ابحث عن:
محلي
تقارير وحوارات
اقتصاد
رياضة
آخر تحديث: الجمعة، 09 - يناير - 2009 الساعة 11:45:31ص
هيئة الأركان تحث أفراد القوات المسلحة والأمن على التأهب والأستعداد الدائم
حث رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن أحمد على الاشول , منتسبي القوات المسلحة والأمن على التأهب والاستعداد الدائم والحفاظ على الجاهزية القتالية والأمنية والمعنوية، داعيا اياهم الى اليقظة والحذر من المتربصين بالوطن ومنجزاته ومكاسبه العظيمة.
راصع: لا تواجد لخفر السواحل في الجزر اليمنية
تمتلك اليمن شريط ساحلي واسع يبلغ طوله اكثر من 2500كم يمتد من حدود عمان شرقا الى ميدي على حدود المملكة العربية السعودية غربا،ويشرف على اهم ممر دولي للتجارة العالمية.. هذا الامتداد بقدر ما مثل ثروة وميزة بحرية لليمن
خطة استراتيجية للهيئة اليمنية للمواصفات بعد انضمامها لهيئة التقييس الخليجية
اقرت الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس خطة استرتيجية جديدة للعام 2009م تلبي تنفيذ اهداف وسياسات وتوجهات الحكومة ومواكبة انضمامها الى هيئة التقييس الخليجية. وتضمنت الخطة التي اقرتها الهيئة في اللقاء
6/ صفر خسارة قاسية للمنتخب الأول من نظيره السعودي في خليجي 19
تلقى المنتخب الوطني الأول لكرة القدم خسارة قاسية في لقائه الثاني ضمن منافسات المجموعة الثانية في بطولة الخليج الـ 19 المقامة حاليا في مسقط من نظيره السعودي بستة أهداف دون مقابل.
آخر الأخبار:
الجهاد الإسلامي : قرار مجلس الأمن ساوى بين الجلاد والضحية
150 خبيرا يبحثون تطورات الأزمة المالية العالمية في دبي
الثورة.. قرار مجلس الامن يحمل مساحيق لتجميل الوجه القبيح لاسرائيل
حماس ترفض تعليق الاونروا عملياتها في قطاع غزة
اسم المستخدم: كلمة المرور:
  وكالة الأنباء اليمنية سبأ
الحروب الامريكية خلال النظام العالمي الجديد0
[19/يونيو/2003] كتب/ فاتك الرديني
تقوم الولايات المتحدة الامريكية حالياً بحشد قواتها العسكرية في منطقة الخليج العربي استعداداً لتوجيه ضربة عسكرية محتملة ضد العراق في حملتها الدولية ضد ما تسميه حربها الشاملة على الارهاب، وهي الصيغة الجديدة التي تبناها الخطاب الامريكي بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، والتي تبعها اعلان الحرب على افغانستان في الـ7 من اكتوبر من نفس العام.
واليوم تدور رحى الحرب وتدق طبولها من جديد لكن ليس في افغانستان هذه المرة بل في العراق وهي واحدة من الدول التي صنفتها الولايات المتحدة من الدول الراعية للارهاب او كما غلبت التسمية في الوسائل الاعلامية محور الشر بالاضافة الى كوريا الشمالية، وايران والذين يهددون السلام العالمي، وبغض النظر عن الاهداف والتسميات التي اطلقتها وتطلقها الولايات المتحدة على الحروب التي تشنها على الدول التي ترى فيها امريكا انه ارهابية او راعية للارهاب او محور للشر فإن هناك ما يدعو للتساؤل من خلال الحيثيات التي تضعها الولايات المتحدة هو معرفة السبب الذي من اجله تحارب امريكا، او باسلوب آخر هو لماذا تحارب امريكا؟ ولكي يتسنى لنا معرفة السبب الحقيقي الذي تحارب امريكا من اجله يستوجب علينا التعرف عن قرب على الحروب التي خاضتهاً.. وما الدافع الذي من اجله تحارب امريكا.. خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وبروز القطبية الواحدة.

فمع نهاية عقد الثمانينات من القرن العشرين شهد النظام الدولي تغيرات كبيرة اذنت بنهاية فترة الحرب الباردة وقيام نظام دولي جديد بعد ان تسارعت الاحداث التي شهدت تفكك المنظومة الاشتراكية وافول نجم الاتحاد السوفيتي المنافس الرئيس للولايات المتحدة، واذا كانت الولايات المتحدة قد خاضت فيما قبل عقد التسعينات من القرن الماضي وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حرباً باردة ضد الاتحاد السوفييتي كانت ساخنة في عدد من الجبهات مثل كوريا وفيتنام لمواجهة المد الشيوعي الا انه ومع انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة وبروزها كقوة عظمى رسمت الولايات المتحدة استراتيجيتها الجديدة للنظام الدولي الجديد والتي كان من اهم اهدافها ما يلي:-
- المحافظة على الزعامة والتفوق الأمريكي في المرحلة الجديدة
- القيادة من خلال القوة العسكرية
- تطويع منظمة الامم المتحدة لخدمة الاستراتيجية الأمريكية وتجاوزها اذا اقتضى الامر لذلك.
- اعادة تنظيم وتفعيل حلف شمال الاطلسي لخدمة الاستراتيجية الأمريكية
- اعادة رسم الخرائط الجيويوليتيكية لتتطابق مع خرائط النفوذ الأمريكي.

وحاولت الولايات المتحدة العمل في اطار الاهداف السابقة الذكر ومن اجل ذلك خاضت ثلاث حروب لها حتى نهاية القرن الماضي وهي كالتالي في الخليج (90-1991م)، والــصومال (1992م)، وفي يوغسلافيا السابقة (1999م)، الا ان احداث الحادي عشر من سبتمبر اضطرت الولايات المتحدة تغيير رسم سياستها من جديد في اطار يتوافق مع المرحلة الراهنة التي تعيشها وعلى ضوء ذلك خاضت حربها الاولى في مطلع القرن الحالي في افغانستان في السابع من اكتوبر 2001م. وقبل ذلك كله وفي نموذج اخر للحرب الامريكية كان التدخل العسكري في بنما...

* حـــرب بنما
تعامل الولايات المتحدة مع بنما قبل عام 1989م
تمثل بنما موقعا استراتيجيا بالنسبة للولايات المتحدة وخاصة قناة بنما التي تتواجد بها قوات أمريكية ضمن معاهدة أمريكية مع بنما وكان وجود نظام في بنما غير مرغوب فيه لدى أمريكا يمثل قلقاً على المصالح الأمريكية، وفي نيسان 1988م وافق (كراو) رئيس هيئة الاركان المشتركة في الولايات المتحدة على دراسة خطط الطوارئ السرية وتسمى (ايلايوريت ميز) التي كانت الهيئة تضعها على الرف لاستخدامها عند اللزوم ولكنه مع قائد المنطقة الجنوبية (وورتر) كانا غير راضيين عن هذه الخطط لانها لا تعكس كل السيناريوهات المحتملة فطلب من قائد المنطقة الجنوبية ان يضع خططا بديلة اسميت بعمومها (كتاب الصلاة) مع ان لكل خطة منها اسم خاص وهذه الخطط هي(1)
- بوست تايم: وهي خطة تلجأ لها الولايات المتحدة للدفاع عن قناة بنما بنشر قواتها على جانبيها بحيث تستمر القناة في عملها وكذلك توضع قوات على النقاط الحساسة مثل (سد ماون) وهو مصدر مياه وطاقة رئيسية للقناة.
- كوندايك كي: وهي عملية اجلاء غير قتالية بدون اذن البلد المضيف باستخدام الطائرات العسكرية والمدنية لاجلاء المواطنين الأمريكيين وكان الخبراء متشككين في القدرة على تنفيذها نظراً لوجود عدد كبير من الأمريكيين غير العسكريين ولكن احداث الشرق الاوسط جعلتهم يضعون هذه الخطة رغم الشكوك نظراً لان عهد ريغان جعل من كل أمريكي عضوا في الحكومة وبالتالي رهينة محتملة بمن فيهم الرئيس نفسه.
- بلانيدلوجيك: وهي عملية صغيرة تتلخص في ارسال بعض المختصين العسكريين في الشئون المدنية للمساعدة في اقامة حكومة جديدة وتنفذ فقط عندما تطلب الحكومة الجديدة مساعدتهم.
- بلوسيون: وهي خطة للعمليات الحربية الأمريكية ضد قوات (نورييغا) ويمكن للقائد الأمريكي ان يقود هذه العمليات من داخل بنما وبعد ان يتولى قيادة قوة مشتركة من الاجهزة الاربعة.
ولكن هذه الخطة باجزائها الاربعة لم تنطبق على الواقع فالقناة لم تكن في خطر والترحيل الكامل للمدنيين الأمريكيين ليس له داع ولم تكن هناك حكومة جديدة لتطلب المساعدة في العمليات الهجومية ستكون متطرفة جداً.
الانتخابات في بنما وخيبة الأمل الأمريكية في

*تغيير (نورييغا)
في ربيع صيف 1989م كانت بنما على وشك اعتلاء قائمة المشاكل التي تواجه أمريكا وذلك لعدة اسباب منها (2) ان رجل بنما القوي الرئيس (نورييغا) كان مصدر مشاكل كبيرة للولايات المتحدة حيث كان مشتبها به في تجارة المخدرات وكان يقود نظاما فاسدا في نظر الولايات المتحدة الأمريكية ومع انه كان عميلاً رئيساً للمخابرات المركزية في أمريكا الجنوبية الا ان الادارة الأمريكية كانت تنظر اليه على انه خارج عن القانون وعدو للمصالح الأمريكية.
ان الولايات المتحدة كانت ستتخلى عن تحكمها بالقناة نهاية القرن وان 12.000 موظف عسكري سيرجعون إلى أمريكا مع عائلاتهم، وقد راهنت الولايات المتحدة على حدوث تغيير في نظام الحكم في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 7/5/1989م والتي بدا فيها ان مجموعة المرشحين الذين اختارهم نورييغا كانت تسيطر على الانتخابات بالخداع ولكن نورييغا تحدى الرأي العام العالمي واستولى على جداول حصر الانتخابات واعلن فوز مرشحه، وقد ادان بعض رجال الكونجرس الأمريكي الذين قاموا بزيارة بنما لمراقبة الانتخابات ادانوا سياسة وورتر قائد المنطقة الجنوبية وسماحه لـ(نورييغا) ان يهدد مصالح أمريكا وحثوا الرئيس بوش على طرده.

