|
الإستراتيجية الفرنسية تجاه الوطن العربي0 [19/يونيو/2003] كتب/ علي صوال
من المعروف ان الوطن العربى احتل حيزا مهما فى الاستراتيجية الفرنسية الشاملة عقب الحرب العالمية الثانية من خلال سعي الدبلوماسية الفرنسية إلى استرجاع مكانتها فى المنطقة العربية من خلال سلسلة من المواقف التي كانت تستجيب لتبدلات السياسة الخارجية بكاملها وتعبر بوضوح عن تمسك فرنسا بالحضور بشكل منفرد ومؤثر عن باقي الامبرياليات فى العالم لاسيما فى المناطق الساخنة.
بيد ان هذا النزوع نحو تبوؤ مراكز قياديه يطرح عدة تساؤلات حول طبيعته وجدواه وكيف يمكن لها ان تتبنى سياسه مستقله دون التصادم مع الاستراتيجيات العالميه عامة والامريكيه بوجه خاص ؟
فلو افترضنا ان فرنسا تبتغى فعلا تبنى استراتيجية عالمية مستقلة فما هو النظام العالمى البديل الذى تقترحه لتجاوز وضعية القطبية الواحدة؟ وهل تملك فرنسا الامكانيات اللازمة لتكريس هذا الطموح اى احداث نظام عالمى متعدد المراكز وبشكل أدق ما هي السياسة الفرنسية الممكنة فى الوطن العربى وسط المعطيات الشائكة والمتناقضة.
هذه الدراسة التحليلية تحول تشخيص الاستراتيجية الفرنسية تجاه الوطن العربى من خلال عنصرين الاول طبيعة الاطار الداخلى الفرنسي الذى تتبلور ضمنه هذه السياسة والثاني محددات السياسة الخارجية والتي تشكل ركائز السياسة الخارجية الفرنسية إزاء الوطن العربى.
* لمحة تاريخية:
من دون ان نخوض في الماضي البعيد يمكن ان نقرن اهتمام فرنسا بالوطن العربي مع تباشير تكوين النظام الرأسمالي العالمي حيث دخلت الامبراطوريات المهيمنة آنذاك في صراع من اجل اكتساب مراكز النفوذ وقد شكلت المعاهدة المبرمة في عام 1535م بين سليمان القانوني وفرانسوا الاول ملك فرنسا معلماً بارزاً في بداية التغلغل الفرنسي الى المنطقة العربية حيث منحت لفرنسا عدة امتيازات عرفت بالامتيازات الاجنبية ومنها حرية الملاحة والتجارة في الموانئ العثمانية واستمرت كذلك حتى تم تجديدها عام 1838م والتي اصبح لفرنسا امتيازات تجارية واقتصادية كبيرة(1).
بيد ان تركيز فرنسا لنفوذها في الوطن العربي لم يتم الا في عام 1798م - 1801م بداية حملة نابليون على مصر والتي تركت بصماتها واضحة من خلال نشره الثقافة الفرنسية في الوطن العربي كما تمكنت خلال القرن التاسع عشر من اكتساح اجزاء مهمة في الوطن العربي ابتداء من الجزائر في عام 1830م ثم تونس 1882م تلاها المغرب عام 1912م.
واستمر النفوذ الفرنسي دون منافس حتى بداية القرن التاسع عشر وبعد ذلك اشتد التنافس بين فرنسا وبريطانيا لاقتسام مراكز النفوذ والتي انتهت بينهما بالاتفاق على صيغة مشتركة عكستها اتفاقية سايكس بيكو.
ومما لا شك فيه ان مخلفات الحرب العالمية الاولى لم تخفف من حدة الصراع بينهما على المنطقة العربية فعلى الرغم من تقويض الامبراطورية العثمانية واستيلاءهما على معظم البلدان العربية فانه يمكن القول بان المسألة الشرقية كانت من بين القضايا التي سيطرت بثقلها على العلاقات الدولية ما بين الحربين العالميتين وظلت تشكل احد محاور الصراع البريطاني الفرنسي بسبب تباين الرؤية وتناقض المصالح في المنطقة حتى تم الاتفاق بين البلدين عام 1920م على وضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي والعراق وفلسطين تحت الانتداب البريطاني .
