مايو 1990م، وكانت النزعة التعددية قد بدأت بالتبلور بعد احداث 13 يناير 1986م والتي اظهرت خطورة إلغاء الآخرين وسلبيات الحزب الواحد وجاء انهيار النظم الشيوعية ذات الحزب الواحد في بلدان اوروبا الشرقية على نحو ما جرى في العام 1989م ليعطي دافعاً اكبر ومحفزاً هاما لترجيح كفة تيار اعتماد الخيار الديمقراطي التعددي واعادة تكييف دور الحزب على تلك التطورات الدولية والمحلية.
3- ادرك الفاعلون السياسيون اليمنيون في ظل غموض ملامح التشكيل السياسي الموحد ان هذا التنظيم من المرجح أن يشهد تقلبات متسارعة لبعض الوقت في المرحلة اللاحقة، وهو ما قادهم الى الاستنتاج بأن النزوات الشاذة لنظام التعددية الحزبية غير المجرب ستكون في كل الاحتمالات اكثر أمانا من النتائج الناجمة عن المحاولة غير المجدية تقريبا لاحتواء العمل السياسي تحت سيطرة التنظيم السياسي الواحد، مهما كان هذا التنظيم مفتوحا ومنسقا من الناحية النظرية.
وأياً كانت الاسباب والمبررات التي دفعت قيادة الشطرين الى الأخذ بهذا الخيار فان التعددية السياسية والحزبية قد اصبحت حقيقة واقعة بعد اعلان الوحدة في 22 مايو 1990م، وظهر على الساحة عشرات الأحزاب السياسية القديمة والجديدة وعشرات الصحف والمجلات واعتبر الجميع ان ذلك حقا دستوريا كفله دستور دولة الوحدة في المادة (39) والتي تنص على (حق المواطنين في تنظيم انفسهم سياسيا ومهنيا.. الخ)، وان كان ذلك النص لا ينص صراحة وانما تلميحا على التعددية الحزبية والسياسية، ولهذا ظل غموض النص مثار قلق القوى السياسية، واحتلت مسألة الضمانات الدستورية للتعددية الحزبية والسياسية حيزا رئيسيا في اهتمامات احزاب المعارضة التي طالبت بتعديل الدستور قبل الاستفتاء عليه حيث ادرج اربعة عشر حزبا سياسيا هذا المطلب بالتصريح بالتعددية ضمن خمسة مطالب تقدمت بها هذه الاحزاب إلى مجلس الرئاسة قبل اصدار بيان المجلس حول الدستور، غير أن البيان اغفل ما يتعلق بالتعددية الحزبية وبتشكيل هيئة تأسيسه لتعديل الدستور.(6)
الاَ ان غموض هذا النص والجدل الذي ثار حوله لم يؤثر في ديناميكية الحياة السياسية وفي شل حركة الاحزاب ونشاطها، كما لم يعرقل هذا الامر او يحد من توالي تأسيس الاحزاب الصغيرة غالبا والتي استمدت مبررات نشوءها من المادة (39) ذاتها ومن قوة الواقع السياسي، كما ظل الدستور هو المعيار القانوني الأعلى في الدولة وصدرت بموجبه العديد من القوانين المتعلقة بالواقع السياسي الجديد اذ صدر قانون الاحزاب والتنظيمات السياسية رقم (66) لعام 1991م وهو القانون المكون من (40) مادة والذي بموجبه حددت الاحكام والاجراءات المتعلقة بتكوين ونشاط الاحزاب اليمنية التي بلغ عددها (46) حزبا وتنظيما سياسيا، كما تمت التهيئة للانتخابات العامة في ظل الدستور والمناخ السياسي التعددي لها، وصدر قانون الانتخابات العامة رقم (41) لعام 1992م والذي تم تعديله في 18/8/1992م لتصبح اللجنة العليا مؤلفة من 17 عضوا بدلاً من خمسة اعضاء.
وعلى هذا الاساس تم اجراء اول انتخابات ديمقراطية تعددية في 27 ابريل 1993م والتي بمجرد اجراءها انتقلت الوحدة اليمنية من شرعية الاتفاقات الانتقالية الى الشرعية الدستورية الدائمة.
* ب- التعديلات الدستورية في 1994م وترسيخ التعددية:
كانت التعددية السياسية التي تم اقرارها عام 1990م عبارة عن اختيار سلطوي وعملية مطلوبة لتنظيم وسائل الصراع السياسي في المجتمع، ورغم استنادها الى دستور دولة الوحدة الذي تم الاستفتاء عليه في 1991م الا انه يصعب القول ان ذلك الدستور قد أرسى دعائم قوية وضمانات كافية لحماية التعددية الحزبية وهو ما كانت تطالب به بعض احزاب المعارضة قبل الاستفتاء على الدستور، ذلك أن التعددية السياسية كانت احدى أربعة خيارات مطروحة امام لجنة الـتنظيم الـسياسي المـوحد للعمـل السياسي في دولة الوحدة واذا كان قد تم ترجيح هذا الخيار -لأسباب معينة- إلا انه كان يمكن ايضا اختيار بديل آخر كالجبهة الوطنية وكان مثل هذا الاختيار سيستند بالطبع الى دستور دولة الوحدة بل والى المادة (39) منه، التي صيغت بشكل مرن يمكنها من استيعاب أي خيار تأخذ به السلطة ويمكن ان تلجأ اليه في أي وقت، مع العلم ان خيار الجبهة الوطنية ظل يروج له حتى بعد قيام الوحدة وظهور عشرات الاحزاب السياسية في الساحة، وهو ما يعني أن اقرار التعددية السياسية لم يكن بالضرورة إلزاما دستوريا بقدر ما كان اختيارا سلطويا وعملية مطلوبة لتنظيم وسائل الصراع السياسي في المجتمع، وقد اعترف بذلك بعض كبار المسؤولين في دولة الوحدة، ففي حديث لـ(علي سالم البيض) الامين العام للحزب الاشتراكي اليمني ونائب رئيس مجلس الرئاسة (سابقا) قال بان المادة (39) من الدستور لا تنص على التعددية الحزبية ولكن الحماس والرغبة في الديمقراطية هي التي كانت وراء قيام السلطة بالاعتراف بما هو قائم).(7)
ولعل صياغة المادة (39) من الدستور والتي تنص على ان (للمواطنين في عموم الجمهورية بما لا يتعارض مع نصوص الدستور الحق في تنظيم انفسهم سياسيا ومهنيا ونقابيا والحق في تكوين المنظمات العلمية والثقافية والإجماعية والاتحادات الوطنية بما يخدم اهداف الدستور وتضمن الدولة هذا الحق كما تتخذ جميع الوسائل الضرورية التي تمكن المواطنين من ممارسته وتضمن كافة الحريات للمؤسسات والمنظمات السياسية والنقابية والثقافية والعلمية والاجتماعية)، (يظهر انها إنما صيغت في اطار مرن لا ينص صراحة على التعددية والمشاركة الحزبية، ويمَكن من تفسيرها باشكال متعددة تتلاءم مع أي توجه رسمي للسلطة فعبارة (حق المواطنين في تنظيم أنفسهم سياسياً) لم يربطها المشرع بالحق في تكوين الاحزاب مثلما نص صراحة على تكوين المنظمات العلمية والثقافية والاجتماعية والاتحادات الوطنية، و(ضمان كافة الحريات للمؤسسات والمنظمات السياسية) لاتحدد نوعية هذه المؤسسات والمنظمات إذ يمكن تفسيرها وتحديدها بالتنظيم الموحد أو بأي منظمة سياسية تنشئها الدولة).(8)
وبعد تحقيق النصر على الانفصاليين وانتصار الوحدة في 7 يوليو 1994م بدأ البعض يتخوف من أن تعمد القيادة السياسية المنتصرة الى الغاء التعددية السياسية خاصة وان نتائج اول انتخابات ديمقراطية في 1993م كان لها دور اساسي في الدفع بالحزب الاشتراكي نحو تأجيج الازمة السياسية التي قادت الى الحرب وإعلان الانفصال في صيف 1994م.
فما الذي يمنع المنتصر في الحرب من ان يعلن تجميد الديمقراطية او الغاؤها تحت مبرر الوحدة الوطنية او الحفاظ على البلاد من الاخطار الخارجية بل ما الذي يمنع من اتخاذ مثل هذه الخطوة بطريقة دستورية بعد أن بدأت القيادة السياسية بإجراء التعديلات الدستورية بعد الحرب مباشرة بعد ان تعذر اجراؤها من قبل، بسبب الازمة السياسية؟!
الا ان ذلك لم يحدث بل على العكس تم تكريس واقع التعددية دستوريا واعلان الالتزام بالمسار الديمقراطي، فبعد تحقيق النصر في 7 يوليو 1994م اصدر مجلس الرئاسة بيانا اعلن فيه عن انتهاء جميع الاعمال العسكرية واكد على الالتزام بما يلي:
1. مواصلة الالتزام بالنهج الديمقراطي والتعددية السياسية والحزبية وضمان حرية الصحافة واحترام حقوق الانسان .
2. اعتماد الحوار في ظل الشرعية الدستورية لحل أي خلافات سياسية ونبذ كل صور واشكال العنف في العلاقات السياسية .
3. توسيع المشاركة الشعبية في السلطة وايجاد نظام الحكم المحلي.
كما اكد الرئيس علي عبدالله صالح وفي اكثر من مناسبة على انه لا يمكن التراجع عن الديمقراطية التي اصبحت خيارا استراتيجيا بالنسبة لشعبنا ومنجزا تاريخيا كبيرا لا يقل عن منجز الوحدة ، واذا كان الواقع قد اثبت انه بطل الوحدة وفارسها بعد ان قاد الشعب في ملحمة تاريخية في الدفاع عنها فانه لا يمكن ان يرضى بالتراجع عن رديف الوحدة وتوأمها المبارك وهو الديمقراطية، ولهذا قالها بصريح العبارة في احدى المقابلات الصحفية (اكتب على لساني تقطع يدي ولا أوقع على قرار بالتراجع عن الديمقراطية والتعددية السياسية).(9)
وانطلاقا من هذا التوجه الواضح الذي جسده الرئيس علي عبدالله صالح والمتمسك بخيار الديمقراطية والتعددية السياسية كخيار استراتيجي لا رجعة عنه، بدأت الاحزاب السياسية الممثلة بالبرلمان بإجراء حواراتها المستفيضة حول التعديلات الدستورية، وقد اوضحت اللجنة المكلفة بالتعديلات الدستورية اهمية التوجهات الاساسية للدستور (لتأكيد هوية الشعب اليمني مما يجعل الشريعة الاسلامية مصدر جميع التشريعات وتثبيت مبدأ التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة.. الخ.