وفي 9 مايو دفع الرئيس بوش بفساد الانتخابات بسبب مخالفات مستفحلة وحث شعب بنما على الاطاحة بـ(بنورييغا) ولكن في 1سبتمبر تقلد فرانسشيسكو رودريجر منصب رئيس جمهورية بنما الذي اطلقت عليه وزارة الخارجية اسم اخر رؤساء نورييغا من الدمى..)
ولم يكن بوش على استعداد للتعامل معه وحيث ان الرد الأمريكي التقليدي على الديكتاتوريين في أمريكا اللاتينية كان تنظيم انقلاب للاطاحة بهم فقد قامت ادارة بوش بذلك في بنما في اكتوبر 1989م عندما حرضت بعض الضباط في قوات الدفاع البنمية على الاطاحة بنورييغا وقد حاولوا ولكن بعض الفرق الموالية لنورييغا نجحت في قمع الانقلاب وامر نورييغا باعدام الضباط المشتركين في الانقلاب فورا وواجه بوش انتقادات لاذعة لتشجيعه للانقلاب ثم لفشله في مساندته.(3)
-قرار الحرب ضد نورييغا وغزو بنما في ديسمبر 1989م.
في 15ديسمبر 1989م قام مجلس النواب القومي لبنما بتعيين نورييغا رئيسا للدولة واطلق عليه اسم القائد الاعلى للتحرير الوطني وقد اعلن نورييغا فور انتخابه رئيسا للدولة ان بلاده في حالة حرب مع الولايات المتحدة وكان هذا التصريح بمثابة فرصة مرسلة من السماء إلى بوش الذي انتهزها بعد اربعة ايام وارسل قوة عسكرية في حجم فرقة من قوات الجيش والبحرية لغزو بنما واطلق عليها عملية القضية العادلة.(4)

وقد حددت الادارة الأمريكية اهداف حملتها العسكرية في بنما بما يلي:
- حماية ارواح الامركيين في بنما.
- استعادة الممارسات الديمقراطية.
- الحفاظ على سلامة معاهدات قناة بنما.
- القبض على نورييغا الذي اعلن حالة الحرب مع الولايات المتحدة.
ووجه الرئيس بوش خطابا إلى الشعب قائلا (ان تهديدات الجنرال نورييغا اللا مسئولة للأمريكيين واعماله الهجومية ضدهم قد احدثت خطرا داهماً يتهدد خمسة وثلاثين الف مواطن أمريكي في بنما.
وتنوي الولايات المتحدة سحب قواتها التي انتشرت في بنما مؤخراً في اسرع وقت وقال "لقد اتخذت هذا القرار بعد الاستنتاج بانه لا يوجد سبيل اخر غير هذا السبيل".(5)
وبعد عدة ايام من الاضطرابات التي ادت إلى قتل 24من القوات الأمريكية و139 من قوات دفاع بنما بالاضافة إلى اصابات جسيمة بين المدنيين قدرتها بعض وكالات الانباء ب4000 قتيل وانتشار السلب والنهب في مدينة بنما.. نجحت أمريكا في تحقيق اهدافها واختفى الرئيس نورييغا واعلنت الولايات المتحدة عن جائرة مقدارها مليون دولار لمن يقبض عليه، آملة في ان يقدم على ذلك احد قوات الدفاع البنمية او مواطن بنمي تواق إلى انهاء حكم نورييغا وكان نورييغا قد لجأ إلى مقر اقامة ممثل الفاتيكان في بنما ومن ثم دخل إلى مبنى السفارة البابوية وطلب حق اللجوء السياسي وتواصل المسئولون الأمريكيون مع السفير البابوي ومارسوا الضغط على الكنيسة واعطاهم السفير البابوي اشعارا خطيا يخولهم صلاحية القيام بعمليات هجوم اضطراري للسفارة .

وقد حاصرت القوات الأمريكية في 29ديسمبر السفارة وخرج نورييغا في 3 يناير 90م من السفارة البابوية بزيه العسكري وسلم نفسه للقوات الأمريكية واخذ يصرخ ويشتم السفير البابوي الذي كان يقف بجواره عندما وضعت القيود حول معصميه لخداعه اياه وكان نورييغا يتوقع ان يعامل كرئيس دولة او كأسير حرب.(6)
وقد تم نقله إلى أمريكا واودع في سجن مدني تمهيدا لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدرات ونصبت القوات الأمريكية /جيوليرهوان راندارا / رئيسا لبنما الذي كان يعد الفائز في انتخابات مايو 1989م.

* اهم نتائج غزو بنما
اظهرت العملية خطورة استخدام القوة لتغيير نظام الحكم في بلد اخر وهي سابقة خطيرة في العلاقات الدولية ويبدو واضحا من سمات الدولة الأمريكية في ذروة مراحل قوتها: ان قوتها المادية والعسكرية سبقت نضج خبرتها وحنكتها السياسية ونجم عن هذا الوضع بروز ما اسماه /وليم فولرايت/ غطرسة القوة في السياسة الأمريكية والاتجاه إلى القيام بدور رجل البوليس الدولي.
شعرت القيادة الأمريكية بالاطمئنان بعد ان خلفت بنما وراء ظهرها وهي اكبر عمل عسكري تقوم به منذ حرب فيتنام ليعود تركيزها على مرحلة ما بعد الحرب الباردة والعمل على تشكيل نظام دولي جديد يمكن تطويعه ليلتقي مع الاهداف الأمريكية في كل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية والاجتماعية وذلك على كافة المستويات الاقليمية والدولية، وقد اكد على ذلك الكثير من الزعماء الأمريكيين الذين لم يترددوا في توضيح اهدافهم نحو ما يسمى بالنظام الدولي الجديد وفهمهم لشكل ذلك النظام، وهو الامر الذي بينه وباختصار كولن باول رئيس هيئة الاركان الأمريكي بقوله (اننا نخطط الان لدورنا كقوة عظمى ولاعب رئيس على المسرح العالمي له مسئوليات ومصالح في كل مكان في العالم).(7)

* حرب الخليج الثانية وتأكيد الهيمنة الأمريكية
تعتبر حرب الخليج الثانية اول نموذج عملي يشير إلى ماستكون عليه طبيعة التفاعلات الدولية في اطار النظام الدولي الجديد فتلك الحرب جاءت في فترة يمكن ان نعتبرها فترة انتقالية بين نظام دولي يلفظ انفاسه الاخيرة ونظام دولي بدأت بنيته ترسم ملامحها المستقبلية التي تغلب عليها انفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم لتأكيد هيمنتها وصدارتها للنظام الدولي الجديد.

* بداية الازمة
بدأت الازمة في الثاني من اغسطس 1990م عندما قام العراق باجتياح الكويت ثم اعلانه عن ضمها لتصبح المحافظة رقم (19) ويمكن توضيح الاسباب التي كانت وراء اتخاذ العراق لتلك الخطوة على النحو التالي:-(8)
اعتقاد العراق بان كلا من الكويت والامارات تتبع سياسة نفطية تتجاوز فيها حدود الانتاج المخصص من قبل منظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك) وتؤدي إلى خسارة العراق ما بين سبعة إلى عشرة مليارات دولار سنوياً.
كان العراق يرفض استثمار الكويت آبار النفط في الرميلة الموجودة في منطقة الحدود العراقية الكويتية بينما كانت الكويت تصر على بغداد من اجل حل مسألة الحدود بين البلدين.
مطالبة العراق من الكويت باعفائه من المساعدات التي قدمتها الكويت له اثناء حربه مع ايران منطلقاً في ذلك في انه قدم تضحيات كبيرة في تلك الحرب للمحافظة على امن الخليج بينما تصر الكويت على اعتبار تلك المساعدات قروض يجب على العراق تسديدها.
وقد نظر العراق إلى هذه الاسباب على انها بمثابة اشتراك من الكويت في حرب اقتصادية تشن ضده بتحريض من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لاحباط عملية اعادة اعماره واكتسابه القوة(9).

* البيئة الاقليمية والدولية للازمة:-
لقد كان للازمة وحرب الخليج الثانية ظروفها الخاصة وملامحها المميزة ، فقد جاءت الازمة في مرحلة افول الاتحاد السوفيتي لتنفرد واشنطن بدائرة النفوذ في المنطقة وتسعى بعد ذلك إلى ازالة أي تهديدات لمصالحها في المنطقة وفي هذه الاثناء ارتفعت حدة الاحتجاجات العراقية على الوجود الأمريكي في مياه الخليج ثم التهديد بسحق نصف اسرائيل ان هي اعتدت على العراق وقد نظرت واشنطن لهذه التحركات العراقية برؤية مؤداها ان زوال الخطر السوفيتي لا يعني السماح لقوة اقليمية عربية بتشكيل خطر بديل ورأت من هذا المنطلق طموحا عراقيا يتوجب القضاء عليه.(10)
وبدأت الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية حينها بشن حرب اعلامية ضد العراق بحجة انه يمتلك صواريخ متوسطة المدى واسلحة كيمائية ولقد اشتدت الحملة خاصة بعد ان أعلنت لندن في 29/3/1990م انها قبضت على عراقيين يهربون إلى العراق وسائل تفجير القنابل النووية(11).

* أهداف السياسة الأمريكية في حرب الخليج الثانية:-
في كل الحروب تعمل الدول المتحاربة على تحقيق اهداف معينة ، وفي حرب الخليج الثانية دخلت الولايات المتحدة ولها اهداف منها معلنة ومنها غير معلنة وهي الاكثر اهمية وخطورة فعقب اتخاذه قرار ارساله قوات أمريكية إلى الخليج في 8اغسطس1990م اعلن الرئيس الأمريكي انذاك جورج بوش ان اهداف التدخل العسكري هي :-
الانسحاب العراقي غير المشروط من الكويت وعودة العائلة الحاكمة إلى الكويت.
استقرار الخليج وحماية المصالح الامريكية في المنطقة.
غير ان تحديد الرئيس بوش لاهداف السياسة الأمريكية من خلال التدخل العسكري في ازمة الخليج الثانية بتلك الطريقة كان يخفي وراءه اهدافا استراتيجية اكثر عمقا وشمولا يمكن ابرازها على النحو التالي:-
- تأكيد الهيمنة الأمريكية:-
خلال عقد الثمانينات وحتى نهاية عام 1990م ومع تولي الجمهوريان ريغان وبعده جورج بوش يمكن القول بان هذه الفترة شهدت عودة تيار اليمين إلى البيت الابيض وهو ما اعتبر في الاوساط الأمريكية بمثابة الرد على عقدة فيتنام وخسائر أمريكا في ايران وافغانستان وكان هدف هذا التيار هو تأكيد الهيمنة الأمريكية مع رفض التعايش السلمي مع الاتحاد السوفيتي والعمل على خلق تحول راديكالي في روسيا تحقق بالفعل في نهاية الثمانينات بانهيار الاتحاد السوفيتي وتنتهي بذلك الحرب الباردة لتبرز بعد ذلك في الولايات المتحدة وبصورة قوية عقيدة عسكرية تخطط لمواجهة عدد من دول العالم الثالث التي تقول واشنطن انها تمتلك اسلحة الدمار الشامل او تخطط لتطويرها او الحصول عليها وبحسب هذه العقيدة ستكون المواجهة حتمية عندما تضر هذه الدول وفي مقدمتها العراق بالمصالح الأمريكية(12).

وتضمنت الاستراتيجية الجديدة القضاء على ما تعتبره الولايات المتحدة تهديدات لمصالحها باستخدام احدث الاسلحة وبقوة وبسرعة ، ويرى المحللون ان هذه الاستراتيجية تهدف في المقام الاول إلى تصفية الجيوب التي تخالف اهداف ومصالح السياسة الأمريكية على اعتبار ان الولايات المتحدة باتت المسيطرة عالميا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي .. ومن ابرز تلك الدول العراق وايران وليبيا وسوريا وكوبا وكوريا الشمالية.
من ناحية اخرى اعتبر ان قرار واشنطن بشن الحرب على العراق كان للحيلولة دون تشكل كتلة اوروبية للحفاظ على استمرار تكتل اليابان واوروبا حول أمريكا اذ انه كان من المفترض ان يتغير مع انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية وهو ما كان يريده التكتل الأمريكي الغربي ومن هنا عمدت واشنطن إلى خلق خطر جديد او عدو جديد بدلا عن الخطر السوفيتي المنهار(13).