ودون الرجوع الى تحليل مختلف تطورات السلوك الفرنسي من خلال مرحلة الانتداب فانه يمكن القول بان الممارسة الفرنسية لم تفرز سياسة متصلة وواضحة بل انها تأثرت بالمتغيرات المتلاحقة واضطرت في نهاية المطاف الى الانسحاب تدريجيا عقب الحرب العالمية الثانية التي افرزت تحولات جذرية في موازين القوى الدولية وفي العلاقات بين الدول الاستعمارية والشعوب المستعمرة وتم الانسحاب عبر مراحل كانت بدايتها باعلان استقلال سوريا ولبنان في عام 1942م -1943م وانتهاء بالمغرب العربي - الجزائر 1952م .
وعلى الرغم من حصول الوطن العربي لاستقلاله السياسي الا انه ظل بؤرة لتوترات عميقة ونزاعات مستديمة ويرجع ذلك الى زرع دولة اسرائيل وتصاعد دوره على المستوى الاقتصادي والاستراتيجي مما جعله يحتل موقعا مركزيا في الاستراتيجيات التصارعية للقوى الكبرى ومن بينها فرنسا التي حاولت بعد مرحلة الانحسار ان تعود في ظل الجمهورية الخامسة كممثل يسعى الى البحث عن ادوار رئيسية في المنطقة .
* الإستراتيجيةالفرنسية(خلال الحرب الباردة) :
لاشك بان فرنسا اولت عناية فائقة لمسألة استرجاع نفوذها في الوطن العربي مسترشدة في تحركها من خلال الجمهورية الخامسة بالتحولات التي اعترت سياستها الخارجية برمتها عامة وخاصة تجاه المنطقة العربية والتي ظلت مسرحا لمجابهات وصراعات متعددة حيث بنت فرنسا منظورها للعلاقات الدولية على نبذ القطبية الثنائية ولاسيما تجاه الولايات المتحدة التي اصرت على قيادة المعسكر الرأسمالي ولذلك ادركت فرنسا بان حضورها المتميز ضروري لتدعيم مصالحها المكثفة مع الوطن العربي والتي سعت من خلاله الى تحقق هدفين متكاملين هما(2):
1-تقديم فرنسا كمخاطب لابد منه يتوافر على ذاتية مستقلة في مواجهة القوتين العظيمتين وبالتالي لابد من مساهمته في حل المشاكل التي يواجهها النظام العربي والتي تكتسي طابعا عالميا.
2-البحث عن وضعية اقتصادية مهيمنة في اطار العلاقات المركزية المحيطة.
وفي ضوء ذلك تبنت فرنسا استراتيجية لتحقيق هذين الهدفين من خلال :
- أولاً: استراتيجية المحافظة والدفاع :
يمكن القول بان اساس هذه الاستراتيجية يعود الى التصور الديغولي لمكانة فرنسا ودورها في العالم كقوة لا تقتصر على نطاق محدود بل يمتد الى جميع انحاء العالم ومن اجل تحقيق تلك الغاية قد سخرت الديغولية طاقاتها لانعاش الرأسمالية الفرنسية وتزويدها باستراتيجية عالمية تمكنها من المحافظة والدفاع عن مصالحها، وقد ظل التصور الذي طبع السياسة الخارجية الفرنسية منذ وصول ديغول الى السلطة يشكل الخط المهيمن والمحدد لسلوك فرنسا الخارجي وذلك من خلال التحرك الفرنسي ازاء الوطن العربي في اطار رؤيته العالمية التي من ابرز ماتضمنت(3):
1-اعتبار النطاق الجغرافي الذي يغطيه حلف الشمال الاطلسي لايساير الحقائق الاستراتيجية والسياسة الحالية والذي يقتصر عن أمن المحيط الشمالي فقط .
2-انتقاد قرارات مجلس الحلف والتي تصدر بالاجماع كما انتقدت القيادة الامريكية للحلف ولذلك رأت فرنسا بضرورة احداث قيادة ثلاثية داخل منظمة تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا .
3-ضرورة اتباع نوع من اللا مركزية في السياسة التي تتبع داخل المعسكر الغربي وان يقتصر أي قرار يتعلق باوروبا الغربية ينبغي ان ينال موافقة فرنسا.
وبقيادتها وفي خارج اوروبا ضرورة التشاور معها وموافقتها على القرار مع اعفائها من مسئولية التنفيذ.
