|
مستقبل الأمم المتحدة في ظل هيمنة القطب الواحد0 [19/يونيو/2003] كتب/ مجيب الرحمن عبيد
شهد العالم خلال القرن المنصرم محاولتين جادتين لترتيب أوضاعه وتنظيم علاقاته وحفظ موازين قواه المضطربة ضمن أركام الحرب العالمية الأولى فقد خرج النظام الدولي القديم معبراً عن نفسه في إظهار مؤسسة عصبة الأمم المتحدة التي تشكلت عام 1920م لتحقيق السلام وتجنيب العالم شبح الحرب والاقتتال، إلا أن عصبة الأمم انهارت عندما فشلت في إيقاف الحرب العالمية الثانية، ومن تلك الفوضى التي اجتاحت العالم الأوروبي ومن بدايات الخروج الأمريكي في ممارسة النفوذ في ساحة الفعل الدولي، ومن زهو المنتصرين في مؤتمر (يالطا) وانكسارات المنهزمين خرج النظام العالمي لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي فقد فيها العالم أكثر من أربعين مليون قتيل ودمرت عشرات المدن بمنظومة جديدة لتنظيم العلاقات وحفظ السلم والأمن الدوليين تمثلت في صيغة الأمم المتحدة، وذلك في السادس والعشرين من يونيو من العام 1945م حيث وقعت إحدى وخمسون دولة على ميثاق الأمم المتحدة وتم الإعلان رسمياً عن قيام المنظمة في الرابع والعشرين من أكتوبر من العام نفسه(1).
وكان ميثاق الأمم المتحدة قد نص صراحة على اضطلاع المنظمة الدولية بثلاث أهداف رئيسية تمثلت في ترسيخ السلام والأمن وتنمية علاقات الصداقة بين الأمم في إطار مبدأ المساواة في الحقوق وحرية تقرير مصير الشعوب فضلاً عن هدف تعزيز التعاون الدولي على كل صعيد.
ولأن المنتصرين لا يكتفون دائماً بكتابة التاريخ عن وقع انتصاراتهم فقد ابتدعت الدول الكبرى التي خرجت منتصرة من الحرب نظاماً تسنمت فيه قمة المسئولية الأمنية والسياسية والأخلاقية داخل المنظمة الدولية، فقد أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفرنسا والصين دولاً دائمة العضوية في مجلس الأمن في نظر السياسيين المثاليين طعنة نجلاء في مفهوم المساواة الذي يقر أن دول المنظمة متساوية فيما بينها.
والحقيقة أن فعالية الأمم المتحدة وقدرتها على تحقيق أهدافها ظلت ضعيفة من الناحية العملية منذ تأسيسها، حيث لم تستند هذه المنظمة الدولية على أي شكل من أشكال القوة الحقيقة التي تؤهلها للقدرة على التأثير في مجريات الأحداث في العالم حيث ظلت إرادتها مرهونة بإرادة الدول الكبرى ومحصلة نهائية لإرادة الطرف الأقوى من هذه الدول.
ولم تسعد البشرية بصيغة النظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد انقسم العالم ما بين القطبين الأوحدين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، ونتيجة لهذا الانقسام لم تتمكن المنظمة الدولية (الأمم المتحدة) من القيام بواجباتها المختلفة تجاه شعوب العالم بالشكل الذي يحمي منظومة الأخلاق الإنسانية ويحافظ على السلم والأمن الدوليين وما زاد من التعقيد في أداء الأمم المتحدة لواجباتها الإنسانية، ما حملته هذه المنظمة بين جوانبها منذ نشأتها الأولى وعرف بحق النقض (الفيتو) والذي استغله كل طرف من طرفي الصراع في ظل ما عرف بالحرب الباردة، لتحقيق مصالحه الاستراتيجية وتعطيل مصالح الطرف الآخر ولو كان ذلك على حساب السلم والأمن العالميين وميثاق الأمم المتحدة ومبادئها الدولية.
