|
القمة العربية والتحديات الراهنة 0 [19/يونيو/2003] كتب/ مجيب الرحمن عبيد
جاء انعقاد القمة العربية الخامسة عشرة في الأول من مارس 2003 في منتجع شرم الشيخ في ظل الظروف والاوضاع العربية المحبطة الناتجة عن الانقسامات العربية وغياب الرؤية الواضحة لأسس العمل العربي المشترك، وهو الأمر الذي أظهر عجز الشارع العربي في مجابهة التحديات التي باتت تهدد الأمن العربي والمتمثلة في المحاولات المستمرة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها لإعادة تشكيل المنطقة العربية وفق رؤية أمريكية جديدة وتحت غطاء الحرب على الارهاب وتطبيق قرارات الشرعية الدولية فيما يتعلق بنزع أسلحة الدمار الشامل والعمل على نشر قيم العدالة والحرية ولديمقراطية بنقلها من العالم المتحضر إلى الدول الأقل تمدناً والأكثر تخلفاً، وسواء حدث كل ذلك في اطار الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية أم لم يحدث، فالأمر في نظر الولايات المتحدة الأمريكية لم يعد ذا أهمية بالغة طالما كانت الأهمية في السياسة الأمريكية تكمن في إعطاء الأولوية لتحقيق المصالح الحيوية والاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة بطرق شرعية وأخرى غير شرعية وذلك لضمان الحفاظ على حالة التفوق الأمريكي على العالم في ظل ما عرف بالنظام العالمي الجديد، ناهيك عما يقوم به الكيان الصهيوني من قتل وسلب وتشريد ضد أبناء الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية مستغلاً في ذلك انشغال العالم بحربه الجديدة على ما أسمته الولايات المتحدة بالارهاب.
ولذلك فقد تركزت الأنظار وتعلقت الآمال كثيراً على هذه القمة للخروج من المأزق العربي باعتبارها (قمة الأمل العربي) أو كما يصفها البعض (قمة اللحظة الأخيرة) أو (القمة المصيرية)..، وذلك على المستويين العربي والدولي، فعلى المستوى العربي فقد كان تفاعل الشارع العربي مع القمة العربية ومقرراتها أكبر من أي وقت مضى رغم الانقسام الذي ساد الموقف العربي نتيجة للتأييد الذي أبدته عدد من الدول العربية للعدوان الأمريكي على العراق، أما على المستوى الدولي فان انعقاد القمة وتحديد الموقف العربي بصورة رسمية وواضحة كان أمراً مطلوباً من جميع الأطراف الدولية المناهضة للحرب على العراق والمؤيدة للحلول السلمية والدبلوماسية وللعمل في إطار مجلس الأمن وقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها كل من فرنسا والمانيا وروسيا والصين.
وعلى الرغم من وجود بعض السلبيات التي اكتنفت أداء القمة العربية، والتي جعلت الآمال العربية تتأرجح بين ايجابيات القمة وسلبياتها، الا ان انعقاد القمة في تلك الظروف قد صب في مصلحة العمل العربي المشترك وتوحيد الموقفين العربي والاوروبي لمواجهة التحديات الراهنة.
* أجواء انعقاد القمة العربية
ان قراءة الموقف العربي الذي سبق انعقاد القمة العربية تؤكد بما لا يدع مجال للشك بأن الفاعلية العربية وصلت إلى أدنى مستوياتها، فقد يبدو العالم العربي من حيث الشكل بأنه لا يزال قوة سياسية واقتصادية وعسكرية يمكن تحريكها، الا أنه من الناحية العملية قد فقد إرادة الصمود واصابته حالة انسحاب وانكماش قطري وتفككت قدرته على الفعل، وان كان لا يزال بوسعه ان يعقد اجتماعاً وان يتخذ قرارات تبدو في ظاهرها عنوانا على كائن حي قوي ولكن إرادة التنفيذ أو حتى الوعي في الربط بين صياغة هذه القرارات والقدرة على تنفيذها تبدو مفقودة، ويمكن حصر خصائص الحالة العربية التي سبقت انعقاد القمة في:
- أولاً: شيوع حالة عامة من العجز العربي وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2000م سواء عن مواجهة اسرائيل والولايات المتحدة أو عدم القدرة على العثور على حلول عملية للخروج من المأزق العربي والتدني الذي وصلت إليه الاوضاع العربية على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والاجتماعية.