وجاءت ازمة الخليج في الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة وبعد انهيار المعسكر الشيوعي بالعمل على فرض سيطرتها المطلقة على العالم في اطار ما سمي بالنظام العالمي الجديد وقد تجلى ذلك بوضوح في موقف الرئيس بوش يوم 16/1/1991م عندما اعلن عن بدء العمليات العسكرية ضد العراق اذ اعلن ميلاد (نظام عالمي جديد) (14).
وعاد الرئيس بوش ليوضح طبيعة هذا النظام عندما قال يوم 6 مارس 1991م في نهاية حرب الخليج الثانية ان أمريكا اصبحت قادرة على تكريس النظام العالمي الجديد الذي ارادت ان تكرسه عام 1945م والذي عملت من اجله بمبادئها واتجاهاتها واعتبر ان مبادئ أمريكا هي التي انتصرت واتجاهها في العالم هو الذي انتصر(15).
تعزيز السيطرة على نفط الخليج وآسيا:-
اثر الاجتياح السوفيتي لافغانستان في 20يناير1980م اعلن الرئيس الأمريكي انذاك جيمي كارتر ما عرف فيما بعد بمبدأ (كارتر) ان اية محاولة من جانب اية قوة اجنبية للسيطرة على منطقة الخليج سوف تعتبر بمثابة عدوان على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية ولسوف يقابل مثل هذا العدوان بكافة الوسائل الضرورية بما في ذلك القوة العسكرية.

والمعروف ان المصالح الحيوية للولايات المتحدة في الخليج تتمثل في النفط والذي لو حرمت الولايات المتحدة وباقي الدول الصناعية في العالم من حرية الوصول الى مصادره في الخليج فستكون النتيجة على الارجح هي الانهيار لأمريكا ولحلفائها.(16)
وقبل ازمة الخليج وبعدة اشهر اصدر البيت الابيض وثيقة عنوانها الامن القومي للولايات المتحدة تضمنت مواداً حول النفط الذي يشكل السيطرة عليه من قبل قوة اقليمية مثل العراق تهديداً اكيداً للمصالح الحيوية لأمريكا ومن هنا جاء التدخل العسكري الأمريكي ضد العراق ففي خطاب القاه في 15اغسطس1990م قال الرئيس بوش الاب (ان اشغالنا وطريقة حياتنا ستتعرض للمعاناة اذا اصبحت السيطرة على احتياطي النفط في يد صدام حسين) ثم عاد وزير الخارجية الأمريكية ليؤكد هذه النقطة من جديد في 13نوفمبر1990م عندما قال (ان تلخيص الهدف الأمريكي في تهمة واحدة هي الاشغال لان ظهور ركود اقتصادي عالمي بسبب السيطرة على النفط سيؤدي إلى خسارة الأمريكيين اعمالهم ).(17)
ويمكن تلخيص الهدف المباشر للتدخل العسكري الأمريكي في الخليج بانه (تعزيز السيطرة على نفط الخليج واسعاره) لان ذلك اضعاف لتكتلات دولية اخرى في مقدمتها اوروبا واليابان.
مصلحة المجتمع العسكري الصناعي:-

جاء التدخل العسكري الأمريكي في ازمة الخليج نتيجة لطبيعة ومصلحة المجتمع العسكري الصناعي الذي يقوم على الاستمرار في الانفاق على التسلح وبنسب عالية للمحافظة على الارباح الهائلة فشركات السلاح الأمريكية لم تستطع ان تتحول من الانتاج العسكري إلى الانتاج المدني مع نهاية الحرب الباردة وقد بلغت خسائر صناعة السلاح خلال الاشهر الثلاثة التي سبقت احتلال العراق للكويت ثلاثة مليارات دولار ومن هنا وفي اطار البحث عن عدو آخر بعد سقوط الشيوعية وتنشيط الاقتصاد كان امام واشنطن خيارات جغرافية محددة معظمها في العالم الثالث لاستخدام وترويج وبيع السلاح.(18)
فأمريكا منذ عام 1941م تعيش على الاقتصاد الجزئي فاذا ما انهار هذا الاقتصاد تغرق البلاد في ازمة خطيرة فالولايات المتحدة لم تخرج من ازمة الثلاثينات الا بفضل الاستهلاك الحربي خلال الحرب العالمية الثانية ونفس الشيء تكرر قبل حرب الخليج وايضا قبل حرب افغانستان الحالية.(19)

* إدارة الحرب
يمكن ابراز وتوضيح الكيفية التي ادارت بها واشنطن الازمة والحرب من خلال ثلاثة محاور اساسية وذلك على النحو التالي:-
- الخطاب الرسمي والحملة الاعلامية:-
في بداية الازمة صعد المسئولون الأمريكيون من لهجة الخطاب السياسي الأمريكي ومضمونه ففي خطابات الرئيس جورج بوش وتصريحات كبار المسئولين الأمريكيين كان الرئيس العراقي صدام حسين يشبه بهتلر ووصفوه بالمجنون وبانه اخطر رجل في العالم وكان من اهداف هذا الخطاب تعبئة الرأي العام الأمريكي لتبرير الحرب على العراق .(20)
من ناحية اخرى استطاع الاعلام الأمريكي بحكم احتكاره للصورة وسيطرته على نظام الاعلام الدولي ان يحتكر عملية التغطية الاعلامية للحرب من خلال التعتيم الاعلامي الكامل والترويج للحرب على انها سلعة وانها ستكون نظيفة وسريعة كما حرص الاعلام الأمريكي من خلال الحرب على تغييب الجانب الانساني بالتعتيم على ما تسببه من كوارث ومآسي في جانب المواطنين العراقيين.(21)
- توفير الغطاء الشرعي للحرب:-
نجحت الولايات المتحدة من خلال الضغط على مجلس الامن الدولي مستفيدة من غياب الدور السوفيتي في الحصول على تفويض دولي بشن الحرب عندما صدر قرار مجلس الامن رقم (678) في 29نوفمبر1990م والذي يسمح باستخدام القوة بعد 15يناير1991م لاجبار العراق على الانسحاب من الكويت وكانت قبل ذلك قد نجحت في استصدار اثني عشر قرارا من المجلس خلال اربعة اشهر كان ابرزها القرار الصادر في 25اغسطس 1990م والذي يسمح لاساطيل الولايات المتحدة ودول اخرى باستخدام القوة لفرض حصار اقتصادي وتجاري على العراق مازال مفروضاً حتى الان ونفذ بدقة وشدة لم يسبق لها مثيل.(22)

ولقد كان من المفترض لدى مسئولي الادارة الأمريكية ان تعطى العقوبات والحصار المفروض على العراق مدة لا تقل عن عشرة اشهر تكون خلالها القدرات العسكرية والاقتصادية العراقية شبه منهارة ومشلولة غير ان الرئيس بوش فضل خيار شن الحرب على العراق مبكراً مستفيدا من تفويض مجلس الامن لتبدأ الحرب ضد العراق في 17يناير1991م وكانت حربا جوية في مراحلها الاولى والتي استمرت حتى 24فبراير1991م وهو اليوم الذي بدأت فيه الحرب البرية التي لم تستمر سوى اربعة ايام انسحب خلالها العراق من الكويت لتعلن واشنطن انتهاء الحرب البرية في 28فبراير ثم يصدر مجلس الامن قرارا بوقف العمليات العسكرية في 2مارس1991م.(23)

* الحشد الدولي:
قبيل الحروب واثنائها تنشأ تحالفات معينة وفي حرب الخليج استطاعت واشنطن بناء تحالف ضم قوى غربية وقوى عربية وقوى اسلامية وتنسيق حركة هذا التحالف وضمن هذا التوزيع في الحركة فرضت نوعية المشاركة على الجميع بمساهمة عسكرية او مالية او سياسية وفرضت على بعضهم ان تكون مشاركتهم بالصمت وعدم الحركة وفي حدود معينة.(24)

* السياسة الأمريكية ومرحلة ما بعد الحرب
يمكن القول ان الولايات المتحدة الأمريكية استطاعت خلال حرب الخليج تحقيق اهدافها من هذه الحرب على المستويين الاقليمي والدولي فعلى المستوى الاقليمي مكنت ازمة الخليج الولايات المتحدة الأمريكية من التواجد العسكري الكبير في منطقة الخليج وهو مالم يكن ممكنا قبل الازمة بالاضافة إلى تحطيم القوة العراقية كقوة اقليمية تسبب القلق لواشنطن ازاء مصالحها الحيوية اما على المستوى الدولي فقد كانت الحرب فرصة جيدة بالنسبة لواشنطن لاختبار مدى هيمنتها على النظام الدولي الجديد.
ومن المؤكد ان الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب عملت على الحفاظ على ما حققته خلال الحرب بل واضافت إلى ما كانت تهدف اليه بشكل دائم واشمل.

- تأمين منطقة الخليج واحتواء العراق:
اكدت الولايات المتحدة لاكثر من مرة انها لاتفكر حاليا في مسألة سحب قواتها من الخليج لان في بقائها تأمين مصالح الولايات المتحدة والغرب الصناعي المتمثل في حماية مصادر النفط من أي تهديد وضمان استمرار تدفقه وباسعار تخدم اقتصادهم، وفي الوقت نفسه فان بقاء قوات أمريكية في الخليج يمكن واشنطن من تنفيذ سياسة احتواء العراق من خلال استمرار مراقبة وفرض الحصار الاقتصادي الذي ما يزال مستمرا على العراق وكذلك مراقبة النشاط العسكري العراقي لاسيما في مجال تطوير اسلحته وما تزال الطائرات الأمريكية والبريطانية تقوم بشن غارات شبه يومية في اغلب الاوقات على مواقع ومنشآت عراقية مع العمل على فرض رقابة دولية على الاسلحلة العراقية.

- تصاعد نزعة الهيمنة الأمريكية:-
كان واضحا اندفاع الولايات المتحدة عقب حرب الخليج في اطار نزعة الهيمنة المنفرد على العالم إلى تهميش دور القوى الكبرى الاخرى الحليفة لها من أجل الانفراد بالعالم الثالث وهناك مدرسة بارزة في الدوائر الاستراتيجية الأمريكية تبرر الحرب على عالم الجنوب نظرا لازدياد مخاطر عدم الاستقرار وتصاعد العنف في مناطق محددة منه ، وهم يروجون لذلك بما اسموه (السلام العنيف) ويقصد به ان انتهاء الحرب الباردة لا يعني نهاية التنافس العسكري بين الدول ومن هنا فان القوات الأمريكية يجب ان تكون جاهزة للعمل في كل جزء من العالم.
وبجانب القضايا العسكرية يركز هذا التصور الاستراتيجي لأمريكا على قضايا اخرى غير عسكرية لتبرير استمرار التدخل الأمريكي في العالم الثالث خاصة بحجة انه يأوي المخدرات والارهاب كما يحدث حاليا في افغانستان..