وفي 29 سبتمبر 1994م اقرت التعديلات الدستورية التي كانت واسعة جدا بحيث شمل التعديل (52) مادة وتم اضافة (29) مادة وتم شطب مادة واحدة فاصبحت مواد الدستور (159) مادة بدلا عن (131) مادة التي تم الاستفتاء عليها في مايو 1991م وكانت هذه التعديلات لها من الاهمية بمكان في دعم اطار الحريات العامة، إذ بلغت المواد المتعلقة بذلك (26) مادة فيما كانت في دستور 1991م (17) مادة فقط، وفيما يتعلق بترسيخ التعددية السياسية والحزبية كانت التعديلات اكثر شفافية ووضوحا حيث انتقلت من حالة التلميح بالتعددية كما كان في دستور 1991م الى الاعلان عنها صراحة، فالمادة (39) من دستور 1991م والتي كانت مثار جدل في السابق بالرغم من أن الاحزاب السياسية اليمنية استمدت منها شرعية تواجدها السياسي، تم الابقاء عليها في التعديل الدستوري الجديد في المادة (57) الا انه تم اضافة مادة جديدة لتعزيز مضمونها وازالة الغموض التي اكتنفها حيث نصت المادة (5) على ان (يقوم النظام السياسي للجمهورية اليمنية على التعددية السياسية والحزبية وذلك بهدف تداول السلطة سلميا وينظم القانون الاحكام والاجراءات الخاصة بتكوين التنظيمات والاحزاب السياسية وممارسة النشاط السياسي ولا يجوز تسخير الوظيفة العامة او المال العام لمصلحة خاصة بحزب او تنظيم سياسي معين).
كما تم اضافة مادة جديدة تعزز هذه المادة وهي المادة (159) والتي تنص على ان يعمل رئيس الجمهورية على الالتزام بالتداول السلمي للسلطة، كما حسمت التعديلات الدستورية قضية منصب رئاسة الجمهورية، حيث نصت المادة (158) على أن (يتم انتخاب رئيس الجمهورية من قبل الشعب) كما نصت المادة (11) على أنه (لا يجوز لاي شخص تولي منصب الرئيس لاكثر من دورتين انتخابيتين) وذلك حسب مقترحات الرئيس علي عبدالله صالح ليقدم بذلك نموذجا ديمقراطيا وبادرة اولى في المنطقة العربية ومعظم دول العالم الثالث عموماً.
وهكذا من خلال المواد (5، 29، 57، 146) في الدستور نلاحظ ما يلي:(10)
- أولاً: اقرت هذه المواد الاساس الدستوري للتعددية السياسية وحسمت بذلك الجدل السياسي الذي اثارته المادة (39) سابقة الذكر حول مسألة ارتكاز النظام السياسي اليمني على التعددية من عدمها والدستور بهذا يكون قد ضمن صراحة حماية حق الاجتماع والتعبير عن الرأي، وما يترتب على ذلك من حق تكوين الاحزاب السياسية والجمعيات ذات الاغراض المختلفة الموجودة فعليا، فالدساتير عادة لا تنشئ الحقوق والحريات وانما تقررها.
- ثانياً: يلاحظ وجود علاقة تكامل بين فحوى المادة الخامسة وبين المادة (57) التي اهتمت بتقرير حق تكوين الجمعيات السياسية والنقابية والثقافية والعلمية والاجتماعية، والمادة (29) التي نصت على حق العمل النقابي والمهني، والمادة (146) التي شجعت الجمعيات التعاونية المحلية، وتتضح هذه العلاقة اكثر من خلال استنطاق المادة الخامسة اذ ان المشرع اليمني قد اهتم فيها بابراز الجانب الحزبي للتعددية السياسية على وجه الخصوص، وما يتصل بها من تحقيق التداول السلمي للسلطة وضمان حق تكوين الاحزاب السياسية وممارسة النشاط السياسي.
- ثالثاً: يضاف الدستور اليمني بتضمينه المادة الخامسة الى جملة الدساتير العربية التي تنص صراحة على قيام الانظمة السياسية الخاصة بها على التعددية الحزبية والسياسية.
واستنادا إلى هذه التعديلات الدستورية جاء تعديل قانون الانتخابات العامة رقم (41) لعام 1992م بالقانون رقم (27) لعام 1996م، والذي بموجبه جرت ثاني انتخابات برلمانية في الجمهورية اليمنية والتي جاءت في موعدها المحدد في 27 ابريل 1997م لتجسد حقيقة الانتقال السلمي بالاوضاع الى الشرعية الانتخابية الجديدة لعام 1997م، الامر الذي قطع أي تفسير بأن شرعية النظام لا ترتكز الى شرعية ديمقراطية بقدر ما ترتكز الى شرعية عسكرية، كما جرت ايضا اول انتخابات رئاسية في اليمن في سبتمبر 1999م.
* ج - التعديلات الدستورية الاخيرة (2001م):
مما لا شك فيه ان التعديلات الدستورية التي جرت في 1994م، قد مثلت مكسبا كبيرا في تأصيل الديمقراطية والتعددية السياسية وخاصة في المادة الخامسة التي اشارت بوضوح الى هوية النظام السياسي للدولة، القائم على التعددية السياسية والحزبية واعتبار ذلك من الثوابت الوطنية التي تم تأكيدها دستوريا واغلق الباب امام أي تأويلات تتعارض مع هذا المبدأ الذي يمثل القاسم المشترك لكل القوى الوطنية التي يتطلب منها العمل في سبيل ترسيخ الديمقراطية والحريات والحقوق بما يكفله الدستور، الا ان ذلك بالطبع لم يحل دون وجود بعض الثغرات وجوانب القصور لم يتلافاها المشرع آنذاك نظرا لحداثة التجربة الديمقراطية، فالمادة الخامسة التي اكدت بوضوح على التعددية السياسية لا يزال يكتنفها الغموض حول الكيفية التي ستتم بواسطتها عملية استلام السلطة عند فوز حزب معين بالاغلبية التي تؤهله لتشكيل الحكومة وممارسة السلطة اذ أن الدستور ترك الحق لرئيس الجمهورية في اختيار رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة مما قد يعني انه يمكن اختياره من خارج الحزب الفائز باغلبية البرلمان.
وقد جاءت التعديلات الدستورية الاخيرة في فبراير 2001م لتحل هذه الاشكالية حيث تم تعديل المادة (100) من الدستور والتي تتناول حل مجلس النواب والتي كانت تنص على انه لا يجوز الحل الا عبر استفتاء حيث اضافت المــــادة (101) من الدستور حق الرئيس في الدعوة الى انتخابات مبكرة دون الحاجة الى استفتاء اذا لم يحصل حزب من الاحزاب على اغلبية منها وتعذر تشكيل حكومة ائتلافية، وهذا التعديل تضمن حكماً وجد في الدستور لأول مرة وهو حق الحزب الفائز بأغلبية المقاعد في البرلمان بتشكيل الحكومة، وهو النظام السائد في معظم الدول الديمقراطية في العالم، وبهذا يكون الدستور اليمني وما ادخلت عليه من تعديلات قد حدد بوضوح تام هوية النظام السياسي القائم على التعددية السياسية وشرعيته المنبثقة من انتخابات حرة ونزيهة تتنافس فيها الأحزاب والتنظيمات السياسية، ويشكل الحزب الذي يحصل على الأغلبية في البرلمان، الحكومة أو يتم تشكيل حكومة ائتلافية من حزبين أو أكثر إذا لم يحصل أي حزب على الأغلبية المطلوبة.
* ثانياً: الاطار القانوني للانتخابات:
تعتبر الانتخابات المؤسسة المركزية للحكومات الديمقراطية التمثيلية لان سلطة الحكومة في النظام الديمقراطي تستمد فقط من رضى المحكومين، والآلية الرئيسية لترجمة هذا الرضى الى سلطة حكومية هي اجراء انتخابات حرة ونزيهة .
واذا كانت معظم الانظمة المعاصرة تجري انتخابات الا ان الانتخابات ليست كلها ديمقراطية فالانظمة الماركسية وانظمة حكم الحزب الواحد تجري هي الاخرى انتخابات لاضفاء صيغة الشرعية على حكمها، وفي مثل هذه الانتخابات قد يكون هناك مرشح واحد فقط او لائحة واحدة من المرشحين دون توفر خيارات أخرى بديلة، وقد يكون في مثل هذه الانتخابات ايضا اكثر من مرشح لكل منصب غير انها تضمن عبر الترهيب او التزوير فوز المرشح الذي توافق عليه الحكومة.
وهناك انتخابات أخرى قد تطرح خيارات حقيقية انما داخل الحزب الحاكم، ان انتخابات كهذه ليست انتخابات ديمقراطية، فالانتخابات الديمقراطية كما تعرفها (جين كيرباتريك) الباحثة والسفيرة الامريكية السابقة لدى الامم المتحدة (ليست مجرد انتخابات رمزية انها انتخابات تنافسية دورية شمولية وحاسمة يتم فيها اختيار كبار صانعي القرار في حكومة ما من قبل مواطنين يتمتعون بحرية كبيرة في انتقاد الحكومة وفي اعلان ونشر انتقادهم وطرح البدائل).(11)
هذه الانتخابات الديمقراطية لم تشهدها اليمن الا بعد قيام الوحدة وإعلان التعددية السياسية فمع قرب انتهاء الفترة الانتقالية بدأ التمهيد لاجراء اول انتخابات ديمقراطية برلمانية في الجمهورية اليمنية وكان لابد من اصدار قانون للانتخابات يجسد المبدأ الدستوري الذي يستند اليه نظام الحكم ويكون الاداة التشريعية الرئيسية المنظمة لأهم الآليات الديمقراطية الانتخابات العامة والتداول السلمي للسلطة وهو ما تم بالفعل اذ صدر اول قانون للانتخابات سنة 1992م والذي بموجبه جرت أول انتخابات برلمانية في 27 إبريل 1993م ثم صدر القانون الثاني سنة 1996م والذي بموجبه ايضا جرت الانتخابات البرلمانية الثانية سنة 1997م، وتم اجراء بعض التعديلات على هذا القانون سنة 1999م قبل اجراء اول انتخابات رئاسية في اليمن، ثم صدر القانون الجديد سنة 2001م والذي بموجبه جرت الانتخابات البرلمانية الاخيرة 2003م، وسنشير- بايجاز- الى اهم ما تضمنته هذه القوانين التي سارت بموجبها التجربة الانتخابية خلال عقد من الزمن.
* أ- قانون الانتخابات رقم (41) لسنة 1992م:
جاء صدور هذا القانون في 8 يونيو 1992م ليسد ثغرة اساسية في الحياة السياسية، ويحقق مطلب جوهري من مطالب الاحزاب، ويضع اللبنة الاولى للممارسة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة والمتمثلة باجراء الانتخابات البرلمانية، وقد حدد هذا القانون الضوابط والاجراءات الخاصة بإجراء الانتخابات النيابية والانتخابات المحلية، واشتمل على ثمانية ابواب مقسمة الى (95) مادة، نظمت الحق الانتخابي، وشروطه، وجداول الناخبين، وكيفية تنظيمها، واللجنة العليا للانتخابات ومهامها، وتنظيم وضوابط الدعاية الانتخابية، وكيفية اجراء الانتخابات وبعض احكام عامة وانتقالية.