لكن الصراع بين قطبي العالم انتهى بالانهيار الكبير الذي لحق الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية، وبعد انتهاء الصراع وزوال الحرب الباردة بين القطبين العالميين، شهد مسرح الحياة الدولية العديد من التغيرات السياسية والتي أنذرت في مجملها بتلاشي دور الأمم المتحدة على الصعيد العالمي نتيجة لغياب التوازن الدولي وهيمنة القطب الواحد بسياساته الانفرادية البعيدة عن مقتضيات السلم والأمن الدوليين على شؤون العالم تحت غطاء الشرعية الدولية واحترام مواثيق الأمم المتحدة أحياناً، وأحياناً أخرى دون غطاء شرعي يذكر وهو ما كان يعني في حينه أن تتجه أنظار العالم مرة أخرى بعد زوال الحرب الباردة باتجاه البحث عن تنظيم دولي جديد يتناسب مع النظام العالمي الجديد الذي شهده العالم منذ مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، كما اتجهت من قبل نحو صيغة عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى وصيغة الأمم المتحدة بعد الحرب الثانية، أو أن تتجه أنظار العالم على الأقل نحو إصلاح الأمم المتحدة وأنظمتها المختلفة إلا أن شيء من ذلك لم يحدث.
فعلى الرغم من بروز طلبات عديدة في أروقة الأمم المتحدة تدعو إلى إصلاح حال المنظمة لتكون تعبيراً حقيقياً عن حال العالم اليوم، وما ترتب على ذلك من استجابة لتلك الطلبات بتشكيل لجنة من الجمعية العامة للأمم المتحدة لإصلاح مجلس الأمن وتوسيعه ليضم أربعة وعشرين عضواً بين دائم وغير دائم، إلا أن اللجنة التي أنفقت عشر سنوات من المناقشات لم تخرج حتى اليوم بأية نتيجة، وقد جاءت حرب الخليج الأولى لتحقق حالة اختراق كاملة في منطقة الخليج بلغت تمامها بتحويل الخليج العربي كله إلى قواعد انطلاق نحو الشرق الأوسط وأقصاه، فالسيطرة الأمريكية التي بدأت مبكراً بأمريكا اللاتينية تقيم فيها دولاً وتسقط أخرى قد امتدت لتشمل جنوب شرقي آسيا إلى اليابان وتمتد إلى منطقة آسيا الوسطى وهو حزام سيكتمل بالسيطرة على العراق بحرب قال عنها الرئيس جورج دبليو بوش إن بلاده ستخوضها بتفويض من مجلس الأمن أو بدون تفويض(2).
* واقع الأمم المتحدة:
تدخل الأمم المتحدة تجربة جديدة في تاريخها منذ انتهاء الحرب الباردة، وذلك بعد الصراع الذي حدث بين الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي حول إصدار قرار جديد يعالج الأزمة العراقية ويعطي لأمريكا وبريطانيا الحق في تقرير مصير العراق وإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤية أمريكية بريطانية تتناسب والمصالح الاستراتيجية لكلتا الدولتين.
ففي الوقت الذي اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا قراراً يجيز استخدام القوة العسكرية ضد العراق لنزع ما تتحدث عنه الدولتين من أسلحة دمار شامل في العراق حرصت كل من فرنسا وروسيا والصين على إعطاء فرصة كاملة للمفتشين الدوليين وتسوية الخلاف بالطرق السلمية بعد استجابة العراق لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1441 كما جاء في شهادة المفتشين الدوليين وكانت هذه هي المرة الأولى التي تتصادم فيها الآراء داخل مجلس الأمن إلى حد التهديد استخدام حق النقض الفيتو بالشكل الذي جعل وحدة المجلس في كفة والانشقاق في صفوفه في كفة أخرى، وهو ما يعتبر نقطة تحول تاريخية تعيد إلى الأذهان مناخ الحرب الباردة ولكن بصورة جديدة تحمل كثيراً من الاحتمالات للمستقبل ففرنسا التي أعلنت عن استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن كانت دولة من دول المعسكر الرأسمالي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بينما روسيا والصين كانت من دول المعسكر الاشتراكي واجتماع الدول الثلاث على موقف واحد في قضية العراق يؤكد أن الفوارق الأيديولوجية التي كانت التي كانت تحدد مواقع الدول في السياسة الدولية قد تلاشت(3). وأن لغة المصالح الاستراتيجية هي التي طغت على سلوك الدول الكبرى في سياستها الدولية.