* الحرب في الصومال 1992م والفشل الأمريكي:
الازمة الصومالية -الاسباب والتداعيات..
تبلورت الازمة الصومالية عبر ثلاث مراحل بدأت منذ وقت مبكر وبالتحديد من اواخر السبعينات حيث بدأت بمطالبات اقليمية تعبر عن اهداف قبلية محدودة تمثلت بمطالبة الشماليين بالعدل في توزيع السلطة بينهم وبين الجنوبيين ثم تطورت إلى انتفاضة شعبية عمت كل البلاد مقتربة بذلك من الثورة الشعبية وارتفعت مطالبها إلى المستوى القومي ووتتلخص هذه المطالب في رفض الديكتاتورية واقامة نظام ديمقراطي. وادت إلى سقوط نظام سياد بري عام 1991م بعد معارك داخلية دامية وتعثرت المعارضة بعد سقوط نظام سياد بري وفشلت في تحقيق الديمقراطية وسقطت في اتون حرب اهلية مدمرة . ادت إلى انهيار الدولة بمؤسساتها وابنيتها وتنظيماتها واختفاؤها من الوجود حيث انسحب الغضب الجماهيري على نظام سياد بري إلى تحدي شرعية الدولة ذاتها وسلطاتها والردة إلى الاطر التقليدية كأساس للتنظيم الاجتماعي.
وقد رافق هذا المنحى الخطير الذي وصلت اليه الازمة الصومالية تدهور الاوضاع الانسانية لشعب الصومال نتيجة موجة الجفاف والمجاعة مع عجز منظمات الاغاثة الدولية عن ممارسة نشاطها مع استمرار الاقتتال. وكانت هذه الاوضاع المأساوية التي شهدتها الصومال احدى العوامل التي استدعت التدخل الاجنبي في محاولة لايقاف التدهور واعادة الحياة السياسية للصومال وايقاف الحرب الدائرة هناك.

وقد اصدر مجلس الامن الدولي في 27/7/1992م القرار رقم (767) الذي يقضي بانشاء اربع مناطق عمليات في الصومال تحت مظلة الامم المتحدة ضمن قوات متعددة الجنسيات لنقل الاغذية والمعونات. وتشكلت هذه القوات من عدة دول عربية واسلامية واجنبية. ويأتي في مقدمتها طبعا الولايات المتحدة. مدفوعة بنشوة الانتصار الذي حققته في التحالف الدولي الذي قادته في حرب الخليج 1991م تحت مظلة الامم المتحدة . وبعد ان اعلن الرئيس بوش غداة انتهاء حرب الخليج عن ميلاد النظام العالمي الجديد. لتثبت واشنطن من خلال هذه العمليات التي اطلق عليها (اعادة الامل في الصومال) قدرتها ليس فقط على حل النزاعات الاقليمية كما حدث في حرب الخليج بل والنزاعات الداخلية وهو ما سيعزز من مكانة الولايات المتحدة واستحقاقها لزعامة النظام العالمي الجديد.

* دوافع الولايات المتحدة للتدخل في الصومال:
رغم المبررات التي اعلنتها الولايات المتحدة للمشاركة ضمن القوات الدولية في الصومال وانها لاهداف انسانية الا ان هناك اهداف ومبررات خاصة بالولايات المتحدة الأمريكية لارسال قواتها إلى الصومال خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة ورغبة الولايات المتحدة في بسط نفوذها وسيطرتها على العالم ومن ذلك:
الموقع الاستراتيجي لمنطقة القرن الافريقي حيث تتحكم هذه المنطقة بدولها الثلاث: الصومال وجيبوتي واثيوبيا في مدخل خليج عدن والبحر الاحمر وهو الطريق المائي الطبيعي لنقل نفط الخليج إلى أمريكا واوروبا وقد كانت هذه المنطقة الاستراتيجية محطاً لانظار القوى الفاعلة في النظام الدولي وظلت تحت النفوذ السوفيتي اثناء الحرب الباردة حيث كان يتمركز منذ اوائل السبعينات في الصومال ثم في اثيوبيا إلى ان اضطر إلى الانسحاب منها مع نهاية فترة الحرب الباردة ليفسح بذلك المجال امام الولايات المتحدة لتحل محله في هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة.
ان وجود الولايات المتحدة في منطقة القرن الافريقي سيمكنها من العمل على تسوية النزاعات الداخلية لدول المنطقة بحيث يؤدي ذلك إلى اقرار الامن في هذه المنطقة الحساسة بشكل يخدم المصالح الأمريكية. وان لا تؤدي أي تسوية لنزاعات المنطقة في ظل غياب الولايات المتحدة إلى ما يهدد المصالح الأمريكية فيها والتي تأتي في مقدمتها المحافظة على اثيوبيا قوية وموحدة لما تمثله اثيوبيا من اهمية استراتيجية وثقل ديمغرافي وسياسي واقتصادي يميزها عن الصومال وجيبوتي. وهناك علاقة مميزة بين اثيوبيا والولايات المتحدة ولذلك كانت أمريكا تهدف إلى الضغط على الصومال ليتخلى عن مطالبته باوجادين المتنازع عليها مع اثيوبيا.(25)

تعتبر الصومال دولة محورية في المنطقة بحكم قربها من دول الخليج والنفط وقربها من احد اهم الممرات الملاحية الدولية الاستراتيجية وكذلك لامتلاكها لثروات هائلة (حيوانية وسمكية واراض زراعية ..الخ) وقد وضعت الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة اولويات في التعامل مع الصراعات وبؤر التوتر الاقليمية وكان ريتشارد نيكسون الذي ما يزال يحظى بصوت مؤثر ومسموع في الاوساط الحاكمة في الولايات المتحدة سباقا في رسم صورة واضحة للحدود التي يتعين فيها على بلاده ان تتدخل بالقوة المسلحة او الوسائل الاخرى حيثما تكون المصلحة الحيوية بانها عرضة للتهديد وقد ميز بين المصالح الحيوية والمصالح الهامة والمصالح الهامشية وعرف المصلحة الحيوية بانها تلك التي يشكل فقدانها بحد ذاته خطراً مباشراً على امن الولايات المتحدة مثل استقلال اوروبا الغربية واليابان وكندا ودول الخليج العربي.
واذا كانت الصومال لا ترقى إلى مرتبة المصالح الحيوية للولايات المتحدة. الا انها بلا شك تأتي قي المرتبة الثانية في سلم الاولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة . والتي يجب عليها -كما يقول نيكسون- ان تتعامل احيانا مع المصالح الهامة وكأنها مصالح حيوية كجزء من استراتيجية حكيمة تقوم على فكرة الدفاع المتقدم .

هدفت الولايات المتحدة إلى تغيير نظام سياد بري الذي اصبح في نظرهم غير صالح للمرحلة الحالية التي جعلت من اهدافها في هذه المرحلة التخلص من بقايا نخب الحرب الباردة والانظمة غير المرغوب فيها لدى أمريكا. وقد تميز نظام بري بعدة مبادئ لا تخدم المصالح الأمريكية الآنية الا وهي: الوحدة الصومالية، الاشتراكية، الدكتاتورية، وكانت غالبية قيادات القوى السياسية المعارضة الفاعلة في تلك المرحلة وبخاصة فصائل الشمال والوسط تربطها بالحكومة الاثيوبية علاقات جيدة واغلبها من الطبقة البرجوازية القديمة من التجار ورجال الاعمال التي ترى مصالحها التجارية مع الولايات المتحدة والدول الغربية. ومن ثم كانت القوى السياسية في تلك الفترة او بعضها على الاقل مهيأة للتفاهم مع الولايات المتحدة والاتفاق مع اثيوبيا حول الحدود المتنازع عليها.(26)
تمثل مصر احدى الدول الرئيسية الثلاث-إلى جانب تركيا وايران _ التي ترتكز عليها أية استراتيجية للشرق الاوسط وبالتالي يصبح من الاهمية بمكان للولايات المتحدة وهي تخطط لنظام امني جديد يخدم مصالحها في الشرق الاوسط ان تهيمن على التوجه السياسي للحكومة المصرية ولا تقتصر تلك الهيمنة على السياسة الداخلية للدولة المعنية بل تتعداه إلى دول الجوار حيث العمق الاستراتيجي ومصادر الطاقة.

ويمثل الصومال بسواحله الممتدة على المحيط الهندي وخليج عدن واراضيه الملتفة حول جنوب شرق اثيوبيا عمقاً استراتيجياً هاماً لمصر وبالتالي فان السيطرة عليه يمثل اهمية كبرى للولايات المتحدة للتأثير والضغط على مصر.(27)
نتائج التدخل الدولي في الصومال_ واساب الفشل:
ادى التدخل الدولي في الصومال إلى خلافات داخل اطراف الدول المشاركة وتجاوز الولايات المتحدة للاهداف التي حددتها الامم المتحدة باستخدامها القوة ضد بعض الفصائل الصومالية ومحاولة نزع سلاحها وهو ما ادى إلى غضب الصوماليين ومواجهتم بقوة للقوات الأمريكية حيث قتل عدد من الجنود الأمريكيين وتفاقمت الازمة وفشلت الجهود الدولية . وادى ذلك إلى سحب الدول لقواتها المشاركة في عملية حفظ السلام واعادة الامل في الصومال بما فيهم الولايات المتحدة التي سحبت قواتها عام 1994م.
وقد حمل تقرير دولي وضعته لجنة تحقيق تابعة للامم المتحدة كل من المنظمة الدولية والولايات المتحدة والجنرال فارح عيديد مسئولية تصاعد عمليات العنف في الصومال واوضح التقرير ان كلا من المنظمة الدولية والولايات المتحدة قد اتبع سياسة مضللة وطالب بتعويض المدنيين الذين قتلوا واصيبوا اثناء عمليات الامم المتحدة لمطاردة الجنرال عيديد بمقديشو ووجه التقرير انتقادات لأمريكا وايطاليا لانهما اتبعا سياسة خاصة بهما في الصومال.(28)

* أسباب فشل عملية التدخل الدولي في الصومال:(29)
كان للهيمنة الأمريكية على عملية التدخل الدولي في الصومال اثر بالغ الخطورة تمثل في الصراع على قيادة هذه العملية بين البيت الابيض من جانب واجهزة الامم المتحدة من جانب اخر وانعكس هذا الصراع على توجهات واهداف العملية ذاتها فاتسمت في كثير من مراحلها بالتضارب وعدم الوضوح لاهدافها الاستراتيجية التي تراوحت بين الاغاثة وتأمين وصول المساعدات الانسانية في بعض الاحيان وبين استخدام الحل العسكري لمواجهة الفصائل الصومالية ونزع اسلحتها في احيان اخرى وهو ماحدث بالفعل في المواجهة مع فصيل التحالف الصومالي التي انتهت بالفشل والتراجع والتي نظر اليها الصوماليون على انها انحياز من جانب الامم المتحدة لصالح فصيل آخر مما افقد العملية صدقيتها وحيادها من وجهة نظر الشعب الصومالي.
رغبة الولايات المتحدة بالهيمنة علىالعملية الدولية لاقى معارضة دول اوروبية لها مصالح واهتمام بالصومال واهمها ايطاليا وفرنسا. فالاولى كانت تستعمر البلاد من قبل وتسيطر على جزء منه. والثانية لم تكن بعيدة يوما من الايام عن الصومال بل لازالت موجودة على ارض الواقع. وهذه الخلافات بين فرنسا وايطاليا من جانب والولايات المتحدة من جانب اخر كانت احد العوامل لحدوث الانشقاق داخل العملية الدولية حيث اتهمت الدولتان المنظمة الدولية بالانسياق وراء الجانب الأمريكي الذي حول العملية لحماية مصالحه في المنطقة وقد اتخذت ايطاليا موقفاً معارضاً للمارسات العسكرية للعملية ضد الجنرال فارح عيديد واعلنت ان المهمة الانسانية جرى التضحية بها في مقابل الاحلام الأمريكية ومن ثم تركت هذه الخلافات اثرها في عجز التدخل الدولي عن تحقيق اهدافه.