والمتأمل فـــي مواد هذا القانون يدرك بوضوح انها قد جسدت النصوص الدستورية التي تطرقت الى المبادئ الاساسية للانتخابات حيث نصت المادة (65) من الدستور على أن :
(يتألف مجلس النواب من اعضاء ينتخبون بطريقة الاقتراع السري العام والحر المباشر والمتساوي) وهو ما اكدته المادة (50) من قانون الانتخابات التي نصت على ان يتم الانتخاب عن طريق الاقتراع السري العام الحر المباشر والمتساوي، وهو ما يؤكد وجود خمسة مبادئ اساسية للانتخابات هي:(12)
1-مبدأ سرية الانتخاب: وهو ما نص عليه الدستور واكده قانون الانتخابات في المادتين (48، 50)، ويعتبر هذا المبدأ من الضمانات التي تعطي الناخب الحرية في اختيار المرشح الذي يعتقد انه سيقوم بتمثيله على خير وجه بعيدا عن اعين الرقباء، وخلف ستار عازل يختلي وراءه الناخب الى ضميره فقط ويختار من يريد .
2-مبدأ عمومية الانتخاب: وذلك يعني ان الانتخاب يشمل كافة المواطنين - ذكورا واناثا- الذين بلغوا سنا معينة في ممارسة هذا الحق وهو تأكيداً للمبدأ الدستوري الذي لم يشترط في الناخب سوى ان يكون يمني الجنسية وان لا يقل عمره عن ثمانية عشر عاماً، وقد ميز القانون بين حاملي الجنسية الاصلية والمكتسبة حيث لا يستطيع حامل الجنسية المكتسبة ممارسة هذا الحق الا بعد مرور فترة زمنية يحددها قانون الجنسية وذلك لكي يثبت اندماج المتجنس بالوطن الجديد والولاء له .
3-مبدأ حرية الانتخاب: وذلك يعني ان للناخب ان يباشر حقه الانتخابي وله ان يحجم عنه دون أي الزام او عقوبة كما جرى عليه الحال في بعض الدول .
4-مبدأ شخصية الانتخاب: أي ان على المواطنين القيام بانتخاب النواب بانفسهم من بين المرشحين، ودون أي واسطة مع عدم قبول الوكالة في هذا الحق، وتقوم اللجان الاشرافية بالتأكد من شخصية كل ناخب قبل الادلاء بصوته وينص القانون على العقوبات على من ينتحل شخصية غيره.
5-مبدأ المساواة: وذلك يعني ان لكل مواطن مهما كانت صفته صوت واحد فقط اذ الكل سواسية أمام صندوق الانتخاب.
كما حرص القانون على توفير الضمانات الكافية لسلامة الانتخابات ونزاهتها بدءً من تشكيل اللجنة العليا للانتخابات التي تتولى الادارة والاشراف والرقابة على اجراء الانتخابات والتي يتم اختيار اعضاءها من عدد لا يقل عن خمسة اعضاء ولا يزيد عن سبعة يتم تعيينهم من مجلس الرئاسة آنذاك من بين قائمة تحتوي على (15) اسما يرشحهم مجلس النواب ممن تتوفر فيهم الشروط المحددة في القانون ومرورا بتشكيل وتعيين رؤساء واعضاء اللجان الاشرافية ولجان اعداد جداول الناخبين الاساسية والفرعية، ولجان ادارة الانتخابات الاصلية والفرعية وتوزيعها في الدوائر الانتخابية في الاوقات المحددة، وقد اوكل القانون هذه المهمة للجنة العليا محددا الضوابط والمعايير الخاصة باعضاء هذه اللجان بما يضمن سلامة ونزاهة العملية الانتخابية مثل عدم جواز تشكيل اللجنة من حزب واحد وغيرها ، بالاضافة الى بقية المواد التي عملت على تسهيل عملية الانتخابات وحددت بقية اجراءاتها كشروط الترشيح لعضوية مجلس النواب وتنظيم وضوابط الدعاية الانتخابية واجراءات الانتخابات وعملية الاقتراع واجراءات عملية الفرز واعلان النتائج.. الخ.
* 2- قانون الانتخابات رقم (27) لسنة 1996م :
بعد ان جرت اول انتخابات برلمانية عام 1993م والتي بلا شك كانت محطة هامة لتقييم التجربة ومعرفة جوانب القصور فيها وبعد اجراء التعديلات الدستورية عام 1994م والتي ادت الى احداث تغيير في بعض مؤسسات الدولة كمجلس الرئاسة مثلا، كان لابد من اصدار قانون جديد للانتخابات لكي يتلاءم تطبيقه والمستجدات التي حدثت بعد التعديلات الدستورية وفي نفس الوقت يتلافى الثغرات التي ظهرت بعد تطبيق القانون السابق في انتخابات 1993م .
وعلى هذا الاساس صدر القانون الجديد رقــم (27) لسنة 1996م والذي احتوى على ثمانية ابواب كما كان في القانون السابق، وبالرغم من ان معظم مواد القانون الجديد كانت متطابقة مع القانون السابق لسـنة 1992م والاختلاف الذي تم في بعض المواد هو حذف فقرات واستبدالها بفقرات اخرى او اضافة فقرات أو حذف فقرات او استبدال كلمة بكلمة، الا أنه قد احتوى على بعض المواد الجديدة التي جاءت لتواكب التغيرات التي حدثت بعد التعديلات الدستورية عام 1994م فالباب الخامس مثلا والخاص باجراء الانتخابات تفرع في القانون الجديد الى فصلين الاول انتخابات مجلس النواب، والثاني انتخابات رئيس الجمهورية واجراءات الاستفتاء العام، وهو ما لم يكن موجوداً في القانون السابق باعتبار ان ظروف المرحلة السابقة كانت تنص على انتخاب مجلس رئاسة مكون من خمسة اعضاء من قبل مجلس النواب، وبالتالي لم يكن هناك اهمية لتقنين كيفية انتخاب رئيس الجمهورية، ولكن بعد التعديلات الدستورية في 1994م والتي نصت لأول مرة على الانتخاب المباشر لرئيس الجمهورية فقد جاء قانون (27) لسنة 1996م ليعالج هذه المسألة بالتفصيل في الفصل الثاني من الباب الخامس في المواد (74-88)، كما جاء قانون (27) محاولا الاستفادة من تجربة انتخابات 1993م وتلافي القصور الذي يمكن ان يكون قد وقع فيه القانون السابق، واضافة ما يمكن ان يساعد على تسهيل إجراءات العملية الانتخابية ونجاحها فنص مثلا في المادة (64) على ان يكون لكل مرشح رمزاً او علامة تميزه عن بقية المرشحين في اطار الدائرة الانتخابية.
وهذه الرموز لمرشحي الاحزاب والمستقلين والتي استخدمت لأول مرة في الانتخابات البرلمانية الثانية في 27 ابريل 1997م لم تسهل فقط عملية الاقتراع للأميين ولكنها ايضا قد ساعدت على اضعاف تأثير العامل الشخصي - الى حد ما- وقوَت من التواجد للحزب في ذهن الناخب وذلك عكس ما كان عليه الحال في انتخابات عام 1993م وهذه ظاهرة مهمة وإيجابية سوف تقود مستقبلا الى ان يكون برنامج الحزب هو محل اهتمام الناخب وبهذا ينتقل الناس من الشخصنة الفردية والشخصنة المؤسسية الى ما يمكن ان تقوم به هذه المؤسسة وهو تطور مهم في وعي الناس وتطور مهم للعملية الديمقراطية.(13)
* 3- تعديلات قانون رقم (27) لسنة 1996م بالقانون رقم (27) لسنة 1999م :
مع بدء الاستعداد لاجراء اول انتخابات رئاسية في اليمن شرعت اللجنة العليا للانتخابات باعداد مشروع التعديلات لقانون الانتخابات العامة رقم (27) لسنة 1996م وابدت رغبتها في الاستماع الى اراء ومقترحات الاحزاب والتنظيمات السياسية التي عقدت معها سلسلة من اللقاءات، شرحت فيها الاحزاب وجهة نظرها لعمل التعديلات، وتأكيدا من اللجنة العليا على رغبتها في الاستماع والتعرف على مختلف الآراء ووجهات النظر فقد تبنت عقد الملتقى الاول لتطوير ادارة الانتخابات حضره اعضاء سابقون في اللجنة العليا، وأعضاء من مجلس النواب وخبراء وقانونيين من بعض الدول الشقيقة والصديقة، وخرجت الندوة بمقترحات وتوصيات اشتملت على العديد من الجوانب الايجابية.
بعد ذلك تقدمت الحكومة بطرح مشروع تعديلات للقانون رقم (27) لسنة 1996م على مجلس النواب والذي تضمن تعديلات واسعة وكبيرة، وقد لاقى المشروع معارضة قوية من كتل الاحزاب المعارضة في المجلس وتحديداً حول مشاركة الاحزاب والتنظيمات السياسية في ادارة العملية الانتخابية من خلال التشكيل الحزبي للجان الانتخابية بما في ذلك لجان القيد والتسجيل، حيث رأت أحزاب المعارضة ان عملية القيد والتسجيل وإعادة تحرير الجداول ونشرها ليست عملية ادارية محضة بل هي عملية سياسية تدخل في صميم العمليات الانتخابية ولها تأثير بالغ على عملية الاقتراع، وبالتالي فإن أي محاولة لاقصاء الاحزاب والتنظيمات السياسية عن هذه العملية واسنادها الى موظفين اداريين يعد من وجهة نظرها نكوصاً بالتجربة الديمقراطية والعودة بها الى الوراء.
وبعد اجراء المزيد من الحوارات والمشاورات مع القوى السياسية داخل وخارج المجلس، تم تنقية المشروع من السلبيات وتم الاتفاق على تشكيل اللجان من الاحزاب والتنظيمات السياسية كما كان الوضع في السابق، وتم إجراء بعض التعديلات والتي لم تكن كبيرة حيث انها شملت بعض التعديلات في بعض مواد قانون 1996م واضافة بعض المواد الجديدة الخاصة بانتخابات الرئاسة.