وقد كشفت مأساة العراق بعد أن تعذر منعها كثيراً من الحقائق التي يجب الوقوف عندها لاستلهام واقع الأمم المتحدة.
- الأولى: التهديد الذي تتعرض له الشرعية الدولية التي تتجسد في ميثاق الأمم المتحدة الذي يعتبر أساساً للأمن والاستقرار في العالم، والذي ترفض أمريكا أن يكون سداً يحول دون تنفيذ أهدافها وهو ما اتضح من خلال استهانتها بمجلس الأمن بعد عجزها عن الحصول على أغلبية تسمح لها بتحقيق أهدافها وإقدامها على شن الحرب ضد العراق.. وهو الأمر الذي يضع العالم أمام موقف جديد فقد كانت عصبة الأمم هي ثمرة الحرب العالمية الأولى كما كانت الأمم المتحدة هي ثمرة الحرب العالمية الثانية وأمريكا تسعى اليوم لنظام عالمي جديد يساند انتصارها في الحرب الباردة(4).
- الثانية: العبث الذي حدث بأسس الحفاظ على السلام والأمن والاستقرار وتجاهل خطر اللجوء إلى القوة واحتلال الأراضي الخاضعة لسيادة الدول الأخرى وانتهاك حريتها واستقلالها وهو ما يعني الاحتقار الكامل لقواعد القانون الدولي ومبدأ السيادة المتساوية للدول.
- الثالثة: إن إعادة النظر في ميثاق الأمم المتحدة أصبحت من القضايا الهامة المطروحة للبحث بعد أن تكشفت الخلافات الواضحة في وجهات النظر، وأصبحت الحاجة ماسة لميثاق جديد ينظم التعاون الدولي.
- الرابعة: إن الإعلان عن تغيير النظام في العراق واستبداله بنظام آخر يقوم على الديمقراطية وذلك عن طريق التدخل المباشر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها يعد سابقة خطيرة في تاريخ العلاقات الدولية وإيذاناً بزوال الأمم المتحدة كسابقتها عصبة الأمم.
- الخامسة: إن تهميش دور الأمم المتحدة في معالجة الأزمة العراقية فيه إضراراً بأهم إنجاز قانوني حققه العالم في تاريخه ربط الجميع في منظومة حافظت على توازن سلمي غير مسبوق، فالأمم المتحدة على الرغم من إخفاقاتها تبقى هي الأداة القادرة على ضبط النظام وترتيب العالم، واستهانة الأمريكيين بدورها وفعاليتها ستؤذي بالدرجة الأولى مصالحهم المستقبلية كقوة عظمى، ومع قناعة الكثير من المحللين بأن الأمم المتحدة لم تسعد العالم بسلام شامل، ولم تكن عادلة في كل نزاع نشب في العالم وتحديداً في القضية الفلسطينية ومسألة الاحتلال الإسرائيلي لأراضي عدد من الدول العربية رغم هذا كله فإن العالم سيكون في وضع أسوأ بلا مرجعية قانونية دولية(5).
ولو قمنا بتقييم الأداء الذي لعبته الأمم المتحدة لتحقيق أهدافها الأساسية الثلاثة والمتمثلة في ترسيخ السلام والأمن وتنمية علاقات الصداقة بين الأمم في إطار مبدأ المساواة في الحقوق وحرية تقرير مصير الشعوب بالإضافة إلى هدف تعزيز التعاون الدولي على كل الأصعدة فهل ما نشهده على المسرح الدولي منذ سنوات بعد بداية الحديث عن نظام عالمي جديد وبدء هبوط رياح العولمة يأتي معبراً عن وجود دور فاعل للأمم المتحدة بشأن هذه الأهداف؟.
- بالنسبة للهدف الأول فقد أصبح السلام والأمن في كل أرجاء المعمورة رهناً بدور أساسي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية تفاوضياً أو إجبارياً بكل أدوات التفاوت والإجبار ابتداءً من فرض العقوبات وانتهاء بالاستخدام المباشر للقوة العسكرية.