احتوت العملية على بذور التناقض في موقف القوة الرئيسة فيها وهي الولايات المتحدة التي رغبت في ممارسة ريادتها للعالم في عملية التدخل بالصومال بعد ان مارستها بيسر من قبل في الخليج العربي ولكن حينما تبين عمق (المستنقع) الصومالي بعد تحول المواجهة إلى حرب عصابات حضرية وسقوط ضحايا من المارينز الأمريكيين فان عقدة فيتنام عادت إلى الظهور بضغط الرأي العام الأمريكي على صانع القرار الذي سارع إلى إعلان سحب القوات الأمريكية في مارس 1994م. ويبدو ان الادارة الأمريكية برئاسة كلينتون شعرت بان العملية العسكرية في الصومال محسوبة في النهاية للادارة السابقة عليها صاحبة قرار التدخل وانعكس هذا الوضع على مدى ايمانها بدورها في الصومال وحماستها من اجل انجازه وهو الامر الذي ظهر في سرعة نكوص الولايات المتحدة عن هذا الدور وانسحابها المتسارع من العملية عقب انتقادات الكونجرس لها.

* أهم نتائج فشل التدخل الأمريكي والدولي في الصومال:
كان للنصر الذي حققته أمريكا في حرب الخليج الثانية دورا كبيرا في دفعها للمشاركة العسكرية في الصومال ويبدو انها اعتبرت نصرها في حرب الخليج مؤشراً على امكانية تكرار التجربة والفوز في اماكن اخرى ولكن النكسة غير المتوقعة التي تلقتها في الصومال اثبتت خطأ اعتمادها على صيغة واحدة متكررة في التعامل مع بؤر الصراع في العالم والتي تتباين فيها المؤثرات والمعطيات والقوى والاهداف فمما ساعد على نجاح حرب الخليج وقبول الرأي العام العالمي بها وضوح اهدافها وعدالتها النسبية حين كان العالم كله باتجاهاته المختلفة متفق على ادانة الغزو العراقي وعلى تحرير الكويت بعكس الازمة الصومالية التي شهدت حرباً اهلية واكتنفتها ظروف معقدة.

دفعت التجربة الفاشلة للولايات المتحدة بالصومال إلى اتجاهها نحو تغيير متدرج ولكنه شامل ونهائي لنظم التسليح وآليات الحرب ونوعية التقنية العسكرية المطلوب اعدادها للمرحلة القادمة ونظم انتشار القوات الأمريكية ونقلها إلى اماكن القتال ودرجة مشاركتها فيه بحيث يقل الاعتماد على الكم لحساب نوعية ارقى من المعدات العسكرية. بما من شأنه ان يبعد قدر الامكان المشاركة المباشرة للقوات البرية لان الرأي العام الأمريكي ليس مستعدا لقبول أي خسائر بشرية في القوات الأمريكية وتستطيع الولايات المتحدة تحقيق اهدافها دون اللجوء إلى الحرب البرية وقد استخدمت هذا الاسلوب في حربها في كوسوفو عام 1999م حيث اكتفت مع حلف الاطلسي بالغارات الجوية.
اعادة الولايات المتحدة ترتيب الاولويات في الاستراتيجية الأمريكية وامكانية التدخل العسكري فعندما لا تكون المصالح الحيوية المرتبطة مباشرة بامنها القومي مهددة تهديداً مباشراً فان بالامكان القاء تبعات عسكرية محدودة على الدول الاقليمية القوية الحليفة لها لتقوم فيها بما يمكن تسميته (الحرب بالإنابة) مهمتها الاساسية حماية المصالح الأمريكية في أي منطقة توتر تكون فيها المصالح الأمريكية معرضة للخطر.
اوضح تطور الاحداث خلال فترة ما بعد الانسحاب الدولي من الصومال عزوف القوى الدولية عن محاولة تسوية النزاع هناك بالقوة او حتى من خلال المفاوضات المباشرة مع قادة الفصائل ولكن ذلك لم يكن يعني اهمال المصالح الاستراتيجية لتلك القوى في المنطقة وانما اتخذت الدول والمؤسسات الغربية اسلوباً غير مباشر في التعامل مع معطيات الواقع الصومالي يقوم على اساس التنسيق مع القوى الاقليمية من اجل وضع ترتيبات تفرض تسوية ملائمة للاوضاع هناك.(30)

* الحرب في كوسوفا 1999م
-تداعيات الازمة في كوسوفا
ادى تحلل يوغسلافيا الاتحادية في النصف الاول من التسعينات كإحدى تداعيات تفكك الاتحاد السوفيتي إلى عودة شبح العنف وعدم الاستقرار إلى منطقة البلقان ومنها كوسوفا التي لم تنشأ ازمتها من فراغ بل كانت نتيجة لعداء تاريخي بين الصرب والالبان وهم-أي الالبان- السكان الاصليين لاقليم كوسوفو قبل ظهور الصرب في البلقان في القرن السابع الميلادي وقد فتح العثمانيون كوسوفا وحكموها لمدة خمسة قرون في اطار سيطرتهم على منطقة البلقان بأسرها واعتنق اهالي كوسوفا الاسلام واصبحوا من قادة الدولة العثمانية وظل الالبان يحلمون طيلة الحكم العثماني بتكوين البانيا الكبرى حتى تمكن الصرب من احتلال كوسوفو بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحروب البلقانية عام 1912م وتم ضم كوسوفا إلى الدولة اليوغسلافية وفي الحرب العالمية الثانية ساعد الالبان الزعيم اليوغسلافي(تيتو) في مقاومته للالمان مقابل الاستقلال لكنه لم يف بوعده لهم إلا أنه اضطر عام 1974م إلى منحهم حكماً ذاتياً موسعاً بعد مقاومتهم المستميته للحكم الصربي 0

الا ان الحكومة الصربية عام 1989م الغت الحكم الذاتي الممنوح للالبان فانتفض الالبان باستفتاء شعبي عام 1991م اكد رغبتهم في الاستقلال والانفصال وانتخبوا عام 1992م د/ابراهيم روجوفا رئيساً لهم وقد سعى روجوفا لاتباع سياسة المقاومة غير العنيفة حتى توقيع اتفاقية (دايتون) للسلام في يوغسلافيا التي تجاهلت حتى الاشارة لاوضاع كوسوفا وهو ما عجل بظهور الخيار العسكري المسلح لتحقيق الاستقلال خاصة مع استمرار سياسة القمع الصربي فانشئ جيش تحرير كوسوفو عام 1993م واعلن الجيش عن وجوده في يوليو 1997م وبدأ مقاتلوا الجيش في الظهور العلني مطلع ابريل عام 1998م واعلنوا ان هدفهم الاساسي هو تحقيق الوحدة أو التحرير من خلال تحقيق حلم البانيا الكبرى عن طريق المقاومة المسلحة0
ومارست الولايات المتحدة والدول الاوروبية ضغوطا على الجيش لقبول خطة السلام التي اعدتها أمريكا والدول الاوروبية في مفاوضات رامبويه والتي اقرت حكم ذاتي موسع لاقليم كوسوفو لمدة ثلاث سنوات يتم بعدها تحديد مصير الاقليم عن طريق الاستفتاء العام ونشر قوات من حلف الاطلسي في الاقليم من اجل تنفيذ الاتفاق ومراقبة التطورات وبعد ان قبل الجيش هذا الاتفاق رفضه الصرب وهو ما دعا حلف الاطلسي بقيادة الولايات المتحدة لشن حملات عسكرية على يوغسلافيا في 24 مارس 1999م

* الموقف الأمريكي من أزمة كوسوفا :
كانت الولايات المتحدة في بداية التسعينات اثناء فترة الرئيس جورج بوش ترغب في الحفاظ على وحدة يوغسلافيا وكان جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي قد زار بلجراد في يونيو 1991م وتحدث امام اجتماع حلف الاطلسي ومجلس الامن والتعاون الاوروبي محذراً كرواتيا وسلوفينيا من اعلان الاستقلال وبعد اربعة ايام فقط أعلنت كل من كرواتيا وسلوفينيا الاستقلال وتجاهلتا مناشدة الوزير الأمريكي فقد شعر البلدان بثقة كافية وهما يعلنان الاستقلال حيث لم تدخل المصالح الحيوية للولايات المتحدة في ذلك الشأن وكان بوش الذي غامر بسمعته بإرسال القوات الأمريكية للمشاركة في حرب الخليج ( 90 - 1991م ) وخرج بشعبية واحترام كبيرين 0
كان متردداً بعد ذلك في ارسال أي قوات أمريكية إلى الخارج مرة اخرى وفي عام 1992م كان الرئيس بوش يتعرض لانتقادات من قبل أعضاء الحزب الديمقراطي لعدم اهتمامه الكافي بالقضايا الداخلية وبناءاً على نصيحة مستشاريه اقتنع بترك زمام المبادرة للأزمة في يوغسلافيا لدول المجموعة الاوروبية الراغبة في القيام بدور ريادي ، وكان بيل كلينتون قد اختلف علناً مع الرئيس بوش اثناء الحملة الانتخابية حول معالجة ازمة يوغسلافيا السابقة واعطى الانطباع بأنه سيكون أكثر تشدداً في الناحية العسكرية وأكثر تأييداً لقضية المسلمين من الناحية السياسية وعندما تولى مهام منصبه في يناير 1993م بدأت إدارته على الفور بالنأي بنفسها عن المجموعة الاوروبية وبدأ وزير الخارجية الجديد وارن كريستوفر يوضح للكونجرس ولجهات اخرى انه ليس متحمساً لفكرة عقد المؤتمر الدولي حول يوغسلافيا السابقة الذي ترعاه المجموعة الاوروبية والامم المتحدة وكان البديل هو التركيز على دور أمريكي قيادي قوي يعرض افكاراً أمريكية جديدة للتعامل مع أزمة يوغسلافيا السابقة. (31)
وكثفت الولايات المتحدة الأمريكية جهودها السياسية والدبلوماسية مع الدول الاوروبية عبر مفاوضات رامبويه والخروج بخطة لإقرار السلام في يوغسلافيا وهو ما رفضه الصرب فدفع الولايات المتحدة عبر قيادتها لحلف شمال الاطلسي إلى اعلان الحرب في كوسوفا عام 1999م 0

* أهداف ومبررات الولايات المتحدة لإعلان الحرب في كوسوفا عام 1999م :
كان موقف الإدارة الأمريكية مبنياً منذ البداية على اساس ان الخيار العسكري انطلق من الرغبة في معاقبة نظام الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفتش وحكومة بلجراد على رفضهم لاتفاق رامبويه للسلام في كوسوفو وايضاً على الحملة القمعية العنيفة التي قامت بها السلطات الصربية ضد الاغلبية المسلمة في اقليم كوسوفو بالاضافة إلى تقليص قدرات صربيا على مواصلة العمليات الوحشية في اقليم كوسوفو ولكن بعيداً عن هذه الاهداف المعلنة فإن كثيراً من الباحثين والمراقبين للسياسة الأمريكية يؤكدون ان هناك دوافعاً اخرى كانت الولايات المتحدة تسعى لتحقيقها من وراء هذه الحرب من أهمها :
محاولة الاحتواء الجديد لروسيا والحيلولة دون ان تصل علاقاتها ببلدان المياه الدافئة إلى الدرجة التي تشكل بها محوراً من محاور العلاقات الدولية في عالم مابعد الحرب الباردة وتقتضي عملية الاحتواء الجديد لروسيا تطهير البلقان من آخر نخب الحرب الباردة ، وفي هذا الاطار يأتي الهدف التكتيكي المباشر من التدخل في كوسوفا هو اقامة قاعدة استراتيجية في البلقان تجمع ماسيتبقى من كوسوفا من ناحية والدول الاثنى عشر المحيطة التي يريد حلف الاطلسي ان يؤمن مصيرها من مقدونيا جنوباً إلى مجموعة دول البلطيق شمالاً على حدود روسيا لتكتمل سياسة الاحتواء الجديدة وتغلق حلقاتها التي تزداد ضيقاً على روسيا.(32)