فالمواد التي شملتها التعديلات هي (12، 13، 14، 15، 16، 17) من الباب الثاني الخاصة بجداول الناخبين، ونصت هذه التعديلات بصيغتها المعدلة على تحديد فترة إعلان الصور الرسمية لجداول الناخبين لمدة خمسة ايام ابتداء من اليوم الثالث لنهاية فترة مراجعة وتحرير جداول الناخبين وتعديلها بدلا من خمسة عشر يوماً، كما كان فـي قانون 1996م، وحددت نفس الفترة (5 أيام) لطلبات الحذف والادراج بدلا من عشرين يوماً، وعرض قرارات لجنة اعداد الجداول لمدة ثلاثة ايام من نهاية مدة الفصل في الطلبات بدلا من خمسة ايام وجعلت حق الطعن بالاستئناف في قرارات المحكمة الابتدائية لكل مواطن ولممثل النيابة العامة ايضا وهو ما لم يكن موجوداً في القانون السابق، وذلك خلال خمسة ايام من نهاية فترة الفصل بالطعون بدلا من خمسة وعشرين يوما كما نصت المادة (17) على ان لا تتجاوز مدة التعديل الاثني عشر يوماً التالية لنهاية فترة الفصل بالطعون من قبل المحكمة الاستئنافية.
وأمَا المواد التي تم اضافتها فكانت في الفصل الثاني من الباب الخامس والمتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية، وهذه المواد خاصة باجراءات طلبات الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية من قبل مجلس النواب، ودعوة رئيس الجمهورية الناخبين لانتخاب رئيس الجمهورية، والدعاية الانتخابية لمرشحي الرئاسة وعمليات الفرز واعلان النتيجة للفائز بمنصب رئيس الجمهورية.
* 4- قانون الانتخابات رقم (13) لسنة 2001م :
بعد اجراء الانتخابات المحلية واقرار التعديلات الدستورية في فبراير 2001م بات من المؤكد ان يتم تعديل قانون الانتخابات واصدار قانون جديد يستوعب المتغيرات الجديدة والمتمثلة بالتعديلات الدستورية وانتخابات المجالس المحلية، وقد كانت هذه القضية احدى مهام الحكومة الجديدة التي تم تشكيلها عقب الانتخابات المحلية حيث ورد في المحور الرابع لبرنامج الحكومة حول الديمقراطية والمشاركة الشعبية التأكيد على اصلاح النظام الانتخابي بما يتواكب مع التطورات الديمقراطية ويجنب استقلالية اللجنة العليا للانتخابات من التأثيرات الحزبية وتعديل قانون الانتخابات بهذا الاتجاه، وهو ما جعل احزاب المعارضة تبدي قلقها على التعددية السياسية مما قد ترمي اليه الحكومة من فحوى عبارة (التأثيرات الحزبية على اللجنة العليا للانتخابات) خوفا من ان يكون ذلك مبررا لتشكيل اللجنة دون تدخل او تمثيل او مشاركة الاحزاب السياسية في الساحة داخل اللجنة بصورة تضمن حياديتها وعدم تأثير الحزب الحاكم على سيرها وطريقة ادارتها للعملية الانتخابية.
ونظرا لما يمثله قانون الانتخابات من اهمية وادراك الحكومة لأهمية ومشاركة الاحزاب السياسية في إعداد هذا القانون وما سيترتب عليه من نتائج في الواقع العملي فقد بادر الاستاذ/ عبدالقادر باجمال رئيس مجلس الوزراء بدعوة الاحزاب والتنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني الى حوار جاد مع الحكومة حول مشروع القانون الجديد للانتخابات العامة والاستفتاء وذلك قبل ان تقوم الحكومة بتقديم المشروع الى مجلس النواب، وفعلا جرى ذلك الحوار وكانت نتائجه ايجابية للغاية ولم يتبق في نهاية الحوار من مسائل مختلف عليها سوى مسألة مشاركة الاحزاب في تشكيل اللجنة العليا للانتخابات واللجان الانتخابية الادنى وهو ما أصرت عليه احزاب المعارضة وخاصة احزاب اللقاء المشترك، وبعد ان كاد الحوار ان يصل الى طريق مسدود بين الحكومة واحزاب المعارضة، كان لابد من تدخل الأخ رئيس الجمهورية والذي عرف عنه دائما حرصه على رعاية المسيرة الديمقراطية وتعزيز المشاركة السياسية وهو ما تم بالفعل اذ حسم الاخ الرئيس هذه المسألة بالتأكيد على مشاركة الاحزاب والتنظيمات السياسية، في اللجنة العليا واللجان الانتخابية الأدنى والتي كانت اهم نقاط الخلاف بين الحكومة والمعارضة الاَ ان الجدل استمر حول بعض مواد القانون والذي تم اصداره بعد ذلك متضمنا تسعة ابواب و(148) مادة ويمكن القول انه قد مثل الحد المشترك لاراء وتطلعات مختلف القوى السياسية في الساحة ولاشك ان القانون الجديد قد جاء مستوعبا الدروس العملية المستفادة من الانتخابات العامة السابقة التي جرت في عامي 1993 ، 1997م وكذلك الانتخابات الرئاسة في 1999م والانتخابات العامة للمجالس المحلية التي جرت في شهر فبراير 2001م متزامنة مع الاستفتاء على مشروع التعديل الدستوري، واستوعب هذا التطور للنظام الانتخابي اليمني كذلك ملاحظات وتوصيات لجان الرقابة على الانتخابات العامة، المحلية والاجنبية وعلى الأخص تقرير المعهد الامريكي لتنمية الديمقراطية بالاضافة الى ملاحظات قيادات الاحزاب والتنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي تم طرحها اثناء حوار الحكومة مع هذه القيادات قبيل اصدار القانون الجديد، ويمكن القول ان اهم ما جاء به القانون الجديد يتضمن ثلاثة اتجاهات:
- الاول: تثبيت الاسس والقواعد الديمقراطية للنظام الانتخابي اليمني والمحافظة على ما يتمتع به من مزايا.
- الثاني: تطوير بعض جوانب وآليات النظام الانتخابي والتخلص من بعض السلبيات التي علقت به.
- الثالث: استحداث وسائل واساليب جديدة توفر المزيد من ضمانات حـرية ونــزاهة الانتخابات.(14)
واذا كنا قد اشرنا في السابق الى بعض الاسس والقواعد الديمقراطية للنظام الانتخابي اليمني منذ صدور قانون الانتخابات الاول عام 1992م فسنشير هنا بايجاز الى بعض المسائل التي تم تطويرها في آليات النظام الانتخابي في القانون الجديد والاساليب الجديدة التي تم استحداثها فيما يلي:(15)
أ- التطوير الذي احدثه القانون الجديد يشمل جوانب محددة أهمها:
- عملية فرز الاصوات: وهذه العملية كانت تتم بواسطة نقل صناديق الاقتراع وتجميعها كلها في المركز الرئيسي للدائرة الانتخابية ومن ثم اجراء عملية فرز الاصوات لجميع مراكز الدائرة الانتخابية وهو ما كان يؤدي الى عدة سلبيات اهمها تأخير اعلان النتائج وقيام البعض بعرقلة وصول الصناديق الى مواقع الفرز، وبغرض تفادي هذه السلبيات فقد نظم القانون عملية فرز الاصوات في نفس مراكز الاقتراع التي توجد بها الصناديق وبحيث لا تنقل سوى محاضر واوراق الاقتراع والفرز الى مركز الدائرة الانتخابية لتتم عملية تجميع النتائج من قبل اللجان المختصة وبحضور مندوبي المرشحين والمراقبين الذين حضروا عملية الفرز في مراكز الاقتراع، وبهذا الاسلوب سوف تتخلص عملية فرز اصوات الناخبين من مشقة نقل الصناديق وما تثيره من سلبيات.
- اجراءات الانتخابات الرئاسية: حيث جاء القانون الجديد ليثبت تطوير الاجراءات الخاصة بانتخابات الرئاسة التي تضمنها التعديل الدستوري الذي اقر في 20 فبراير 2001م، وينظم تفاصيلها، وهذا التطوير تضمن توسيع اطار الهيئة المكلفة بفحص طلبات الترشيح للانتخابات الرئاسية وتزكية المرشحين وتخفيض نسبة التزكية المطلوبة للمرشحين بدلا عن 10% من اجمالي اعضاء مجلس النواب الى 5% من الاعضاء الحاضرين في الاجتماع المشترك لمجلسي النواب والشورى ورفع الحد الادنى لعدد المرشحين اللازم تزكيتهم الى ثلاثة مرشحين بدلا من اثنين في القانون السابق، وهذا التطوير لإجراءات الانتخابات الرئاسية من شأنه ان يوسع مساحة التنافس في هذه الانتخابات امام الاحزاب والتنظيمات السياسية.
- جداول الناخبين: وهي القاعدة الانتخابية حيث كانت هذه الجداول مصممة على الدوائر الانتخابية النيابية فقط، وعندما أجريت الانتخابات العامة للمجالس المحلية عام 2001م بنفس تلك الجداول، وتم تقييم هذه العملية ثبت ضرورة تطوير هذه الجداول لتكون اكثر ملاءمة لكافة انواع الانتخابات العامة والاستفتاء، ولذلك استحدث القانون الجديد ما يعرف بـ(الدائرة الانتخابية المحلية) وعرفها بأنها (الوحدة الانتخابية الأساسية التي يتضمن جدول الناخبين فيها وهي تشكل مركزا انتخابيا في اطار الدائرة الانتخابية النيابية، وجدول الناخبين فيها هو المعتمد في الانتخابات المحلية والنيابية والرئاسية وفي ابداء الرأي في الاستفتاء.
* ب- الوسائل الجديدة في القانون:
الاتجاه الثالث : استحداث وسائل جديدة : الى جانب ما سبق فقد استحدث القانون الجديد ولأول مرة عددا من الاحكام القانونية التي يمكن اعتبارها اضافة نوعية متقدمة للنظام الانتخابي تمكن اولا من توسيع قاعدة المشاركة في العملية الانتخابية، وتمكن ثانيا من ضبط عملية الترشيح باتجاه توسيع فرص مشاركة الاحزاب والتنظيمات السياسية، وتمكن ثالثا من توسيع نطاق مراقبة الاحزاب للعملية الانتخابية وهذا الاستحداث القانوني جاء في ضوء نتائج الدراسات والتحليلات للتجارب الانتخابية السابقة، والاستفادة من تجارب الآخرين وابرز ما تم استحداثه في هذا الاتجاه يتمثل بما يلي:
- مشاركة المغتربين: وقد تم دراسة هذا الموضوع على اثر المطالبة الصادرة من مؤتمرات المغتربين التي تم عقدها خلال السنوات الماضية وكذلك في ضوء المناقشات والحوارات التي تمت بين الحكومة والاحزاب قبل اصدار القانون الجديد ونظرا لصعوبة مشاركة المغتربين في الانتخابات العامة والمحلية فقد تم اقرار مشاركتهم في الانتخابات الرئاسية والاستفتاء العام والتي تكون فيها الجمهورية دائرة انتخابية واحدة.