4-عملت الاستراتيجية الديغولية على التكيف مع التحولات التي بدأت تنتاب المجتمع الروسي طيلة الخمسينات والمتجلية بالخصوص في رياح التحرر التي هبت على العالم وأدت الى تحرر دول جديدة كانت خاضعة للهيمنة الاستعمارية وحاولت تشكيل قوة جديدة عبرت عن نفسها من خلال مؤتمر باندونغ ابريل عام 1955م بواسطة دول عدم الانحياز.
5-اعادة صياغة أشكال العلاقة بين فرنسا ومستعمراتها السابقة بشكل يضمن استمرارية الهيمنة الفرنسية ولاسيما في افريقيا التي تصر فرنسا على وضعها في منطقة نفوذها بحكم ارتباطاتها الاستعمارية التقليدية معها وكذلك البحث عن منافذ جديدة في العالم الثالث للقيام بدور قيادي والضغط على الولايات المتحدة في مناطق داخلة في اطار نفوذها كما هو الشأن في امريكا اللاتينية.
6-باشرت السياسة الديغولية في اعادة تركيب سياستها ازاء الوطن العربي والتي كانت تعيش اقصى حالات التدهور والانحدار والتي تمثلت من خلال الاعتداء الثلاثي على مصر الى جانب بريطانيا واسرائيل، حيث وضع ديغول حد لبعض مظاهر التعاون المبالغ فيها على الصعيد العسكري مع اسرائيل منذ الاعتداء على السويس وكذلك تم توقيف المساعدات الفرنسية لبناء مفاعل (ديمونة النووي الاسرائيلي ).
وعززت فرنسا موقفها الحيادي خلال حرب 1967م وذلك عندما قررت فرض حظر على الاسلحة الموجهة الى سبع دول في المنطقة وهي: (اسرائيل، مصر، سوريا، الاردن، العراق، السعودية، الكويت)(4).
وتمحور الموقف الفرنسي اللاحق لنشوب الحرب العربية الاسرائيلية على محورين يصبان في مجرى واحد وهو البحث عن السلام في المنطقة من خلال :
-تعميق السلوك الحيادي والمناهض للعدوان الاسرائيلي من خلال مصلحة فرنسا شجبها وادانتها الانتقامية لاسرائيل .
-تجديد انتقادها للدول الكبرى لعجزها الواضح عن التوصل الى اتفاق يمكن تطبيق القرار الصادر من مجلس الأمن رقم 242 .
* ثانيا: استراتيجية الهيمنة والاحتكارات :
ان سياسة الحضور المتميز لفرنسا في المنطقة العربية لم تملها اعتبارات سياسية فقط بل فرضتها كذلك ضرورة توطيد المصالح المكثفة مع المنطقة وفتح مجالات جديدة امام الرأسمالية الفرنسية وقد تمثلت هذه الاستراتيجية فيما يلي(5):
- مصالح تقليدية مع المغرب العربي: حيث ارتكزت بنية العلاقات بين فرنسا والمغرب العربي على عنصرين اساسيين ومتداخلين، يتعلق الاول بالمساهمة الفرنسية من اجل تقديم العون لبلدان المنطقة خلال الفترة الاولى للاستقلال.
-العلاقات الاقتصادية وعلى رأسها المبادلات التجارية بين الطرفين والتي اتسمت بالعلاقات
اللا متكافئة وقد تمثلت تلك السياسية في تدعيم المصالح الفرنسية في المنطقة وتوسيع التعامل الاقتصادي الفرنسي مع بلدان الخليج وذلك من خلال البحث عن شروط ملائمة تسمح للاحتكارات الفرنسية بالتسرب الى اسواق المنطقة وقد انعكس ذلك بوضوح من خلال ارتفاع بنية المبادلات الفرنسية مع دول المنطقة من الصادرات والواردات والذي يأتي النفط على رأس هذه المبادلات.