محاولة استغلال هذه القضية من اجل وقف حركة الوحدة الاوروبية بعد ان كانت قد تلقت قدراً عالياً من قوة الدفع مع بدء العمل بنظام العملة الاوروبية الموحدة / اليورو / وعقب شيوع حالة من التفاؤل بمستقبل هذا الاتحاد في مختلف الاوساط الاوروبية ، وتعتبر السيطرة على اوروبا وتكييف عمليات الوحدة الاوروبية مع المصالح الأمريكية أحد أهم استراتيجيات الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة ، وقد استغلت الولايات المتحدة فشل مفاوضات رامبويه التي القت مسئولية فشلها بالدرجة الأولى على كاهل الدول الاوروبية لتثبت ان دول الاتحاد الاوروبي عجزت عن تنظيم دايتون اوروبية ناجحة على غرار اتفاق دايتون الذي رعته الولايات المتحدة بشأن تسوية الصراع في البوسنة وبذلك توصل أمريكا رسالتها بصورة ضمنية بأن الدول الاوروبية سوف تظل عاجزة عن صياغة الامن الاوروبي بعيداً عن المظلة السياسية والعسكرية الأمريكية ، وعلى الرغم من استمرار حركة تطور الوحدة الاوروبية بما ينطوي عليه ذلك من امكانية بروز اوروبا الموحدة كعملاق اقتصادي إلا انها سوف تظل عاجزة عن تسوية الصراعات الداخلية والاقليمية بمفردها وان الدور الأمريكي مازال حيوياً ومحورياً من اجل ضمان الامن الاوروبي وتسوية الصراعات الدولية عموماً والاوروبية خصوصاً.(33)

تكريس قوة ومكانة الولايات المتحدة بوصفها الدولة المؤهلة لقيادة النظام الدولي في القرن الجديد حيث ان هذه الأزمة مثلت تحدياً جوهرياً للدور الأمريكي ففشل مفاوضات رامبويه كان عائداً إلى رفض حكومة بلجراد لمشروع الاتفاق لأنه يخلق اوضاعاً من شأنها أن تساعد الولايات المتحدة على فرض هيمنتها على منطقة البلقان من خلال ما كان الاتفاق ينص عليه من نشر قوات لحلف شمال الاطلسي لمراقبة الاتفاق.(34)
استغلال هذه الحرب لتطبيق المفهوم الاستراتيجي الجديد الذي تبنته الولايات المتحدة للحلف وقد ارادت الولايات المتحدة من وراء وضع رؤيتها للمفهوم الاستراتيجي الجديد الذي يتخطى دور الامم المتحدة ومجلس الامن ويضع امر النظام الدولي بين ايدي حلف الاطلسي وقيادته الأمريكية موضع التطبيق توجيه اكثر من رسالة في وقت واحد : أولها إلى الدول الاوروبية الأعضاء في الحلف ومؤداها ان لا جدوى من معارضة الرؤية الأمريكية للمفهوم الاستراتيجي وان الولايات المتحدة هي صاحبة الاختصاص الاصيل في اعادة ترتيب العلاقات الاورواطلسية ، وثانيها : إلى الدول الاوروبية غير الاعضاء ومؤداها ان أمن واستقرار ورفاهية هذه الدول يعتمد بالاساس على علاقات جيدة مع واشنطن ومشاركة صادقة في تنفيذ ما تتخذه من قرارات ، وثالث هذه الرسائل كان موجهاً إلى روسيا الاتحادية ومؤداها ان لا جدوى من محاولات معارضة توسيع الحلف أو مقاومة مهامه الجديدة وان التطبيق هذه المرة يأتي على حساب أقرب حلفاء روسيا واشقائها في العرق السلافي.(35)

* استراتيجية الحملة العسكرية على كوسوفو ونتائجها :
تألفت الخطة العسكرية الأمريكية والأطلسية من ثلاث مراحل ركزت المرحلة الاولى منها على استهداف القوات الصربية المنتشرة في كوسوفو ومراكز الدفاع الجوي والاتصالات داخل صربيا والجبل الاسود ، أما المرحلة الثانية فقد اشتملت على تنفيذ هجمات مركزة وأكثر عنفاً وقوة ضد مواقع القوات الصربية ومواقع الدفاع الجوي في صربيا ، أما المرحلة الثالثة فقد كانت مرتبطة بطبيعة الموقف او رد الفعل الصربي بحيث انه اذا وافق الرئيس اليوغسلافي ميلوسيفتش على خطة السلام فإن حلف الاطلسي سيوقف العمليات الجوية ويقوم بإرسال قوة تتراوح بين 28 - 30 الف عسكري إلى كوسوفا للحفاظ على السلام ، اما اذا أصر ميلوسيفتش على موقفه المتشدد فإن المرحلة الثالثة من العمليات الجوية تستمر حتى عمق صربيا وهو ماحدث بالفعلومع تطور العمليات العسكرية بدا واضحا ان الاستراتيجية العسكرية الأمريكية والاطلسية فشلت في تحقيق الاهداف الموضوعة وأدت إلى نتائج معاكسة تماماً للمستهدف منها فقد اتجهت حكومة بلجراد نحو تنفيذ سياسة قمعية واسعة النطاق في اقليم كوسوفو وكان واضحاً ان تحقيق الحملة الاطلسية ضد يوغسلافيا كان غير ممكن بدون مشاركة قوات برية في العمليات العسكرية ومع ذلك فقد كان هناك العديد من التعقيدات السياسية والعسكرية التي دفعت حكومات دول حلف الناتو إلى استبعاد خيار التدخل البري في كوسوفو واكتفت بتكثيف عمليات القصف الجوي حتى توصل وزراء خارجية دول حلف الاطلسي الثلاث دائمة العضوية في مجلس الامن الدولي -الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا في الثامن من شهر يونيو 1999 م إلى اتفاق في اطار مجموعة الثمانية "الدول لصناعية السبع الكبرى وروسيا" على قرار يصدر عن مجلس الامن بخصوص تسوية الصراع في كوسوفو وانهاء ضربات الحلف الجوية ضد يوغسلافيا بعد 79 يوماً من بدايتها في 24 مارس 1999م وهو ما قبله الرئيس ميلوسيفيتش.

وبناءاً عليه فقد أصدر مجلس الامن في 10/6/1999م قراره رقم (1244) الذي اعتمد هذا الاتفاق وجاء قرار المجلس عقب توقيع الحكومة اليوغسلافية اتفاق تفاهم عسكري مع حلف الاطلسي بخصوص الخطوات العملية لتنفيذ خطة السلام الدولية التي تضمنها الاتفاق وبالنظر إلى مضمون هذا الاتفاق نجد انه ينطوي على العديد من الثغرات السياسية والامنية والعسكرية فقد نص الاتفاق على نزع سلاح جيش تحرير كوسوفو في حين انه لم يتناول من قريب او بعيد مسألة حق تقرير المصير بالنسبة لاقليم كوسوفو ، كما نص الاتفاق على الانسحاب الكامل للقوات الصربية من اقليم كوسوفو مع نشر قوة دولية مؤلفة من 60 الف فرد في الاقليم تكون لحلف الناتو الاغلبية فيها على ان تتولى هذه القوة توفير الحماية والأمن خلال عملية اعادة توطين حوالي مليون لاجئ ألباني فروا إلى الدول المجاورة 0

وامام واجهة عودتهم من تحديات عملية كبيرة في الواقع وقد اضطرت الولايات المتحدة ومن خلال هذا الاتفاق إلى قبول اسناد دور رئيسي للامم المتحدة في تسوية الصراع بعد ان كانت ترفض ذلك وايضاً قبولها مشاركة روسيا في قوة الحماية الدولية في كوسوفو.(36)

* أهم النتائج التي أظهرتها حرب كوسوفو :
أظهرت هذه الحرب العجز الاوروبي في المجال الامني حتى داخل القارة الاوروبية فثمة اعتراف غير مباشر بعجز اوروبا عن معالجة المشكلات الامنية والاثنية التي تثور بين ظهرانيها بمعزل عن دور فاعل ورئيسي للولايات المتحدة وإلى جانب هذا العجز فإن الحرب دفعت إلى اعادة النظر في دور بعض المؤسسات الامنية الاوروبية التي كانت قائمة تحت مظلة الاتحاد الاوروبي مثل اتحاد اوروبا الغربية الذي تشكل في بداية 1948م والفيلق الاوروبي الذي تشكل في التسعينيات، ونظرا لهامشية هذه المؤسسات فقد تقرر دمجها في اطار مؤسسات الاطلسي وفقاً لما اتفق عليه في قمة واشنطن بشأن إنشاء مكون اوروبي للاطلسي، ورغم ان فكرة المكون الاوروبي في الاطلسي تعني نظرياً انه بوسع الدول الاوروبية القيام بمهام عسكرية مستخدمة في ذلك امكانيات الاطلسي في حال لم ترغب الولايات المتحدة المشاركة الفعلية فإنه على الصعيد العملي يبدو الامر مختلفاً ذلك ان أي عمليات عسكرية حتى لو كانت اوروبية خالصة سوف تتطلب موافقة القيادة السياسية للحلف التي تتمتع فيها الولايات المتحدة بحقوق بارزة منها حق الرفض والتعديل أي أن أي عمل اوروبي عسكري لابد ان يكون مصحوباً بموافقة أمريكية.(37)