- تزكية المرشح المستقل: بعد دراسة هذا الموضوع في ضوء التجارب السابقة وبالاستفادة من بعض التجارب الاخرى سعى القانون الجديد الى ايجاد ضوابط تكفل ممارسة هذا الحق المكفول دستوريا وتكفل كذلك جدية هذه الممارسة وعدم استغلال هذا الحق لغايات مغرضة، وعلى ضوء ذلك تم استحداث نص قانوني جديد ينظم مسالة الترشيح المستقل لعضوية مجلس النواب حيث اشترط في المادة (58) لقبول ترشيح المستقل، ان يتم تزكيته من مجموعة من الناخبين المقيدين في جداول الناخبين للدائرة الانتخابية التي سيرشح فيها العضو المستقل، لا يقل عددهم عن ثلاثمائة ناخب يمثلون اغلب مراكز الدائرة الانتخابية .
- رقابة الاحزاب: الى جانب انواع الرقابة التي عرفها النظام الانتخابي اليمني منذ نشأته كالرقابة القضائية والرقابة الشعبية والرقابة المحلية والاجنبية، استحدث القانون الجديد أيضاً نصاً أعطى للأحزاب حق تشكيل لجان للرقابة على الانتخابات ولا يحق لهم التدخل في اعمال اللجان الانتخابية (الفقرة 21 من المادة 142 من القانون).
* المحور الثاني: إدارة الانتخابات والمشاركة الشعبية
أولاً: عملية ادارة الانتخابات:
أ- اللجنة العليا للانتخابات:
اللجنة العليا للانتخابات هي التي تتولى - بحكم القانون- الإدارة والإعداد والإشراف والرقابة على اجراء الانتخابات العامة والاستفتاء العام، وقد حددت قوانين الانتخابات التي صدرت خلال العقد الماضي اختصاصات اللجنة على نحو شمل:
- تقسيم الدوائر الانتخابية في الجمهورية، وتحديدها وفقا لمبدأ المساواة في السكان.
- تشكيل وتعيين رؤساء وأعضاء اللجان الإشرافية ولجان إعداد جداول الناخبين الاساسية والفرعية، ولجان إدارة الانتخابات الاصلية والفرعية.
- القيام بتجهيز الاستمارات والجداول والوثائق والصناديق الخاصة بعملية الانتخابات، ووضع القواعد وإصدار التوجيهات اللازمة لضمان الترتيبات الأمنية الكفيلة بسلامة الانتخابات.
- القيام بإعداد الدليل الانتخابي وتوزيعه على لجان الانتخابات.
- كما أعطاها القانون حق الإشراف على وسائل الاعلام الرسمية اثناء الانتخابات على ان تمارس مهامها في ادارة الاعلام خلال فترة الانتخابات بحيادية واستقلال تام.
ونظرا لهذه الاختصاصات الكبيرة التي منحها القانون للجنة العليا للانتخابات والدور الكبير الذي تضطلع به في كل مراحل الانتخابات بداية من التسجيل للناخبين وانتهاءً باعلان الفوز، ومروراً بتنظيم الدعاية الانتخابية وتنظيم الحالة الامنية ذات الصلة بالعملية الانتخابية، فإنها قد حظيت باهتمام كبير من قبل جميع الفعاليات السياسية في الساحة، وكان تشكيل اللجنة العليا من أهم القضايا الرئيسية التي ثار- ولا يزال- حولها الجدل بين الاحزاب والتنظيمات السياسية منذ ان صدر اول قانون للانتخابات سنة 1992م وحتى الآن.
وكان أول قانون للانتخابات الصادر عام 1992م قد نص في المادة (20) منه على أن " تشكل اللجنة العليا للانتخابات من عدد لا يقل عن خمسة اعضاء ولا يزيد عن سبعة يتم تعيينهم بقرار من مجلس الرئاسة من بين قائمة تحتوي على 15 اسماً يرشحهم مجلس النواب، ممن تتوفر فيهم الشروط المحددة في هذا القانون، ويجوز لمجلس الرئاسة ان يضيف إلى عضوية اللجنة خلال السنة الانتخابية عددا من الاعضاء يتم تعيينهم من بين قائمة المرشحين المشار اليها وذلك بهدف معاونة اللجنة اثناء عملية الانتخاب".
وقد اعترضت معظم الاحزاب والتنظيمات السياسية في الساحة- آنذاك- على هذه المادة، واعتبرت ان تشكيل اللجنة العليا من خمسة اعضاء فقط لن يكون كافيا لتمثيل اكبر عدد ممكن من الاحزاب وبالتالي توفير مساحة كبيرة من الدعم السياسي والتأييد للجنة ولعملها، وبعد ضغوط سياسية ومعنوية وإعلامية وافق مجلس النواب على زيادة عدد أعضاء اللجنة الى سبعة عشر عضوا على ان يكون ذلك محصورا على اللجنة العليا التي ستشرف على الانتخابات البرلمانية الأولى فقط، ووفقا لهذا التعديل تشكلت اللجنة العليا في 18/8/1992م من 17 عضواً تم ترشيحهم عبر مجلس النواب يمثلون معظم الاحزاب السياسية -آنذاك- وذلك بواقع ستة أعضاء من حزبي الائتلاف الحاكم (المؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي) (ثلاثة أعضاء لكل حزب)، تسعة أعضاء من أحزاب المعارضة وهي (الاصلاح، الوحدوي الناصري، التصحيح الناصري، حزب البعث، اتحاد القوى الشعبية، حزب الحق، الديمقراطي الناصري، التنظيم السبتمبري، رابطة ابناء اليمن (رأي)، عضو لكل حزب)، (2) من المستقلين.
وبعد اجراء انتخابات 1993م؛ تم تشكيل اللجنة العليا للانتخابات من سبعة اعضاء فقط:
(2) مؤتمر، (1) اشتراكي، (1) اصلاح، (1) مستقل (ناصري سابقاً)، (1) مزكى من المؤتمر والاشتراكي).
وعندما بدأ الاعداد لانتخابات 1997م صدر في مارس 1996م قرار جمهوري باضافة اربعة أعضاء الى اللجنة بموجب المادة (20) من قانون الانتخابات لسنة 1992م، وهؤلاء الاربعة كان انتمائهم السياسي كما يلي: (2) مؤتمر، (1) اصلاح، (1) مستقل.
وقد اعلنت اللجنة فتح مرحلة القيد والتسجيل ابتداءً من 1/7/1996م وحتى 31/8/1996م، وتعرض اداؤها في المرحلة الأولى للانتخابات وهي مرحلة القيد والتسجيل لكثير من الانتقادات والمآخذ القانونية والسياسية، مما عرضها لأكبر حملة من النقد والاتهامات والهجوم في اغلب صحف وبيانات احزاب المعارضة والتجمع اليمني للإصلاح، وصدر ضدها احكام قضائية في بعض المخالفات.
وجاء صدور قانون الانتخابات رقم (27) لسنة 1996م ليثير مزيدا من الانتقادات والاشكاليات المتعلقة بعمل اللجنة العليا ومدى شرعيتها القانونية وكان القانون الجديد رقم (27) لسنة 1996م قد حدد اعضاء اللجنة تحديدا دقيقا بدلا من تذبذب اعضاءها في القانون السابق (7 اعضاء فقط من بين 15 شخصا يرشحهم مجلس النواب) على ان يكون اقرار اسماء المرشحين بأغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب، ولم يخول القانون الجديد لرئيس الجمهورية حق تعيين اعضاء اضافيين.
وبعد صدور هذا القانون تبلور اتجاهان قانونيان اختلطا بالمواقف السياسية: إحدهما يرى ضرورة تشكيل اللجنة العليا من سبعة أعضاء فقط وفقا للقانون الجديد لان اللجنة بشكلها القائم لم يعد لها أي اساس قانوني، وهو ما تبناه حزب الإصلاح وأحزاب مجلس التنسيق. ووجهوا بذلك رسالة مشتركة الى رئيس الجمهورية طالبوا فيها بإعادة تشكيل اللجنة العليا من سبعة اعضاء فقط بموجب القانون الجديد، واعتبروا ان اللجنة القائمة تعتبر بصدور هذا القانون قد فقدت ولايتها، والآخر يرى أن اللجنة لها اساس قانوني بالفعل وهو قانون الانتخابات السابق وان صدور القانون الجديد لا ينطوي على ابطال او عدم مشروعية اللجنة وهذا الرأي تبناه المؤتمر الشعبي العام، وعبر عن ذلك الامين العام المساعد للمؤتمر الشعبي العام عبدالملك منصور في حوار صحفي نشر في 5/10/1996م حيث قال "القانون (27) لسنة 1996م لو قيل انه يلغي ما بني في القانون السابق (رقم 41 لسنة 1992م) لأعدنا التسجيل والقيد منذ البداية وشكلنا اللجان منذ البداية بما في ذلك اللجنة الام لكن هذا لم يحدث ولا يمكن ان يتصور أي قانوني ان يحدث، لأن هذا هدم وليس بناء واهدار للوقت والمال ، وان المسألة ليست محل جدل قانوني بل هي رغبة سياسية لبعض الاحزاب"(16)
وقد استمر الجدل حول اللجنة العليا للانتخابات الى فبراير 1997م، فبالرغم من ان المؤتمر الشعبي العام تمسك بشرعية اللجنة واستمرارها إلى ان يتم انتخاب مجلس النواب الجديد بموجب القانون، الا أنه -كان يدرك في- ذات الوقت- سلبيات اللجنة العليا وصواب بعض ما يقال عنها على الاقل، وأنتهى الخلاف حول اللجنة العليا باتفاق قيادات المؤتمر والاصلاح ومجلس التنسيق في 25 يناير وفي فبراير 1997م على تحديد قوام اللجنة العليا للانتخابات وفقا لقانون الانتخابات رقم (27) لسنة 1996م أي بسبعة اعضاء فقط وعلى ضوء ذلك تم انهاء عضوية الأعضاء الأربعة الذين عينوا في مارس 1996م واستمر الاعضاء السبعة المعينون منذ عام 1993م والذين كان اختيارهم وتعيينهم آنذاك بموافقة كافة الاحزاب التي رشحتهم عبر مجلس النواب(17)
وبعد اجراء الانتخابات المحلية والاستفتاء على التعديلات الدستورية، وإبداء الحكومة الجديدة رغبتها في إصدار قانون جديد للانتخابات يواكب المتغيرات الجديدة، كان تشكيل اللجنة العليا للانتخابات هو مثار الخلاف بين الحكومة واحزاب اللقاء المشترك التي عارضت بشدة نية الحكومة تشكيل اللجنة العليا بعيدا عن التأثيرات الحزبية، وهو ما كان يعني استبعاد الاحزاب من اللجنة كما اشرنا الى ذلك سابقا.
وبعد حوارات مستفيضة بين الحكومة وأحزاب المعارضة كادت أن تصل إلى طريق مسدود وتدخل الاخ رئيس الجمهورية وتم الإبقاء على المادة الخاصة بتشكيل اللجنة العليا من سبعة اعضاء من بين 15 شخصا يرشحهم مجلس النواب بموافقة ثلثي اعضاء المجلس، وتم التفاهم بين قيادة الأحزاب والأخ الرئيس على ضرورة تعيين اعضاء في اللجنة من احزاب المعارضة.