* استـراتيجية ما بعد ديغول (الاستمرارية):
على الرغم من اعتقاد الكثيرين بأن التوجهات الفرنسية ازاء الوطن العربي سيتبدل لا محالة ازاء اختفاء ديغول لانهاء اراء شخصية الا انها استطاعت ان تتماشى مع الواقع الفرنسي حيث ادرك خلفاء ديغول صعوبة تعديل سياسته لاسيما تجاه كثير من المستجدات ومنهم على الاخص اليساريين والذين حاربوا دون هوادة الممارسة الديغولية ولهذا شهدت السياسة الفرنسية على موقفين أو نموذجين هما(6):
-أولاً: الاستمرارية في ظل المنظومة السياسية للديغولية والتي مثلها الرئيس الفرنسي اليميني جورج بومبيدو تجاه المنطقة العربية والتي اتسمت بما يلي :
1-محاولة تأطير تحركه في تدعيم السياسة الديغولية بما يناسب والقدرات الحقيقية للرأسمالية الفرنسية تجاه المنطقة العربية ضمن الاستراتيجية الشاملة إلا أنها تقاطعت مع طموحاتها المتوسطية وتردد الرأسمالية الفرنسية في تبني استراتيجية مستقلة تدخلها في منافسة حاسمة مع الرأسمالية الامريكية ولذلك تبني نهج سياسة تعتمد اكثر على تحقيق الفعالية الاقتصادية يوازي امكانيات الرأسمالية الفرنسية من خلال اتخاذ خطوات عدة مثل: اعادة تطبيع العلاقات مع المغرب، ابرام الاتفاق بين شركة ايلف ايراب (1969م) والعراق لتزويد فرنسا بجزء من احتياجاتها النفطية، تزويد ليبيا في يناير 1970م عقب ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969م بمائة طائرة ميراج وذلك لاعتبارات سياسية واقتصادية .
2- الدور الفرنسي في حرب اكتوبر 1973م تجاه الوطن العربي: كونت حرب اكتوبر نقطة تحول بارزة ليس على الصراع العربي الاسرائيلي ولكن في مسار النظام العالمي برمته وانعكست نتائجها على العلاقات الرأسمالية وقد اصطبغ السلوك الفرنسي بخصائص من ابرزها :
-الانشغال بضمان مركز فرنسا من خلال التقرب من البلدان العربية المنتجة للنفط واستيعاب التطورات التي استجدت على الساحة في تعاملها مع النزاع العربي الاسرائيلي.
-اشراك حلفائها الأوروبيين في مسلسل البحث عن سياسة مستقلة فاعلة .
-تدعيم المصالح الفرنسية بشكل مستقل وقد ادت هذه السياسة الى حدوث خلافات مع واشنطن من خلال كيفية التعامل مع ازمة الطاقة والتي صنفت ضمن اصدقاء العرب اثناء ازمة الحظر النفطي .
-اعتراف فرنسا بحق الشعب الفلسطيني في ان يكون له وطن كما تحفظت على معاهدة كامب ديفيد لانها في نظرها لن تسوي جوهر القضية الفلسطينية.
كان الدور الاوروبي وبخاصة خلال حرب اكتوبر 1973م موقف المتفرج غير ان قرار الدول العربية بحظر النفط عن هولندا والتصريح الذي ادلى به الرئيس الفرنسي بومبيدو والذي انتقد فيه القصور الجماعي ودعا الى ضرورة مساهمة اوروبا في المشاكل العالمية فقد عقدت الدول التسع اجتماعا في بروكسل تمخض عنه صدور بيان حول الشرق الاوسط في 6 نوفمبر 1973م والذي ادرك الاتحاد الاوروبي في ذلك الوقت ابعاد الصراع في المنطقة فقد اوصى البيان بتنفيذ قراري مجلس الامن(242)و(338) وطالب بضرورة ارجاع اسرائيل للاراضي العربية التي احتلتها في عام 1967م.
وتم التعبير عن هذه السياسة الاوروبية في المجال الاقتصادي من خلال الحوار العربي الاوروبي وفي المجال السياسي كذلك بواسطة سلسلة من المواقف الموحدة ازاء الشرق الاوسط وجوانبها المختلفة والتي لم ترتق الى لعب دور اساسي حتى عام 1979م حين طالبت بالانسحاب الاسرائيلي من الاراضي العربية المحتلة -الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني -اشراك منظمة التحرير الفلسطينية كطرف في كل الجهود الدولية من اجل السلام -حق الشعب الفلسطيني في اقامة وطن له.