أظهرت أزمة كوسوفو الدور المهيمن للولايات المتحدة في حلف الناتو الذي برز في اكثر من مؤشر مثل قيادة العمليات العسكرية كإمتداد لقيادة الناتو نفسه وحجم التمويل والقوات الأمريكية التي شاركت في الحرب الجوية والمفاوضات النهائية مع روسيا والتي انتهت إلى صيغة التسوية السياسية ، وحسب مجلة / الايكونومست / فحتى الثامن من مايو كانت الولايات المتحدة قد تكفلت بـ 70 % من الطلعات الجوية وغطت 60 % من اجمالي تكاليف العمليات العسكرية وتكفلت بالنسبة الأكبر من اجمالي القنابل الـ 4000 التي القيت على صربيا ، وكان الجمهوريون في الكونجرس الأمريكي قد طالبوا بتوفير 13 بليون دولار أمريكي لتغطية تكاليف الحرب وقد وفرت الولايات المتحدة 7150 جندي و 16 قطعة بحرية و 249 طائرة حربية في حين وفرت بريطانيا 6600 جندي و 8 قطع بحرية و 35 طائرة حربية أما فرنسا فوفرت 3400 جندي و 5 قطع بحرية و 61 طائرة حربية في حين قدمت المانيا 4200 جندي وقطعة بحرية واحدة وثمان طائرات فقط.(38)
أظهرت حرب كوسوفو مظاهر الهيمنة الأمريكية في السياسة الدولية عبر استبعاد دور الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي عن قرار شن الحرب ضد صربيا وقد تحاشت الولايات المتحدة الرجوع إلى مجلس الامن لإصدار قرار شن الحرب خوفاً من استخدام روسيا لحق النقض / الفيتو / وما قام به حلف الناتو بقيادة أمريكا دون الرجوع إلى المؤسسات الدولية يشكل سابقة خطيرة قد تؤدي ليس فقط إلى تهميش دور الامم المتحدة في النظام العالمي وإنما إلى إلغاء دورها تماماً واحلال الحلف بقيادة أمريكا محل مجلس الامن فيما يتعلق بمسئولية المحافظة على السلم الدولي ، وبذلك تكون واشنطن قد وضعت لها سابقة يمكنها القياس عليها وتكرارها مستقبلاً في مواقع اخرى من العالم وهي امكانية التحرك العسكري تحت رايات حلف الناتو دون الحاجة إلى الحصول على تفويض من مجلس الامن ، ولعل الكارثة الارهابية التي لحقت الولايات المتحدة في الـ 11 من سبتمبر 2001م قد جعلتها تطالب بتطبيق المادة رقم ( 5 ) من معاهدة الحلف الخاصة بالتضامن المتبادل بين دوله كما أكد وزير الخارجية الأمريكي كولن باول انه تطبيقاً لهذه المعاهدة سيقوم بإقامة تحالف دولي قوي يشمل دول الحلف وروسيا والصين والشرق الاوسط وبذلك ستصبح الاستراتيجية الجديدة للحلف هي الانتقال من مرحلة الدفاع عن اراضي دول الحلف إلى الدفاع عن المصالح المشتركة خارج اراضيها بمعنى الهجوم والمبادأة والعمل ضد أي تهديدات أو أخطار في أي مكان كما حدث في أزمة كوسوفو ولكن هذه المرة تم استقطاب روسيا بد أن كان يتم إجهاض أي محاولة لإعادة بناء تحالف لها مع دول اوروبا.(39)

* الحرب الامريكية في افغانستان 00 الاهداف المعلنة وغير المعلنة
بعد أن وجهت الولايات المتحدة اصابع الاتهام صوب اسامة بن لادن وتنظيم القاعدة الذي يتزعمه عادت الانظار من جديد باتجاه أفغانستان باعتبارها البلد الذي يعيش فيه المدعى عليه بعد ان كانت قد انصرفت عنها في السنوات العشر الماضية والسبب في ذلك عائد وكما هو معروف إلى احدث الـ11 من سبتمبر2001م وما تعرضت له كل من نيويورك وواشنطن من هجمات انتحارية بواسطة طائرات مدنية امريكية طالت اهم رموز القوة الأمريكية الاقتصادية والعسكرية مما دفع الأمريكيين حينها إلى القول أن ما تعرضت له بلادهم هو بمثابة اعلان حرب والرد لا يكون الا بالمثل وهو الحرب.

وعليه بدأ الاعداد لها، فشكل الرئيس جورج بوش الابن حكومة حرب واستدعى (50) ألف من جنود الاحتياط ورصد لتمويلها حوالي (40) مليار دولار وأنشأت واشنطن تحالف دولي تحت قيادتها على قاعدة من ليس معي فهو ضدي، وعلى الصعيد الداخلي قاد بوش حملة مكثفة مستغلا حالة الفزع والخوف التي أصابت المجتمع الأمريكي والرغبة في الانتقام لتعبئة كل الموارد الممكنة المالية والمعنوية والسياسية وراء هذا التحالف ووراء حرب أمريكا الجديدة التي وصفها بوش وكثير من المسئولين الأمريكيين أنها حرب طويلة وغير تقليدية، لن تكون القوة العسكرية إلا إحدى أدواتها.
المعلن ان الهدف من وراء هذه الحرب هو القضاء على ما تسميه واشنطن الإرهاب الدولي لكن السؤال الذي يبدو مهما ونحاول الاجابة عليه، هل هذا هو الهدف الوحيد؟ ام ان هناك أهداف اخرى غير معلنة ؟

أولا : الأهداف المعلنة
لم يتردد المسئولون الأمريكيون كثيرا في تحديد أهدافهم من الحرب الجديدة التي يخوضونها في أفغانستان فقد اعلنوا صراحة ان قرار الحرب الذي تم اتخاذه انما جاء لتحقيق الاهداف التالية:
- القضاء على الإرهاب :
وجدت الولايات المتحدة في أحداث الحادي عشر من سبتمبر فرصة مناسبة للقضاء على تهديد أرق منظريها الاستراتيجيين وهو ما يطلقون عليه (الإرهاب الدولي) ، وذلك في خطوة استباقية لاجتثاث جذوره قبل أن ينمو ويقوى تهديده ويصبح القضاء عليه فيما بعد اكثر صعوبة.
إذ يرى المنظرون الاستراتيجيون الأمريكيون أن مصادر التهديد المستقبلية ضد الولايات المتحدة لن تأت من حرب تقليدية تخوضها مع دولة أخرى سواء بأسلحة تقليدية أو شاملة لغياب الدولة القادرة أو المستعدة لذلك في الوقت الراهن او خلال العشرين السنة القادمة ، ولكنها تأتي من مصادر تهديد أخرى أبرزها الإرهاب الدولي(40) الذي تقوم به جماعات معادية صغيرة العدد محكمة التنظيم تستخدم أدوات غير تقليدية لإلحاق أضرار جسيمة بأمن الولايات المتحدة أو مصالحها في العالم كالذي حدث في الحادي عشر من سبتمبر.
فضلا عن ذلك يرى الأمريكيون أن خطر الإرهاب اليوم لا يأتي بشكل رئيسي من دول إرهابية أو داعمة للإرهاب كما كان في السابق ولكنه يأتي من منظمات غير رسمية ضعيفة الصلة بالحكومات تتجاوز الحدود القومية ولا ينتمي أعضائها لدولة واحدة بعينها مثل تنظيم القاعدة(41) هذه التنظيمات المتعددة الجنسيات هي الخطر القادم في عصر العولمة ، فهو مناسب لها (وهي مناسبة له) ، إذ تعطيها تكنولوجيا العولمة وسائل ايسر واكثر سرعة للتواصل والتعبير عن الرأي فبواسطة الهواتف النقالة والبريد الإلكتروني وشبكة الإنترنت تستطيع نشر رسائلها وعقد الصفقات ووضع خطط العمليات وإصدار أوامر التنفيذ والتواصل مع عناصرها المنتشرة في مناطق متباعدة من العالم بيسر وفي زمن قياسي فتلاشي الحدود القومية وتقليص مبدأ السيادة يجعل من إمكانية انتقال الأفراد والأموال والمعلومات اكثر سهولة ، كل ذلك يعطيها البيئة المناسبة للنمو والتطور ويجعلها أكثر قدرة على التأثير.

وعلى ماسبق يرجح الأمريكيون أن تكون المنطقة العربية والإسلامية هي المصدر الأول لهذا الخطر لعاملين الأول بسبب تعاظم الصحوة الدينية وانتشارها في المنطقة والتي يتوقع الأمريكيون زيادة انتشارها في المستقبل نتيجة لاحتمال عجز الأنظمة الحاكمة فيها عن تحقيق انجازات اقتصادية واجتماعية مقبولة على المدى القريب والمتوسط بسبب زيادة السكان وسوء الإدارة وفساد الدولة وانتشار البطالة وارتفاع نسبة الدين الخارجي وثانيا: بسبب سياسة الولايات المتحدة فيها والتي لا تستطيع أن تغيرها لأنها مرتبطة بمصالح استراتيجية ثابتة ، فهي لا تستطيع التخلي عن دعم إسرائيل وضمان تفوقها ولا تستطيع أن تتخلى عن دعم الأنظمة غير الديمقراطية الموالية لها او تقدم لها الحلول والمساعدات اضف إلى ذلك ما سوف ينتج عن تطبيق نظام العولمة من تدخل اكبر للدول الكبرى والشركات الكبرى في الشئون الداخلية للدول النامية الأمر الذي لن يجعل أمام بعض جماعات وحركات المعارضة والتي اغلبها إسلامية سوى وسيلة العنف والاستهداف العسكري للمصالح والأهداف الأمريكية في المنطقة والعالم وحتى داخل الولايات المتحدة للتعبير عن معارضتها للسياسات الأمريكية.

- القضاء على أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة.
لقد صرح أحد المسئولين الأمريكيين حسب ما جاء في صحيفة نيوز ويك بتاريخ 20/2/2001م " أن ابن لادن يريد برنامجا تخريبيا مدته مائة عام وأنه الأكثر خطورة على الأمن القومي الأمريكي فله أيادي في اكثر من ثلاثين دولة ويسعى إلى امتلاك أسلحة دمار شامل "، وبالتالي يعتبر القضاء عليه وعلى تنظيم القاعدة هدف حيوي في الحرب الأمريكية ضد الإرهاب من الصعب أن تتخلى عنه بسهولة مهما كانت التضحيات حتى لو اتضح لها ان الفاعل الحقيقي للاعتداء الذي تعرضت له الولايات المتحدة ليس اسامة بن لادن ،فقد قدمت أحداث الحادي عشر من سبتمبر للولايات المتحدة فرصة على طبق من ذهب ربما طال انتظارها لاجتثاث خطر من المرشح أن يكون مصدر التهديد الأول لها في المستقبل خاصة إذا ما أتيح له البقاء والاستفادة من الإمكانيات التي لديه في التطور والنمو وكسب أعضاء جدد .

- تغيير نظام طالبان :
يعتبر تغيير نظام طالبان هدف مهم لواشنطن ولكنه ليس حيوي كالقضاء على بن لادن وتنظيم القاعدة في حربها ضد الإرهاب ، ذلك أنها لا تعتبر نظام طالبان حكومة إرهابية تمارس الإرهاب ولكنها فقط تقدم المأوى للإرهابيين الممثلين بإسامة بن لادن وعناصر تنظيم القاعدة وبعض جماعات المعارضة الإسلامية من الدول المجاورة مثل أوزبكستان وطاجاكستان(42)
لكن ما بات بحكم اليقين ان مصالح الولايات المتحدة تقتضي ازالة حركة طالبان وإقامة نظام سياسي جديد موالي لها تفرضه في أفغانستان ليؤمن لها وجود عسكري دائم في المنطقة هي في حاجة استراتيجية ملحة إليه.