وعلى هذا الاساس صدر القرار الجمهوري بتعيين اعضاء اللجنة العليا للانتخابات والذي كان نصيب المؤتمر فيها (4) أعضاء والاصلاح (عضواً)، مجلس التنسيق عضواً (اشتراكي) وعضواً للمجلس الوطني للمعارضة، وهو محسوب على المؤتمر الشعبي العام، وبذلك يكون المؤتمر الشعبي العام قد اخذ نصيب الاسد في هذه اللجنة وبالرغم من ان احزاب المعارضة (اللقاء المشترك) لم تكن راضيه تماما على هذه التشكيلة، الا انها كانت تدرك جيدا انه لم يكن بوسعها الحصول على أكثر مما حصلت عليه، اذ لا يمكنها أن تتجاهل الاغلبية الكبيرة التي يمتلكها المؤتمر في البرلمان وضعف تواجد احزاب المعارضة في المجلس، وأنه لا يمكن الحصول على مشاركة اكبر في اللجنة العليا الا اذا تغيرت الخارطة الحزبية في مجلس النواب الجديد لعام 2003م، وحصلت احزاب المعارضة على عدد كبير من المقاعد يمكنها من ترشيح بعض اعضائها للجنة العليا او الاتفاق على صيغة اخرى توافق عليها جميع الاحزاب في تشكيل اللجنة العليا للانتخابات في المستقبل، وكلا الاحتمالين يبدو حظهما في النجاح ضئيلاً بعد حصول المؤتمر على أغلبية ثلاثة أرباع مجلس النواب الجديد.
* ب- تشكيل لجان ادارة الانتخابات:
في انتخابات 1993م وهي أول انتخابات متعددة الاحزاب في تاريخ اليمن تم تشكيل اللجان الإشرافية واللجان الاساسية والفرعية لمرحلة القيد والتسجيل من كافة الاحزاب والتنظيمات السياسية، بعد ان كان قد تم تشكيل اللجنة العليا للانتخابات من 17 عضواً شملت 11 حزبا وتنظيما سياسيا، وفي انتخابات 1997م وبعد صدور قانون الانتخابات رقم (27) لسنة 1996م والذي اعطى الحق للجنة العليا بتشكيل اللجان الاساسية والفرعية لادارة الانتخابات، بشرط ان لا تشكل أي لجنة من حزب واحد، وهو ما اعطى للاحزاب السياسية حقاً ضمنيا بتمثيلها في هذه اللجان، وبعد اجراء عملية القيد والتسجيل للذين لم يسجلوا انفسهم في انتخابات 1993م وعندما بدأ العد التنازلي لاجراء انتخابات 1997م وبعد الجدل الذي دار حول اللجنة العليا للانتخابات والاتفاق على اعادة تشكيلها من 7 اعضاء فقط بناء على القانون الجديد للانتخابات طالبت احزاب مجلس التنسيق والتجمع اليمني للاصلاح من المؤتمر الشعبي بعدد من الضمانات القانونية للانتخابات ومنها ان يتم تشكيل اللجان الاشرافية والاصلية والفرعية للمرحلة الثانية وادارة الانتخابات من كافة الاحزاب والتنظيمات السياسية.
"والواقع ان قيادة المؤتمر الشعبي كانت حريصة على ان تتوفر للانتخابات كافة الأسس والضمانات القانونية بحيث اسفرت لقاءات قيادتي المؤتمر والاصلاح على الاتفاق على تلك الضمانات والاسس، وتم النص عليها في اتفاق 25 يناير 1997م بين المؤتمر والاصلاح ثم بينها وبين مجلس التنسيق الاعلى لاحزاب المعارضة في لقاءات فبراير 1997م وصولا الى الاتفاق الموقع في 9 مارس 1997م بشأن اسس وضمانات نزاهة الانتخابات. وتميزت مرحلة الترشيح وتوزيع البطاقة الانتخابية وادارة الانتخابات بمشاركة من كافة الاحزاب والتنظيمات السياسية المشاركة في الانتخابات، وقد بلغ عدد اللجان في هذه المرحلة (14512) لجنة تضم (43536) مشرفا ومشرفة فكان ذلك من أبرز الايجابيات والضمانات لنزاهة الانتخابات"(18)
وبعد تغير الخارطة السياسية عقب انتخابات 1997م والتي اسفرت عن اغلبية مريحة للمؤتمر الشعبي العام مكنته من تشكيل حكومة بمفرده وخروج التجمع اليمني للاصلاح من السلطة، وهو ما انعكس على تشكيل اللجنة العليا للانتخابات، والتي ظهر فيها اغلبية للمؤتمر الشعبي العام ظل تشكيل اللجان الانتخابية مثار خلاف بين اللجنة العليا والاحزاب السياسية في العمليات الانتخابية التي شهدتها اليمن عقب انتخابات 1997م، بدءً من انتخابات الرئاسة عام 1999م ومرورا بالانتخابات المحلية والاستفتاء على التعديلات الدستورية في فبراير 2001م وحتى الانتخابات البرلمانية في ابريل 2003م، فعندما بدأت التهيئة لانتخابات الرئاسة استدعت اللجنة العليا للانتخابات في 15 فبراير 1999م أمناء عموم الاحزاب والتنظيمات السياسية وأبلغتهم انها اعلنت الترتيبات الخاصة بالإعداد لمرحلة القيد والتسجيل ومراجعة وتحرير جداول الناخبين، وحددت حصة كل حزب في اللجان الاساسية واللجان الفرعية للقيد والتسجيل وكان موقف وقرار اللجنة يتمثل في ان يتم تكوين اللجان على اساس حصة لأعضاء اللجنة العليا والتي تصل الى نحو 40% من قوام اللجان، وحصة للأحزاب والتنظيمات السياسية وتتمثل في بقية اعضاء اللجان على أن يتم تحديد حصة كل حزب وفقا لعدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات النيابية وعدد الأصوات التي حصل عليها.(19)
وقد رفضت أحزاب المعارضة هذه المقترح، واستمر الجدل بين الاحزاب واللجنة العليا حول هذه المسألة وغيرها من القضايا حتى تم اجتماع امناء عموم الاحزاب والتنظيمات السياسية ورئيس وأعضاء اللجنة العليا للانتخابات مع الرئيس علي عبدالله صالح في 6/4/1999م حيث ناقش ذلك الاجتماع موضوع تشكيل اللجان وتم الاتفاق على تشكيل اللجان وفقا للمعايير التي اقترحها الرئيس وهي كما يلي:
-20% بالتساوي بين الاحزاب والتنظيمات السياسية غير الممثلة في مجلس النواب فقط وهي (14) حزبا.
-20% بالتساوي بين الاحزاب الممثلة في مجلس النواب وهي (المؤتمر- الاصلاح- الوحدوي الناصري- البعث العربي).
-40% يتم توزيعها بحسب اصوات الناخبين التي حصلت عليها الاحزاب فـي انتخابات 1997م النيابية.
-20% يتم توزيعها بنظر الرئيس لمعالجة وضع بعض الاحزاب التي لم تشارك في انتخابات 1997م وخاصة الحزب الاشتراكي.(20)
واذا كان قد تم حسم هذه المسألة الخلافية في الانتخابات الرئاسية ثم الانتخابات المحلية والاستفتاء على التعديلات الدستورية عام 2001م بتدخل الرئيس علي عبدالله صالح، الا ان الخلافات عادت مجددا بعد تشكيل اللجنة العليا للانتخابات والاستعداد لمرحلة القيد والتسجيل للانتخابات البرلمانية في 2003م، حيث جرت حوارات ونقاشات وجدل واسع بين المؤتمر الشعبي العام والمعارضة (اللقاء المشترك) التي وحدت موقفها بالنسبة لهذه المسألة واصرت على اعتماد اسس ومعايير عادلة لتوزيع حصص الاحزاب في اللجان الانتخابية بما يرضي جميع الاطراف، وكان المؤتمر الشعبي العام قد وضع امام الاحزاب جملة من الخيارات منها اعتماد نتائج انتخابات 1997م او نتائج الانتخابات المحلية والتوافق على نسب تراعي مكانة كل حزب ودوره اجتماعيا وثقله سياسيا او ترك الامر للجنة العليا للانتخابات، ثم تقدم بمقترحات لتشكيل لجان القيد والتسجيل وهي:
- اولا: نسبة متساوية للاحزاب المسجلة في لجنة شؤون الاحزاب.
- ثانياً: نسبة محددة للاحزاب التي شاركت في كل الدورات الانتخابية.
- ثالثاً: نسبة خاصة بالحزب الاشتراكي ونسبة خاصة باللجنة العليا للانتخابات.
- رابعا: نسبة بحسب عدد مقاعد الاحزاب حاليا في مجلس النواب.
- خامسا: نسبة بحسب الاصوات التي حصلت عليها الاحزاب الممثلة في مجلس النواب.(21)
لكن الخلاف ظل قائما حول تحديد هذه النسب وبالذات فيما يتعلق بحصة اللجنة العليا للانتخابات وبحسب عدد المقاعد في مجلس النواب، والذي كان لصالح المؤتمر الشعبي العام، واذا كان تدخل الرئيس علي عبدالله صالح في المرات السابقة هو الذي كان يحسم الخلاف حول هذه المسألة الا ان امكانية تدخله هذه المرة كان مستبعدا وقد نقل المرحوم (يحيى المتوكل) في ذلك الوقت عن الرئيس قوله "اذا لم يتفاهم المؤتمر الشعبي العام مع الاحزاب للوصول الى نتيجة تقوم اللجنة العليا للانتخابات بواجبها بحسب القانون".
وقد حددت اللجنة العليا فترة محددة لاتفاق الاحزاب ما لم فانها ستقوم هي بتشكيل اللجان بحسب ما يخولها القانون، وبعد ان تعذر اتفاق الأحزاب اعلنت اللجنة العليا للانتخابات انها ستقوم بتشكيل اللجان من القطاع التربوي وهو الامر الذي رفضه المؤتمر واحزاب اللقاء المشترك.
وبعد جدل طويل كان لابد ان يتم حسم هذه المسألة وهو ما تم بالفعل في اغسطس 2002م حيث تم الاتفاق على توزيع حصص الاحزاب في لجان القيد والتسجيل على النحو التالي : 40% لاحزاب اللقاء المشترك، 44% للمؤتمر الشعبي العام، 8% للاحزاب الاخرى، 8% لأعضاء اللجنة العليا للانتخابات.