- ثانياًً: اتجاه المواقف العربية إلى المهادنة وفي بعض الأوقات إلى التخلي والصمت دون تحريك أي ساكن رغم المخاطر التي تهدد الوضع القانوني للنظام العربي، ومن ذلك على سبيل المثال صدور قانون الكونجرس في 28/9/2002م القاضي باعتبار القدس من وجهة النظر الأمريكية عاصمة اسرائيل الأبدية، مما يفتح الباب أمام فرصة افتتاح السفارة الأمريكية في القدس الشرقية، ورغم ان هذا الموقف يعد أكبر تحد للوضع القانوني للقدس منذ قيام اسرائيل إلا ان العالم العربي لم يعلق على الموقف ولم يندد به أو يحتج عليه رغم مجافاته الواضحة لمركز القدس في إطار الأمم المتحدة(1).
- ثالثاً: بروز حالة التبعية المطلقة في السياسة الخارجية للعدد من الدول العربية، وهي الحالة التي بدأت معالمها بالظهور منذ الحرب العالمية الثانية، وبحيث أصبحت قرارات ومواقف هذه الدول مرتبطة بقرارات ومواقف الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.
- رابعاً: تعددية السياسات العربية تجاه التهديدات الأمريكية للعراق، بحيث يمكن للمتبع لمواقف الدول العربية من هذه التهديدات، ملاحظة انقسام الموقف العربي إلى ثلاثة مواقف رئيسية:
ـ الموقف الأول: يعارض بشدة توجيه أي ضربة عسكرية جديدة للعراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها ويرى بأن التهديدات الأمريكية للعراق انما تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي باعتبار أمن العراق جزأ لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.
ويؤكد هذا الموقف في تعامله مع الأزمة الراهنة على وحدة الصف العربي بهدف بلورة موقف عربي موحد والخروج بصيغة مشتركة لقرار عربي موحد تجاه التهديدات الأمريكية انطلاقاً من الاحساس بوحدة الخطر، ومن الواجب القومي والمسئولية العربية، كما يؤيد هذا الموقف إتاحة الفرص للعمل الدبلوماسي ونبذ العنف وعدم اللجوء إلى منطق القوة العسكرية، ويرفض بصورة قاطعة أي تدخلات أجنبية لتغيير أنظمة الحكم العربي.
ـ الموقف الثاني: يؤيد بشدة توجيه ضربة عسكرية للعراق والاطاحة الكاملة بنظام الحكم العراقي وذلك من منطلق الأمن الوطني للدول التي تمثل هذا الموقف وليس من منطلق الأمن القومي العربي كمنظومة واحدة مكتملة لا تقبل التجزئة، وذلك بالنظر إلى ما يمثله النظام في العراق من تهديد للأمن الداخلي لهذه الدول بما يملكه من قدرات عسكرية وتكنولوجية عالية الفعالية تعادل اضعاف ما تملكه دول هذا الموقف مجتمعة.
ويستدل هذا الموقف في ذلك على العدوان العراقي الذي لحق بالكويت عام 1990م والذي قضى على ما تبقى من روح في الجسد العربي العليل.
ولذلك فان هذا الموقف يتجه إلى تقديم كافة التسهيلات العسكرية والمعونات المادية لصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها بهدف القضاء على قوة العراق وقدراته العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية وذلك دون النظر إلى عواقب مثل هذا العدوان على منظومة العمل العربي المشترك والأمن القومي لكافة الدول العربية وغيرها من دول المنطقة .