وبشكل عام انطلقت فرنسا ازاء الصراع العربي الاسرائيلي من خلال محورين اولهما التحركات الفرنسية المنفردة والثاني البعد الاوروبى فى الإستراتيجية الفرنسية.
* التحركات المنفردة:
كان الحضور الفعال والمهيمن للولايات المتحدة خاصة بعد حرب اكتوبر 1973م على تطورات الصراع العربي الاسرائيلي يبرز الدور المتنامي لها واحتكارها في كثير من الاحيان لوسائل الحل في المنطقة الى حد تهميش باقي القوى بما فيها الاتحاد السوفيتي السابق وفي مقابل ذلك سعت فرنسا جاهدة الى رفض التهميش غير انه في غيبة الوسائل والامكانيات فقد اقتصرت على سياسة (قبض العصا من الوسط) مكتفية في مناسبات متعددة على التعبير عن مواقف مبدئية رغم تطورها النسبي فانها لم ترتق الى مستوى الفعل والتحرك النشط ومن ثم فقد برزت في اغلب الاحيان كسياسة ارتكازية تفتقد قوة الدفع والمبادرة ولا تتناقض شكل جوهري مع الاستراتيجية المهيمنة للولايات المتحدة
ويمكن ان يتضح ذلك من خلال قراءة الموقف الفرنسي عبر المحطات الاساسية التي عرفتها ازمة الشرق الاوسط بدءاً بحرب يونيو 1967م وانتهاء بالعدوان الاسرائيلي على لبنان .
يمكن القول ان السياسة الفرنسية وان كانت قد طورت مواقفها بشكل ايجابي ازاء الصراع العربي الاسرائيلي فانها لم تختلف في ممارستها وجوهرها عن الممارسة الامريكية فتحركها الدبلوماسي البطيء استهدف بالدرجة الاولى حماية مصالحها ويتضح ذلك من خلال تركيز علاقاتها مع بلدان الخليج التي تملك ثروات مهمة حيث اتسمت بالبرود الى حد التدهور مع البلدان التي عارضت بشكل ما الاجتياح الامريكي او عارضت المنظور الفرنسي نفسه كسوريا ولبنان هذا السلوك يعني ان فرنسا حاولت تبنى نوع من التوازن الصعب يمكنها في حماية مصالحها وتأكيد موقعها في المنطقة دون طرح استراتيجية بديلة حيث اكدت مخلفات العدوان الاسرائيلي على لبنان عجز فرنسا في التأثير على مجرى الاحداث ولم تستطيع وقف العمليات العسكرية .
* البعد الاوروبى فى الإستراتيجية الفرنسية تجاه المنطقة العربية:
عملت فرنسا بشكل مكثف منذ حرب اكتوبر 1973م على تجنيد حلفائها الاوروبيين من اجل تبني سياسة موحدة يمكن ان تجعل منها قوة ثالثة وقد نجحت نسبيا في ذلك الا ان الممارسة الاوروبية تجاه المنطقة عامة والصراع العربي الاسرائيلي خاصة ظلت محدودة ووقفت في المراحل الحرجة ولحظات الاختيار عاجزة عن التصرف كقوة مستقلة وقد اتضح ذلك خلال حرب اكتوبر 1973م والذي وضعها امام الاختبار بين التوجه الاطلسي او النهج الاستقلالي فقد انساقت مع الخيار الامريكي ونبذ الطرح الفرنسي(7).
ومن العوامل التي عطلت امكانية قيام مبادرة اوروبية ملموسة تجاه الصراع العربي الاسرائيلي صعود ريغان الى السلطة وتولي الاشتراكيين في فرنسا .
وباختصار فان فرنسا عبرت سواء في ممارستها الانفرادية ام من خلال حلفائها الاوروبيين عن عجز في التأثير في مجرى الاحداث وعن تباعد بين الخطاب والممارسة في بعض الاحيان تجاه الصراع العربي الاسرائيلي .