* ثانياً: المشاركة الشعبية في الانتخابات:
أ- مرحلة قيد وتسجيل الناخبين :
بعد أن تم تشكيل اللجنة العليا للانتخابات لأول مرة والتي ضمت في عضويتها معظم الاحزاب والتنظيمات السياسية في الساحة، تم الاعداد السليم لمرحلة قيد وتسجيل الناخبين وتشكيل اللجان الاشرافية واللجان الاساسية والفرعية لمرحلة القيد والتسجيل من كافة الاحزاب والتنظيمات السياسية، وبدأت عملية القيد والتسجيل والتي استمرت ثلاثين يوما في الفترة 21 يناير إلــى 19 فبراير 1993م وتلى ذلك نشر جداول أسماء الناخبين وتقديم الطعون بالإدراج والحذف في الجداول والبت فيها بموجب الطرق التي حددها القانون وصولا الى تحرير السجلات العامة النهائية لجداول قيد الناخبين والتي تم بموجبها اجراء الانتخابات البرلمانية الاولى في 27 ابريل 1993م.
وعندما بدأ الاقتراب من موعد اجراء الانتخابات البرلمانية الثانية في عام 1997م بدأت اللجنة العليا للانتخابات خلال مارس وابريل 1996م في الاعداد لمرحلة قيد وتسجيل الناخبين الذين لم يسبق لهم التسجيل عام 1993م وتتوفر فيهم الشروط القانونية وقد بدأت عملية قيد وتسجيل الناخبين في 1/7/1996م وتواصلت لمدة شهرين في يوليو وأغسطس في كافة الدوائر الانتخابية بأرجاء الجمهورية، وسط اهتمام كبير من سائر الاحزاب على حث ودفع اعضائها والمتعاطفين معها والمواطنين الذين لم يسبق لهم التسجيل بان يسجلوا انفسهم.
وقد تعرض السجل الانتخابي لعامي 93 و96م الى انتقادات كبيرة من الاحزاب السياسية وظلت هذه الأحزاب السياسية تطالب بضرورة تصحيح السجل الانتخابي مع -اختلاف بينها وبين المؤتمر- حول آلية تصحيح جداول الناخبين، وبعد جدل واسع حول سجلات الناخبين استمر لعدة سنوات تم الاتفاق على الغاء السجل السابق واعتماد سجل انتخابي جديد، صحيح ودائم.
وبعد ان تم الاتفاق على توزيع حصص الاحزاب في اللجان الانتخابية بدأت عملية القيد والتسجيل في 1 أكتوبر 2002م والتي استمرت شهراً كاملاً حتى 30 اكتوبر 2002م.
وقد بلغ عدد المسجلين في جداول القيد والتسجيل للانتخابات النيابية الثلاث كما يلي:
* عدد المسجلين عام 93م
ذكور = 2.209.44
إناث = 478.379
اجمالي الناخبين = 2.688.323
* عدد المسجلين عام 96م
ذكور = 1.115.409
إناث = 807.104
اجمالي الناخبين = 1.922.836
* عدد الناخبين من 93م-96م
ذكور = 3.333.178
إناث = 1.304.550
الاجمالي = 4.610.836
* عدد المسجلين في 2003م
ذكور = 4.682.048
إناث = 3.415.114
الاجمالي = 8.097.162
ومن خلال الأرقام السابقة نلاحظ ما يلي:
1- ان الاقبال على التسجيل في انتخابات 1993م كان كبيرا في جانب الذكور إذ بلغت نسبة المسجلين 72% من السكان الذكور في سن الانتخاب، وهي نسبة عالية وممتازة جدا خاصة ان عدد السكان يشمل المهاجرين بينما التسجيل كان للمقيمين فقط مما يعني ان نسبة المسجلين من المقيمين قد تصل الى 90% بينما نسبة المسجلين من النساء في سن الانتخاب لم يتجاوز 15% ولكن بالرغم من ذلك فانها تظل كما يرى البعض نسبة معقولة في ظل الواقع الاجتماعي فممارسة زهاء نصف مليون امرأة لحقوقهن الانتخابية يتم لاول مرة في تاريخ اليمن والجزيرة العربية.(22)
2- انخفاض نسبة المسجلين في عام 1996م عما كان عليه التسجيل في عام 1993م بما يقرب من النصف ويعود ذلك في نظر بعض الباحثين إلى سوء التنظيم الذي اتبعته اللجنة العليا للانتخابات والتي لم تطبق القانون بانشاء مراكز للتسجيل، وخيبة أمل الناس في الدور الذي لعبه مجلس النواب السابق، واحساسهم بانهيار مناخ المنافسة بعد انهيار التوازن السياسي الذي نتج بعد حرب 1994م، وانشغالهم بهموم المعيشة، وكذلك عدم الاهتمام الجدي بعملية القيد والتسجيل من قبل الاحزاب السياسية المعارضة منذ وقت مبكر بالإضافة أن تسجيل الناخبين عام 1996م لم يكن سوى لمن لم يسجل عام 1993م وكثير من المهتمين كانوا قد سجلوا عام 1993م(23) ولكن الملاحظة التي تستحق الاهتمام هي ارتفاع عدد النساء المسجلات عام 1996م مقارنة بالمسجلات عام 1993م وبما يزيد عن مائتي الف ناخبة.
3- الارتفاع الكبير في عدد الناخبين ذكورا واناثا المسجلين عام 2003م والذي بلغ عددهم الاجمالي اكثر من ثمانية ملايين ناخب وهو ما يمثل ضعف عدد المسجلين تقريباً في 1997م وهذا الارتفاع جاء نتيجة اهتمام المواطنين عموما والأحزاب السياسية خصوصا بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية الثالثة حيث عملت جميع الاحزاب على الدفع باكبر عدد ممكن من انصارها ومؤيديها للتسجيل في سجلات الناخبين من اجل المشاركة في الانتخابات البرلمانية الثالثة لما تمثله من اهمية كبيرة لمستقبل هذه الاحزاب باعتبار ان المجلس النيابي الذي ستاتي به هذه الانتخابات ستكون مدته ست سنوات كاملة وفقا للتعديل الدستوري، وسيكون اول مجلس يطبق التعديلات الدستورية المتعلقة باستحقاقات ديمقراطية اخرى سوف تجري في اطار مدته الدستورية وهي الانتخابات الرئاسية والانتخابات المحلية المزمع اجراؤهما في العام 2006م.
* ب- مرحلة الاقتراع:
فيما يلي جدول مقارنة يبين عدد الذين أدلوا باصواتهم في الانتخابات النيابية للأعوام (93، 97 ، 2003م):
* انتخابات 1993م:
عدد المسجلين = 2.688.323
عدد الذين ادلوا باصواتهم = 2.471.185
نسبة المشاركة = 84.5%
* انتخابات 1997م:
عدد المسجلين = 4.637.701
عدد الذين ادلوا بأصواتهم = 2.827.369
نسبة المشاركة= 61.4%
*انتخابات 2003م:
عدد المسجلين= 8.097.162
عدد الذين ادلوا بأصواتهم= 6.110.743
نسبة المشاركة= 76.5 %
ومن الأرقام السابقة نلاحظ ما يلي:
- أن عدد الناخبين الذين أدلوا باصواتهم في انتخابات عام 1993م كان كبيراً إذ مثل 84.5% من اجمالي عدد المسجلين في جداول قيد الناخبين، وهي نسبة عالية جداً، ودلت على اهتمام الاحزاب السياسية في دفع أكبر عدد من الناخبين المؤيدين لها لكسب أكبر عدد من مقاعد أول برلمان منتخب في الجمهورية اليمنية، كما دل هذا الاقبال الكبير ايضاً على التفاعل الشعبي والوعي الانتخابي الديمقراطي للجماهير.
- بالرغم من ان عدد المشاركين في عام 1997م قد زاد عن عدد المشاركين عام 1993م بحوالي (356,244) ناخباً وناخبة الا ان نسبة المشاركة كانت ضئيلة بالمقارنة بانتخابات 1993 والتي وصلت (84.5%) حيث انخفضت عام 97م إلى (61%) من عدد المسجين وبمتوسط عام يقرب من 50% من إجمالي من لهم حق الاقتراع من السكان وعددهم 6.976.040 ناخباً وناخبة وذلك بحسب الإحصاء السكاني، وفيما اعتبرت الاحزاب التي قاطعت الانتخابات وعلى رأسها الحزب الاشتراكي اليمني، ان انخفاض نسبة المشاركة يدل على فعالية وتأثير المقاطعة الا ان بعض المراقبين لمجريات العمليات الانتخابية يعزون ذلك الى عدم حذف الذين انتقل موطنهم الانتخابي وسجلوا من جديد عام 1996م مما أدى الى ظهور نسبة المشاركة أقل من عام 1993م، في سائر المحافظات.(24)
- إن نسبة المشاركة في انتخابات 2003م كانت كبيرة إذ بلغت حوالي 76,5% وهي تدل على اهتمام جميع الأحزاب السياسية بهذه الانتخابات، ودفعها لأكبر عدد من أنصارها للتصويت لتحقيق نتائج أفضل في البرلمان، كما تدل أيضاً على الوعي الشعبي الذي بدأ يدرك أهمية مثل هذه الاستحقاقات الديمقراطية وضرورة مشاركته فيها وهو ما لمسه المراقبون الدوليون واشادوا به في تقاريرهم الاولية التي اعلنوها حتى الآن فقد جاء في التقرير الاولي للمعهد الديمقراطي الامريكي عن انتخابات 2003م "ان العملية الانتخابية قد اتسمت بحماس منقطع النظير من قبل الجماهير اليمنية التي شاركت في هذه العملية، وعزز هذه التجربة الانتخابية احساس المراقبين الدوليين بأن الجماهير اليمنية تدرك اهمية الاستحقاقات الديمقراطية في حياتها السياسية، وهذا مؤشر على درجة عالية من الاهمية في تطور العملية الديمقراطية في اليمن باعتبارها ديمقراطية ناشئة".
* ثالثاً: مشاركة المرأة في الانتخابات:
استناداً إلى النصوص الدستورية والقانونية التي كفلت حقوق المرأة السياسية، شاركت المرأة اليمنية في العمليات الانتخابية التي جرت خلال عقد من الزمن بجميع مراحل العمليات الانتخابية ومستوياتها كناخبة ومرشحة، مع تفاوت في حجم هذه المشاركة من دورة إلى أخرى، كما يبين ذلك التالي:
-انتحابات1993:
عدد المرشحات /الحزبيات ( 18 )، المستقلات (24)
فازت سيدتان احداهما مستقلة والأخرى حزبية0
- انتخابات 1997م:
عدد المرشحات/الحزبيات (11)، المستقلات ( 6 )
فازت سيدتان تنتميان للمؤتمر الشعبي العام0
- انتخابات 2003م :
عدد المرشحات/ الحزبيات ( 5 )، المستقلات ( 6 )
فازت سيدة واحدة تنتمي للمؤتمر الشعبي العام0
ومن الجدول السابق نلاحظ ما يلي:
1. أن المرأة قد شاركت في لجان إدارة الانتخابات سواءً في مرحلة قيد الناخبين او في لجان إدارة الانتخابات في جميع الدورات الانتخابية التي شهدتها اليمن خلال العقد الماضي، وقد زاد عدد اللجان النسائية في كل دورة انتخابية ليواكب الزيادة العددية للنساء المشاركات في كل دورة انتخابية.