- وبالنسبة للهدف الثاني: من أهداف الأمم المتحدة فالحقيقة أنه لم يعد هناك أي دور ملموس للأمم المتحدة في تطبيق مبدأ المساواة في الحقوق والحريات وتقرير مصير الشعوب وإنما أصبح كل ذلك مرهوناً بالقواعد التي ترسمها وتحددها الولايات المتحدة الأمريكية سيدة النظام العالمي الجديد.
- وبالنسبة للهدف الثالث للمنظمة الدولية: فربما يمكن القول بأن بعض ملامح الهدف الثالث من أهداف قيام المنظمة وهو تعزيز التعاون الدولي على كل صعيد ما زال له قدر من الوجود المحسوس من خلال بعض المنظمات التابعة للأمم المتحدة كمنظمة اليونسكو وغيرها من المنظمات الإنسانية(6).
* رؤية مستقبلية لدور الأمم المتحدة:
في الحقيقة أن هناك عدد من الأخطار التي تحدق بالأمم المتحدة وتحدد مستقبل وجودها، ومن أهم هذه الأخطار:
1- تفاقم المشكلات الاجتماعية التي باتت تشكل تحدياً صريحاً لمستقبل الأمم المتحدة ما لم تنجح هذه المنظمة في احتوائها ومعالجتها بأسرع وقت ممكن، فمعظم سكان إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يعانون من مشكلات الفقر والبطالة والتلوث وتفاقم الديون وانتشار ظاهرة التصحر والجفاف والمجاعات، بالإضافة إلى إتساع الهوة بين دول الشمال الغني ودول الشمال الفقير، وإهدار مبادئ عديدة تمس الوجود الإنساني وفي مقدمتها العزلة والمساواة واحترام حقوق الإنسان.
2- إن الأمم المتحدة في حاجة إلى إصلاح شامل وجذري في أجهزتها المختلفة ولا سيما فيما يتعلق بتشكيل مجلس الأمن الدولي الذي أصبح بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى توسيع عدد أعضاءه بما يحقق المساواة بين مختلف الشعوب الأعضاء في الأمم المتحدة كما أنه لمن المفيد بالنسبة لمستقبل الأمم المتحدة المهددة بالغرق بسبب عجزها وتهميشها، إعادة النظر والاعتبار لدور الجمعية العامة.
3- إن بيت الداء في عجز الأمم المتحدة في القيام بواجباتها يكمن في هيمنة القطب الواحد الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية في النظام العالمي الجديد وما لم تتخل الولايات المتحدة عن أساليب الهيمنة والسياسات الانفرادية التي تتبعها لتسيير شؤون العالم بعيداً عن قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية فلن يكون بعيداً ذلك اليوم الذي تلقى فيه الأمم المتحدة مصير عصبة الأمم التي سبقتها.
4- وأخيراً فإن أحداً لا يستطيع التكهن بالعواقب السياسية لموقف الإدارة الأمريكية في تصرفها ضد إرادة مجلس الأمن والتي تحاول أن تلعب فيها دور المدعي العام والقاضي والشرطي والجلاد في وقت واحد، ولكن ما هو مؤكد أن الخطر يتهدد مستقبل الأمم المتحدة وما كانت تحاول المحافظة عليه من أمن واستقرار وسلام.
* الهوامش:
1. فوزي بشري، مستقبل الأمم المتحدة في ظل الصراع إزاء مفاهيم القانون الدولي، تقرير الجزيرة نت.
2. نفس المصدر.
3. أحمد حمروش، مستقبل الأمم المتحدة وقضية الأمن والاستقرار، صحيفة الشرق الأوسط، العدد 8424.
4. نفس المصدر، العدد 8884.
5. صحيفة الشرق الأوسط، العدد 8881.
6. صحيفة الأهرام، العدد 41534. مركز البحوث والمعلومات/
قراءات سياسية(العدد10 ابريل2003)
أخبار ذات علاقة |
| لا توجد أخبار ذات علاقة ... |
|