- ثانيا: اليسار الفرنسي 00 الاستمرارية في ظل التغيير :
اثار وصول اليسار الفرنسي الى السلطة نتيجة فوز مرشحه فرانسوا متيران في عام 1981م تساؤلات متعددة حول طبيعة السياسة الخارجية التي ستمارسها في تعاملها مع الوطن العربي وقضاياه المتشابكة والمعقدة وقد اتسمت
سياسية اليسار الفرنسى على النحو التالي(8):
-اعادة تنشيط العلاقات بوضوح مع العدو الاسرائيلي طبقا لمنظور اعادة موازنة هذه السياسة بشكل يسمح بان تكتسب صداقة الطرفين وتطبيقا لذلك امتنعت فرنسا عن التصويت لصالح المشروع والذي يقضي بفرض عقوبات على اسرائيل0
-فيما يخص الوطن العربي: حاول الاشتراكيين اعتناق سياسة (براغمانية) توفق بين المحافظة على الروابط التقليدية مع الانظمة العربية المعتدلة وتحسين علاقاتها في الوقت نفسه مع بعض الانظمة ذات التوجهات الاشتراكية وتطبيقاً لذلك:
الترحيب بمبادرة الملك فهد بن عبد العزيز للسلام في الشرق الاوسط عام 1980م، وتحسين العلاقات مع الجزائر .
* فرنسا والحرب العراقية الايرانية :
شكلت الصدفة الجغرافية (الطبيعية والاقتصادية) ان يتألف الخليج كمنطقة تنافس وتصارع بين القوى العظمى نظرا للموقع الجغرافي والعامل الاقتصادي النفطي وقد جاءت الحرب العراقية الايرانية لترفع من حيوية الخليج لتنتج بكل تفاعلاتها وخصوصياتها معطيات جديدة واسهمت في حالة اللا استقرار التي كان يعيشها النظام الاقليمي الخليجي وانعكاس ذلك على النظام الدولي(9).
وانطلاقا من هذا الوضع كان الموقف الفرنسي في بداية الحرب متوازنا مع الجانبين والمتمثل بدعوة الطرفين الى وقف الحرب ومطالبة الدولتين العظمتين بالتزام الحياد ازاء هذه الحرب غير ان المتغيرات الداخلية في ايران والمتمثلة في تغيير نظام الشاه وقضية الرهائن الامريكيين المحتجزين في ايران اظهرت ان المنظور الغربي الذي تعاملت به فرنسا مع تطورات الوضع في المنطقة وانجذابها نحو التضامن مع الولايات المتحدة مما جعل علاقاتها مع ايران تتدهور وتتأزم يوم بعد يوم وبالمقابل تطورت العلاقات العراقية الفرنسية نتيجة اعتبارات اقتصادية وتحقيق مصالح متباينة وقد استمرت السياسة الفرنسية المتوازنة تجاه العراق من عهد ديغول وحتى نهاية الحرب الباردة.
مما سبق يتضح ان السياسة الخارجية الفرنسية ازاء الوطن العربي خلال مرحلة الحر الباردة عانت من اشكالية اساسية تمثل جوهر الصراع الذي تعاني منه هذه السياسة والذي يتمظهر في جدلية الاستقلال والتبعية للمركز الامبريالي وكانت النتيجة ان فرنسا لم تفلح في بلورة سياسة مستقلة ومؤثرة حيث ظلت هذه الممارسة الفرنسية متواضعة ومتأرجحة بين نهج استقلالي فاعل ومؤثر وخضوع للاستراتيجية الامريكية .
كما اظهرت السياسة الفرنسية عن مدى التناقضات والمصاعب التي تصطدم بها الممارسة اليسارية للسلطة الغربية وخصوصا في المجال الخارجي والتي عجزت عن ابداع ما يمكن ان نسميه بالتجربة او النموذج غير ان مختلف المراحل التي مرت بها السياسة الفرنسية ازاء الوطن العربي ابرزت انها استفادت من التناقضات التي يتخبط فيها الوطن العربي والمتمثلة في حالات المد والجزر التي تميز وجوده مما دفع فرنسا واوروبا إلى مراجعة مواقفها بشكل ايجابي لصالح القضية العربية وقد ساعدها على ذلك تدهور الفعل العربي وقصور النظام العربي على تبني تصور موحد وواضح للقضايا التي يواجهها والتي مكن القوى الكبرى ومن بينها فرنسا على توسيع هامش مناورتها، أي أن القصور العربي وانعكاساته السلبية على الوطن العربي يدفعنا الى استنتاج وهو انه كان بالامكان دفع فرنسا الى نهج سياسة اكثر ايجابية لو ان الانظمة العربية التزمت الحد الادنى من التضامن والفعالية في تعاملها مع القضايا العربية .