ـ الموقف الثالث: يتوسط الموقفين السابقين من زاوية أن هذا الموقف يؤيد العمل العربي المشترك والحفاظ على منظومة الأمن القومي العربي وعدم السماح بتدخل أي قوى أجنبية في العلاقات العربية ـ العربية ولكنه في الوقت ذاته يؤيد نزع أسلحة العراق في إطار البيت العربي والجهود العربية وتفويت الفرصة على أي قوى أجنبية تحاول التدخل في الشؤون العربية لتحقيق مصالح إستراتيجية واسعة في المنطقة العربية، كما تتجه بعض من دول هذا الموقف إلى طرح بدائل وخيارات جديدة لحل الأزمة الراهنة، ومن بين تلك البدائل استقالة النظام الحاكم في العراق وتسليم السلطة إلى الشعب كحل يرضي جميع الأطراف في الداخل والخارج ويكون من شأنه حل الأزمة سلمياً والحفاظ على وحدة البيت العربي وأمنه القومي .
أما فيما يخص الأجواء الدولية التي سبقت انعقاد القمة العربية في شرم الشيخ فيمكن حصرها في اتجاهين متعاكسين:
- الأول: اتجاه الدول الأوروبية المتمثلة في فرنسا والمانيا وروسيا وبلجيكا بالاضافة إلى جمهورية الصين الشعبية إلى تهدئة الأزمة العراقية ودعوة كافة الأطراف الدولية إلى الالتزام بالعمل الدبلوماسي والحل السلمي والعمل من خلال مجلس الأمن الدولي وفي إطار المنظمة الدولية وقرارات الشرعية الدولية وعدم الخروج عنها تحت أي غطاء أو مبررات، واعطاء الوقت الكافي لفرق التفتيش الدولية لاستكمال أعمالها طالما وقد تعاون العراق بشكل كبير مع فريق المفتشين الدوليين.
واذا كان هذا هو الموقف الأوروبي الرسمي، فان الموقف الشعبي الأوروبي المعارض توجيه أي ضربة عسكرية للعراق كان أكبر بكثير من الموقف الرسمي وربما كاد الموقف الشعبي لهذه الدول ان يطغى على مواقفها الرسمية، ولذلك فقد مثل انعقاد القمة العربية دعماًً قوياً للموقف الأوروبي الذي أظهر نوعاً من التعاطف للقضايا العربية وحاول للمرة الأولى الخروج عن مظلة الهيمنة الأمريكية والصهيونية.
- الثاني: النشاط المكثف للدبلوماسية الأمريكية والتحرك النشط باتجاه الدول غير الدائمة العضوية في مجلس الأمن وخصوصاً الدول الأفريقية الثلاث وتشيلي والمكسيك وباكستان لحملها على التصويت لصالح مشروع القرار الأمريكي الجديد الذي يجيز استخدام القوة العسكرية ضد العراق.
ولذلك فقد تضمن جدول الأعمال للقمة العربية الخامسة عشرة المنعقدة في منتجع شرم الشيخ بجمهورية مصر العربية بتاريخ 1مارس 2003م ما يلي(2):
1ـ التهديدات الخطيرة التي يتعرض لها العراق وما يتهدد الدول العربية من مخاطر واحتمال تطورات الموقف إلى مواجهة عسكرية وتداعياتها الخطيرة على المنطقة وعلى الأمن القومي العربي.
2ـ الحالة بين العراق والكويت.
3ـ الصراع العربي الاسرائيلي وتطورات القضية الفلسطينية واستمرار وتصاعد الاعتداءات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وتأثيرها على السلام والأمن والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط .
4ـ دعم جمهورية الصومال.
5ـ الاستماع إلى تقرير الأمين العام عن العمل العربي المشترك وتقرير لجنة المتابعة والتحرك المنبثقة عن القمة السابقة.