2. أن عدد النساء المسجلات في جداول قيد الناخبين قد بلغ 15% فقط من اجمالي عدد الاناث ممن يحق لهن الانتخاب في أول انتخابات برلمانية تشهدها اليمن عام 1993م وهي نسبة ضئيلة اذا ما قورنت بنسبة عدد الرجال المسجلين وهي 72% في الوقت الذي كان عدد الاناث اللائي كان لهن حق الانتخاب آنذاك هو (3.206.883) وهو عدد يزيد عن اجمالي عدد الذكور ممن لهم حق الانتخاب والبالغ (3.076.056) بفارق 13.000.(25)
3. بالرغم من التزايد الملحوظ في أعداد النساء المسجلات في جداول الناخبين واللاتي أدلين بأصواتهن في كل دورة انتخابية الا ان عدد النساء المرشحات كان يتناقص باستمرار في كل دورة انتخابية.. ففي حين وصل عدد المرشحات في انتخابات 1993 الى 42 مرشحة منهن 18 مرشحة حزبية و(24) مرشحة مستقلة وهو بالمناسبة عدد ضئيل اذا ما قورن بعدد المرشحين من الذكور الحزبيين والمستقلين والذين بلغ عددهم (3140) مرشحاً، ولكن بالرغم من ذلك فان عدد النساء المرشحات في انتخابات 1997م قد شهد تراجعاً ملحوظاً واظهر تراجع الاحزاب السياسية عن ترشيح المرأة، بالرغم من حرص هذه الاحزاب على الدفع بالمرأة كناخبة للاستفادة من صوتها، حيث لم ترشح الاحزاب السياسية سوى (11) مرشحة فقط.
وفي كلتا الدورتين الانتخابيتين لعامي 1993م، 1997م لم تفز سوى امرأتين فقط، وظل نصيب المرأة كناخبة يأخذ خطاً تنازلياً ففي انتخابات السلطة المحلية لعــام 2001م لم يتجاوز عدد المرشحات لانتخابات الحكم المحلي في المديريات والمحافظات 147 مرشحة مقابل (24.864) مرشحاً من الذكور، أما في الانتخابات البرلمانية الثالثة 2003م فإن عدد المرشحات لعضوية مجلس النواب لم يتجاوز 11 مرشحة منهن 5 مرشحات باسم الاحزاب والتنظيمات السياسية ولم يحالف الحظ سوى مرشحة واحدة فقط.
ان هذه المؤشرات تعني ان نسبة مشاركة المرأة تتراجع مع مرور الزمن وربما يعود هذا الى الوعي الاجتماعي التقليدي الذي لا يزال يحكم كثيراً من الشرائح الاجتماعية بما فيها الاحزاب حتى تلك التي تتشدق كثيراً بحقوق المرأة وضرورة مشاركتها السياسية، وكانت الاحزاب السياسية والمنظمات والهيئات المهتمة بمشاركة المرأة السياسية قد اجرت حوارات ونقاشات موسعة حول دور الاحزاب في دعم المرأة في الترشيح لعضوية البرلمان بما يتناسب مع حجم مشاركة المرأة كناخبة، واقترح البعض تخصيص بعض الدوائر للنساء، لكن الاحزاب السياسية اختلفت في هذه القضية ففي حين وافق المؤتمر الشعبي العام ومعظم الاحزاب السياسية على ذلك فإن التجمع اليمني للاصلاح الذي دخل الانتخابات الاخيرة بتنسيق مع شركائه في احزاب (اللقاء المشترك) قد اكد صراحة عدم ترشيحه للمرأة واكد رئيس الدائرة السياسية في الاصلاح ان حزبه لا زال بحاجة الى بعض الوقت -سنتين على الاقل- حتى يتم اقناع بعض قيادات الحزب بترشيح المرأة، وإزاء ذلك طلب امين عام الحزب الاشتراكي من المؤتمر الشعبي العام ان ينسق معه بشأن المرأة لكن امين عام المؤتمر رفض هذا الطلب معتبراً ان التنسيق لا يجزأ وأنه لا يصح للاشتراكي ان ينسق مع الاصلاح في دوائر الرجال وينسق مع المؤتمر في دوائر النساء!!
وهكذا افترقت الاحزاب بشأن المرأة، وفي حين كانت المرأة تؤمل من المؤتمر الشعبي العام باعتباره اكبر الاحزاب السياسية في الساحة واوفرها حظاً في النجاح ان يدفع بعدد من المرشحات باسمه لعضوية البرلمان الا ان قائمة مرشحي المؤتمر اصابت المرأة بخيبة أمل حيث لم يرشح المؤتمر سوى امرأة واحدة فقط ـ وهي التي حالفها الحظ في الوصول الى برلمان 2003م.. وارجع قياديون في المؤتمر السبب في ذلك إلى الآلية الجديدة التي اتبعها المؤتمر في إقرار مرشحيه والتي أعطى فيها الصلاحية للدوائر وليس لقيادة المؤتمر. وهو ما أدى إلى بروز النزعة الرجالية لدى قواعد المؤتمر ـ كغيرهم ـ من ابناء الشعب اليمني الذي لا يزال تحكمه النظرة الاجتماعية التقليدية للمرأة وفي هذا الصدد يقول د. عبد الكريم الارياني الامين العام للمؤتمر الشعبي العام: (مع الأسف الشديد ضغطنا واتخذت اللجنة العامة قراراً بترشيح 10 نساء ولكن الديمقراطية بعض الاوقات غير مرغوبة وانا لا أرغب بها فيما يخص النساء إذا تركت النساء للديمقراطية فهن مظلومات).(26)
وكلام د. الارياني واقعي الى حد كبير ذلك ان موقف معظم الشرائح الاجتماعية في المجتمع بما فيهم المثقفين للاسف تجاه المرأة يحركه اللا شعور الباطن والذي يضم - حسب الدراسات النفسية والاجتماعية المعاصرة - ليس فقط غرائز الفرد ومكونات طفولته بل ايضاً نزوعات وعواطف جمعية تنتمي الى ماضي البشرية القريب منه والسحيق وتنتصب على شكل نماذج تشكل نوعاً من اللا شعور المشترك سماه (يونغ) بـ(اللا شعور الجمعي) والذي يتحكم بصورة او بأخرى في سلوك الفرد وسلوك الجماعة.
ويبدو اثر ذلك جلياً في المواقف العملية لدعاة حقوق المرأة على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم السياسية، فهؤلاء في الواقع العملي لا يختلفون كثيراً عمن يعتنق الافكار المناهضة لحقوق المرأة.
إذ أن معظم هؤلاء لا يسمحون لنسائهم بالمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية والاجتماعية مما يدل على ان الافكار الجديدة التي ينادون بها لا تعدو ان تكون مجرد علم وللاستهلاك فقط، ذلك ان الفكرة -أي فكرة تمر- كما يرى جودت سعيد بمراحل من نظرية وظن الى ادراك وعلم الى سلوك وخلق.. والافكار الجديدة الداعمة لحقوق المرأة لدى هؤلاء لم تتجاوز في أقصى مراحلها مرحلة الادراك والعلم ولم تتحول بعد الى سلوك وخلق، فالسلوك والخلق توجهه الافكار الموروثة المتعمقة في النفس والتي تعمل آلياً دون الحاجة الى استحضار فكر، فهذه الافكار طرأت على الفرد العربي منذ وقت مبكر جداً في عهد الطفولة الاولى ونزلت الى اعماق النفس وترسخت فيها الى درجة النسيان ولكن هذا النسيان والغياب عن الوعي لا يجعلها تكف عن التأثير على عمل الانسان وسلوكه، ومعروف ان هذه الافكار التي يختزنها اللا شعور هي مسكونة بالتراث العربي منذ الجاهلية والتي تنظر الى المرأة نظرة دونية، وهي للأسف تشكل ثقافة مجتمع ولا يمكن للافكار الجديدة ان تغيرها بسهولة بمجرد النصوص الدستورية والقانونية، مالم نعمل اولاً على تصفية هذه الثقافة من الافكار المتخلفة واحلال الافكار الجديدة والصائبة مكانها وتطبيقها في واقع الحياة، والثقافة لا نعني بها مجرد الافكار رغم ان الافكار عنصر رئيسي وحيوي في الثقافة، ولكن الثقافة اوسع واشمل من ذلك فهي حياة المجتمع وسلوكه التي تطبع تصرفات الفرد منذ طفولته وهي بتعريف مالك بن نبي (مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته وتصبح لاشعورياً العلاقة التي تربط سلوكه باسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه).
وهذا يعني ان على جميع المهتمين بحقوق المرأة وعلى المرأة بدرجة أساسية باعتبارها المعنى الاول بحقوقها ان يعملوا على ترسيخ الوعي بين افراد المجتمع وتأهيل المرأة علمياًً لتتمكن من انتزاع حقوقها مستفيدة من الحقوق النظرية التي أقرها الدستور والقوانين اليمنية، باعتبار ان تعليم المرأة ووعيها هو الكفيل بممارستها حقوقها واجبار المجتمع على ذلك دون ان يعنـي ذلك -بالطبع- إعفاء الاحزاب والقيادات السياسية من واجبها في منح الفرصة للمرأة واتخاذ الخطوات التي تمكنها من الفوز في أي انتخابات برلمانية او محلية قادمة، مع العلم ان العوائق التي تقف دون المشاركة الفاعلة للمرأة في الانتخابات ليست خاصة بالمرأة اليمنية، بل هي مشكلة تواجه المرة العربية بشكل عام.
ولو قارنا وضع المرأة اليمنية بوضع المرأة العربية في بعض الاقطار العربية لوجدنا ان المرأة اليمنية افضل حالاً في هذا المجال حيث لا تزال المرأة محرومة من حقوقها السياسية والتي لا تزال تحرم المرأة في بعض الاقطار العربية سواء كمرشحة أو ناخبة، وهو ما أشار إليه تقرير التنمية البشرية الصادر عن مكتب الامم المتحدة الانمائي لعام 2002م والذي ذكر أيضاً أن نسبة مشاركة المرأة العربية عموماً في مجال الحياة السياسية ضئيلة جداً بحيث سجلت المنطقة العربية أدنى مستوى لها من حيث استخدام طاقات المرأة العربية حيث أورد التقرير ان المرأة العربية تحتل ما نسبته 3.5% فقط من مقاعد البرلمانات في الدول العربية مقارنة بنسبة 11% في منطقة افريقيا جنوب الصحراء 12% في امريكا اللاتينية والبحر الكاريبي0
البقية (الجزء الثاني) مركز البحوث والمعلومات /
قراءات سياسية (العدد11 مايو 2003)
|