ان مفهوم التوازن للسلوك الخارجي الفرنسي لا يعني التأرجح بين استراتيجية القوة الكبرى واستراتيجية التورط وانما هو في حالة فرنسا تعبير عن المصاعب التي تواجهها من اجل المواءمة بين مطامعها وامكانياتها او بمعنى اخر تشخيص العوامل المتحكمة في صنع السياسة الخارجية الفرنسية والتي يمكن تصنيفها الى عاملين : الاول داخلي والاخر خارجي :
- العامل الاول : الامكانيات الداخلية المحدودة : ويتمثل ذلك في القدرات الذاتية الفرنسية لممارسة سياسة عالمية فعالة والتي تعتبر انعكاسا للسياسة الخارجية وذلك لمعرفة دور القدرات الذاتية والمتمثلة في :
-قدرة اقتصادية ضعيفة ويتضح ذلك من خلال التبعية الطاقوية والذي قلص هامش الاستقلال الفرنسي بالاضافة الى مجالات اخرى اهمها البطالة وعجز ميزان التجارة الخارجية .
-غياب التوافق الداخلي بين الاتجاه الرسمي والاتجاه الوجداني (الرأي العام الفرنسي والحزبي المناهض للسياسة الرسمية).
- العامل الثاني: مرغمات خارجية: يندرج السلوك الخارجي الفرنسي ضمن رؤية متكاملة استهدفت تغيير قواعد الممارسة الدولية في النظام الدولي ضمن السياسة الديغولية لفكرة الاستقلال الوطني عن القوتين العظميتين حيث تأثرت تلك الرؤية بثلاثة عوامل وهي الهيمنة الامريكية وعجز الحلفاء الاوروبيين بالاضافة الى الواقع العربي نفسه .
* المحور الثلاثى والدور الفرنسى (مرحلة مابعد الحرب الباردة)
اثر انتهاء الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفيتي وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة على رأس نظام دولي جديد ذي قطب واحد، ظلت القوى الدولية الاخرى وعلى رأسها فرنسا تبدو راضية بهذا النظام إلا أن هذا الموقف تحول، وعندما عقد قادة فرنسا وروسيا والمانيا اجتماعا يوم 26 مارس 1998م في العاصمة الروسية موسكو، كانت القمة بمثابة بداية التحول حسب رأي بعض الخبراء في ترتيب البيت الاوروبي سياسيا من خلال اطرافه بعيدا عن مظلة وهيمنة الولايات المتحدة وايضا حجر البداية والاساس في التفكير في كسر سيطرة الولايات المتحدة بمفردها على امور وقضايا السياسة الدولية مما اضر بمصالح وعلاقات الدول الثلاث الخارجية(10).
كما كان من ابرز التحديات الخارجية التي تواجه المحور الثلاثي هي الهيمنة الممقوتة للولايات المتحدة على امور السياسة العالمية والتي لا تترك الا دورا هامشيا لهم، وكانت أبرز مناطق الهيمنة الامريكية :
1-ايران: من خلال حصارها دوليا وتحجيم علاقات القوى الاوروبية وروسيا بها سواء اقتصاديا او سياسيا عبر فرضها قيودا اقتصادية على التعامل معها قانون اداماتو .
2-الشرق الاوسط : تحجيم قدرات العراق والصراع العربي الاسرائيلي
3-افريقيا: سعت واشنطن الى تقويض مكانة دور كل من فرنسا وروسيا في الشؤون الافريقية.
الازمة العراقية و التصور الفرنسي للنظام العالمي الجديد(11):
بنت فرنسا تصورها للنظام الدولي الجديد على احترام القانون الدولي والعمل في إطار الأمم المتحدة وفض المنازعات سلمياً وضرورة بناء نظام متعدد الأقطاب، ليس فقط لكبح جماح الانفرادية الأميركية بل لإرساء قواعد تعامل دولي يطبقها الجميع. هذا طبعاًً لا يعني أن موقف فرنسا لا تحكمه اعتبارات مصلحية، فخلف الأزمة في العراق ترتسم ملامح النظام العالمي المقبل، وفرنسا تبدو أنها تعي المسألة جيداً. لفرنسا مصالح إستراتيجية وترى في الأزمة العراقية وسيلة للتأكيد عليها، فهي تسعى لبناء الدفاع الأوروبي لضمان استقلالية أمنية عن أميركا.