* نتائج القمة العربية :
لقد نجحت القمة العربية رغم اجواء الانقسامات التي سبقت انعقادها وبرزت بشكل أكبر أثناء الانعقاد، في التوصل إلى نقاط محورية لا يختلف عليها اثنان في بيانها الختامي، الا ان هذه القمة وعلى الرغم مما تحقق لها من نجاحات لم تصل على أي حال إلى سقف الطموحات العربية، كما لم تخلو كغيرها من القمم العربية من السلبيات وأوجه القصور المختلفة، ولذلك فسوف يتم التطرق إلى نتائج القمة من ناحتين، الأولى وتتمثل في النواحي الايجابية للقمة والثانية وتتمثل في النواحي السلبية لهذه القمة.
أولاً : ايجابيات القمة :
1ـ ان هذه القمة عقدت في ظروف كانت تراهن على استحالة انعقادها في ظل الإحباطات العربية بعدم المشاركة والظروف التي سبقت انعقادها(3).
2ـ ان البيان الختامي لهذه القمة قد شدد على الرفض المطلق لضرب العراق ومساندة الجهود الدولية الهادفة لتجنب الحرب وإعطاء المفتشين المهلة اللازمة لاتمام المهام الموكلة اليهم.
3ـ رفض هذه القمة لأية محاولات خارجية بالتدخل لتغيير نظام حكم قائم في أية دولة عربية باعتبار ان الشعوب العربية هي وحدها صاحبة الحق في تقرير شؤونها على المستوين الداخلي والخارجي.
4ـ انبثاق لجنة عن تلك القمة فتحت عضويتها لجميع الدول الراغبة في الانضمام إلى أعمالها بهدف اطلاع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي والاتحاد الاوروبي بحقيقة الموقف العربي وأبعاده المختلفة، ومحاولة التنسيق بين المواقف العربية ومختلف القوى الدولية الرافضة لتوجيه أية ضربة عسكرية للعراق.
5ـ اعراب القمة عن التضامن مع الشعب العراقي في معاناته الطويلة، ومطالبتها برفع العقوبات عن العراق.
6ـ تجديد هذه القمة للالتزام العربي بتقديم الدعم المالي لموازنة السلطة الوطنية الفلسطينية لستة أشهر قادمة، وادانتها للممارسات الصهيونية بحق أبناء الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية.
7ـ تأكيد هذه القمة على وحدة وسيادة جمهورية الصومال وسلامتها الاقليمية، ودعوة الفصائل الصومالية إلى وضع مصلحة بلدهم فوق كل اعتبار، وحل خلافاتهم بالطرق السلمية.
ثانياً : سلبيات القمة :
1ـ إن هذه القمة رغم تأكيدها على رفض الحرب على العراق، إلا أنها لم تحدد الآليات الكفيلة بتنفيذ هذه التعهدات وايقاف العدوان المحتمل على العراق.
2ـ ان هذه القمة لم تفصل في مسألة الانسحاب الليبي من الجامعة العربية ، بل أدت على العكس من ذلك ارتفاع المطالبة الليبية بالانسحاب بعد جو الانقسام الذي ساد أعمال القمة .
3ـ كما ان هذه القمة تجاهلت إلى حد بعيد ميثاق الدفاع العربي المشترك في ظل وجود أخطار تهدد السيادة والأمن العربي أكثر من أي وقت مضى.
4ـ ان هذه القمة لم تعترض رسمياً على الانحياز الأمريكي الكامل لاسرائيل.
الهوامش
1. صحيفة البيان الاماراتية ، مكتب البيان ، العدد 165 .
2. البيان الختامي للقمة العربية ، موقع الجامعة العربية على الانترنت.
3. فتحي البرادعي، صحيفة الأهرام ، العدد 42455 مركز البحوث والمعلومات /
قراءات سياسية (العدد9 مارس 2003)
|