ولفرنسا مواقع اقتصادية في المنطقة (منها استثمارات في العراق) لا تريد المجازفة بها ولا المشاركة في حرب لن تعود عليها بفوائد، فهي تتذكر استحواذ أميركا على عقود البناء والتسلح في الخليج بعد حرب عام 1991. ثم إنها تتخوف من الانعكاسات السلبية -خاصة ما يتعلق بالطاقة- للحرب على اقتصادها المنهك.
كما تتخوف فرنسا أيضاً من صراع ديني وتسعى لتهدئة الوضع والحيلولة دون أي انزلاق من شأنه تهديد الاستقرار الاجتماعي في فرنسا التي يعيش فيها خمسة ملايين مسلم و700 ألف يهودي.
غير أن فرنسا ورغم معارضتها للحرب وفي إطار تقاسم الأدوار بين الحلفاء الغربيين ورغم الخلاف تساهم ولو عن بعد في أجواء الحرب مبقية على (شعرة معاوية)، فقد قررت إرسال فريق إلى قطر (طبقاً لاتفاق الدفاع بينهما) متخصص في إزالة التلوث النووي والكيميائي والبيولوجي لحماية قطر تحسباً لقصف عراقي. أهمية هذا القرار هو أنه يخص بلداً يحتضن مقر قيادة العمليات العسكرية الأميركية ضد العراق. كما اقترحت فرنسا تزويد تركيا بمعدات لحمايتها في حال هجوم عراقي غير تقليدي. وجاء هذا الاقتراح غداة التزام دول الأطلسي الدفاع على تركيا في حال تعرضها لهجوم. كما أعلنت أنها ستساعد أميركا وبريطانيا إن استخدم العراق أسلحة كيماوية أو بيولوجية ضد قواتهما.
يبقى القول بان الموقف الفرنسي مرهوناً بتطورات الحرب ميدانياً وبرد فعل العراق وبمساومات ما بعد الحرب. ستراجع موقفها ففرنسا تدرك أن معسكر الحرب بحاجة إلى أوروبا ليس فقط لبناء العراق ولكن لشرعنة الحرب بعد وقف القتال، عبر تدويل إعادة البناء والعون الإنساني وتقاسم أعباء الحرب، وتعي فرنسا مغزى المناورات الأميركية البريطانية في هذا المجال، فقد اعتبر شيراك أنه مهما تكن النتائج فإنه يتعين أن تتولى الأمم المتحدة إدارة عملية إعادة البناء. كما صرح أن (فرنسا لن تقبل قراراً ينحو نحو شرعنة التدخل العسكري) ومنح الأميركيين والبريطانيين (سلطات إدارة العراق)، وهي أيضا ترفض إقامة محمية أميركية بريطانية في العراق وتصر على (أن يبقى العراق للعراقيين)، كما تصر فرنسا على عودة الملف العراقي إلى الأمم المتحدة.
وتدرك باريس أنه يصعب على واشنطن معاقبة فرنسا لأن ذلك سيتسبب في حرب اقتصادية بين أوروبا وأميركا(12).
* الهوامش:
1. السياسه الخارجيه الفرنسيه ازاء الوطن العربى منذ عام 1967م-الدكتور بو قنطار الحسان-بيروت- ابريل 1987م.
2. نفس المصدر-صفحة (9).
3. نفس المصدر-صفحة (25).
4. نفس المصدر-صفحة (30)
5. السياسيه الدوليه-مستقبل التعاون الفرنسى الالمانى-العدد (133)، اكتوبر1998م صفحة (203).
6. السياسه الخارجيه الفرنسيه ازاء الوطن العربى، مصدر سابق، صفحة (40).
7. نفس المصدر، صفحة (119).
8. نفس المصدر، صفحة (153).
9. نفس المصدر، صفحة (200).
10. رضا محمد هلال، السياسه الدوليه العدد (133) مستقبل التعاون الفرنسى الالمانى.
11. عبد النور عنتر -باحث عربى مقيم فى فرنسا/الجزيره نت0
12. نفس المصدر. مركز البحوث والمعلومات/
قراءات سياسية(العدد10 ابريل2003)
|