- ثانياً : الأهداف غير المعلنة :
يجمع كثير من المراقبين والمحللين السياسيين على أن للولايات المتحدة خلف هذا الحشد العسكري الكبير والتحالف الواسع أهداف أخرى غير معلنة… يؤيد هذا سرعة توجيه اصابع الاتهام والعجلة في اتخاذ قرار الحرب العسكرية قبل حتى ان تبدأ التحقيقات الفعلية لكشف من يقف وراء الاحداث وحجم القوات العسكرية التي لا تتناسب البتة مع الاهداف المعلن عنها مما يوحي بتحرك أمريكي يتجه إلى استباق الأحداث بصورة ملفتة للنظر وكأنها تحاول استغلال احداث 11 سبتمبر لتحقيق قائمة من الأهداف المخطط لها سلفاً والتي كانت تشكل تحديات جدية بالنسبة لها عجزت سياساتها الخارجية في الفترة الماضية عن تحقيقها بأدواتها الاعتيادية الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية ومن ثم فهي تحاول الآن تحقيقها بأدوات استثنائية على خلفية تلك الاحداث

- القرب من بحر قزوين :
قبل إحداث نيويورك وواشنطن بأيام معدودة تصاعدت الخلافات بين إيران وأذربيجان إلى درجة التهديد باستخدام القوة العسكرية ، بعد أن حاولت شركة ( بريتيش بتروليم ) البريطانية التنقيب في مناطق متنازع عليها بين إيران وأذربيجان لصالح الأخيرة .. حينها تدخلت تركيا والولايات المتحدة لصالح اذربيجان وهو ما أثار مخاوف موسكو وطهران من تدخل أطراف أخرى خارجية(43)، واستمرت الأزمة حتى وقعت إحداث الحادي عشر من سبتمبر التي طغت عليها ، ويتفق كثير من المراقبين على أن ما تقوم به الولايات المتحدة حالياً في أفغانستان لن يكون بعيدا بأي حال من الأحوال عما ستؤول إليه الأوضاع المستقبلية في منطقة بحر قزوين.
لقد أدت الاكتشافات النفطية والغازية الهائلة في منطقة بحر قزوين إلى تزايد أهميتها الاستراتيجية حيث تقدر وزارة الطاقة الأمريكية الاحتياطي النفطي فيها بحوالي 200 مليار برميل نفط وهو ما يعادل في حجمه الاحتياط الواقع تحت رمال المملكة العربية السعودية والمقدر نسبته مابين 15-20% من الاحتياطي العالمي أما بالنسبة للغاز الطبيعي فيقدر احتياطي المنطقة بحوالي 200 ترليون قدم مكعب غاز طبيعي(44) ومن المنتظر أن تبدأ أذربيجان مع نهاية 2001م في استخراج خمسة مليارات متر مكعب سنوياً من الغاز الطبيعي من خمسة حقول فقط من مجموع 48 حقلاً بحرياً ، ليصل ما تنتجه في غضون السنوات القليلة القادمة إلى حوالي 10-15 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً وإذا وضعنا في الاعتبار الكميات المنتجة من نفس البحر من قبل إيران وتركمانستان وكازاخستان ، فإنه من المتوقع أن يرتفع ما ينتجه بحر قزوين من الغاز الطبيعي إلى حوالي 70-80 مليار متر مكعب سنوياً. (45)
وبناء على تلك التوقعات سعت الشركات الأمريكية والبريطانية إلى أن يكون لها نصيب الأسد في الاستثمارات النفطية في المنطقة انطلاقا من الاستراتيجية الأمريكية في مجال الطاقة والتي تقوم على أربعة مبادئ(46)

- أولاً : تعدد مصادر النفط والطاقة عموما ، وعدم الاعتماد بصورة أساسية على نفط الخليج الذي يشكل حوالي ثلثي الاحتياطي العالمي.
- ثانياً : تعدد طرق النقل وخطوط الإمداد ، فلا يكفي تعدد المصادر بل يجب تعدد المسارات لتقليل احتمال تعرضها للمخاطر.
- ثالثاً : الحصول على النفط بأسعار مناسبة (رخيصة).
- رابعاً : منع القوى المنافسة من السيطرة على النفط 0
تركز الولايات المتحدة في استراتيجيتها هذه حالياً على العمل على إيجاد مصادر إضافية إلى جانب نفط الخليج وعدم الاعتماد عليه فقط حتى تبقى الأسعار عند مستوى منخفض فمن المتوقع ارتفاع معدل الاستهلاك العالمي للنفط من حوالي 75 مليون برميل يومياً عام 2000م إلى ما يزيد عن 100 مليون برميل يومياً عام 2015م(47) مما سيؤدي في حال عدم وجود مصادر إضافية إلى الدفع بالأسعار إلى ما فوق 48$ دولار للبرميل الواحد كما أن تزايد اعتماد الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا واليابان على نفط الخليج فقط سيقلص كثيراً هامش المناورة أمام سياستها تجاه منطقة الشرق الأوسط بفعل تزايد حاجة السوق العالمي لهذه السلعة.
الامر الذي سيحد من قدرة الولايات المتحدة على توجيه ضربات أو فرض حصار لأي من العراق وليبيا وإيران حتى لا يؤثر انقطاع ما تنتجه هذه الدول من نفط على حجم المعروض العالمي وبالتالي الأسعار.

والمخرج من هذا المأزق بالنسبة للولايات المتحدة بالإضافة إلى أحكام قبضتها على نفط الخليج يأتي من تشجيع إنتاج النفط في مناطق أخرى من العالم وانسب المناطق حالياً هي منطقة بحر قزوين، فنجاحها في بسط سيطرتها على منطقة بحر قزوين بالإضافة إلى منطقة الخليج العربي يحقق لها ، كما أكد الخبير الاستراتيجي اللواء عثمان كامل في خبر لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) السيطرة على أهم مصدرين للطاقة في العالم النفط والغاز الطبيعي وهو ما يحقق بالتالي استمرار الهيمنة الاقتصادية الأمريكية على أوروبا واليابان والعالم ويبقيها القوة العظمى الوحيدة خلال القرن 21.(48)
ورغم أن الاكتشافات في منطقة بحر قزوين قد ظهرت في العام 1993م الا أنه لم يتم تنمية الإنتاج النفطي لهذه المنطقة حسب ما هو مؤمل بسبب وجود عوائق كثيرة أهمها أنها منطقة مغلقة الدول المنتجة للنفط فيها ( أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان ) محاطة باليابسة من جميع الجهات عدا إيران، ويحتاج الاستفادة من نفطها لخطوط طويلة من الأنابيب تمر بعدة دول تفتقر من وجهة النظر الغربية إلى الاستقرار السياسي وتعج بالنزاعات العرقية والحدودية ونمو التطرف الإسلامي.(49)

بالإضافة إلى عدم حسم الخلاف الدائر بين الدول المطلة على بحر قزوين وهو هل يعتبر بحيرة مفتوحة وبالتالي تقسم ثرواته بين الدول طبقاً لطول سواحل كل دولة ؟ وهي وجهة النظر التي تتبناها أذربيجان صاحبة أطول خط ساحلي فيه أم يعتبر منطقة مغلقة لا يمكن تقسيمه إلى قطاعات بل يتم استغلال ثرواته بشكل جماعي من قبل الدول المطلة عليه وتوزع العوائد عليها جميعاً بنسب يتم الاتفاق عليها ويؤيد وجهة النظر هذه إيران وإلى حد ما روسيا(50)
ومن المرجح أن مستقبل المنطقة (منطقة بحر قزوين) بعد الحرب ستختلف عن الوضع قبلها ، لإن الدلائل تشير إلى أن القوات الأمريكية مرشحة للبقاء والمرابطة في المنطقة سواء انتهت الحرب سريعاً أو طال أمدها ، وهو ما يعني قلب الموازين والحسابات الخاصة في منطقة بحر قزوين فبعد أن كانت الولايات المتحدة تحاول التدخل فيها إما بالوكالة عن طريق تركيا أو بالتنسيق مع أذربيجان فإنها ستصبح شريك في المنطقة وسيكون لزاماً على باقي الأطراف عدم إغفالها عند الحديث عن مستقبل بحر قزوين وكيفية توزيع ثرواته.

* السيطرة على التفاعلات الاستراتيجية في آسيا الوسطى:
قد يكون النفط والغاز القزويني هو السبب الأول لرغبة الولايات المتحدة الشديدة للتواجد في منطقة أسيا الوسطى ولكنه ليس الوحيد، فالولايات المتحدة تنظر إلى منطقة آسيا الوسطى على أنها ستكون محور التفاعلات الاستراتيجية الدولية في القرن الحالي لتركز عدة قوى دولية (الصين- روسيا) وأخرى صاعدة (الهند -باكستان -إيران ) ،وتشير عملية إعادة الاصطفاف والتكتل التي تجري فيها كما يقول هنري كيسنجر في كتابه الأخير(هل تحتاج أمريكا إلى سياسة خارجية) إلى قيام نظام إقليمي جديد سيؤثر على وضع الولايات المتحدة كقطب اوحد للنظام الدولي ،فقد وقعت كل من روسيا والصين في 16/7/2001م على معاهدة الصداقة الاستراتيجية التي تقضي بتقوية التعاون السياسي والاقتصادي بين الدولتين في مجالات النقل والطاقة والتجارة والتبادل التكنلوجي والتسليحي خلال العشرين السنة القادمة، وتنظر روسيا إلى هذه المعاهدة على أنها ترسيخ لعالم متعدد الأقطاب، وكانت كلاً من الهند وروسيا وإيران قد وقعت في مايو 2001م اتفاقية ( اتحاد النقل الاوراسي ) وقبل ذلك وتحديدا في يونيو 2000م اسست كل من الصين وروسيا وكازاخستان وتركمانستان وطاجيكستان وأوزبكستان منظمة شنغهاي للتعاون والتي كان الهدف الأساسي لأنشائها محاربة ما يسمى بـ(التطرف الإسلامي) ولكن تفكير أعضائها فيما بعد تحول تدريجياً إلى قضية التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري خاصة بعد اعادة بناء مشاريع الطرق والسكك الحديدية التي تربط بينهما، كجزء مما يعرف بمشروع طريق الحرير الحديدي الجديد، وهو مشروع عملاق يربط بين القارتين الآسيوية والأوروبية عبر الصين وسيبيريا الروسية بواسطة سكة حديد طويلة تمر بآسيا الوسطى من المتوقع أن يكون لها آثاراً اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية وان تعزز التقارب الاقتصادي بين دول شمال شرق آسيا وكوريا واليابان وروسيا والصين ودول آسيا الوسطى.

وكانت دراسة أمريكية أعدها معهد(راند في يونيو 2001م) وهو معهد مقرب من وزارة الدفاع الأمريكية(البنتاجون) قد حذرت الرئيس الأمريكي جورج بوش من أن الوجود الأمريكي في منطقة آسيا الوسطى لا يتناسب مع أهميتها الاستراتيجية المتنامية والتفاعلات التي تجري فيها وأوصت بإقامة قاعدة عسكرية في سلطنة عمان(أقرب مكان متاح) من القوى الآسيوية الصاعدة في منطقة آسيا (الصين، الهند، ايران ، باكستان) ولأن الفرص (كما تقول الدراسة) قليلة أمام البنتاغون للفوز بإنشاء قاعدة عسكرية في المنطقة ، فإن عليها أن تتحول إلى سلطنة عمان التي تبعد عن باكستان 800 كيلومتر فقط.
وأضافت الدراسة أن على إدارة بوش العمل على تطوير استراتيجية عسكرية متوازنة تحول دون تطور الصين أو الهند أو أي قوى آسيوية أخرى إلى قوة مهيمنة في هذه القارة ، لأن أي قوة آسيوية مسيطرة ستسعى إلى إضعاف دور الولايات المتحدة في آسيا وستلجأ على الأرجح إلى استخدام القوة لتأكيد مطالبها).(51)

- تعزيز الاستفراد الأمريكي بالنظام الدولي:-
تدرك الولايات المتحدة ان قيادتها للعالم في ظل نظام القطب الواحد الذي تهيمن عليه معرض للانهيار مع تزايد المساعي الدولية لاقامة نظام دولي متعدد الأقطاب يحد من هيمنتها مالم تحتط لذلك بأمرين :
- الأول: سيطرتها على مناطق التدفقات النفطية.
- الثاني: بقاء أوروبا تحت المظلة الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأمريكية وعدم خروجها عنها.

ان أكثر ما كان يجمع أوروبا والولايات المتحدة تحت مظلة واحدة هو وجود عدو مشترك يتربص بهما وهو الخطر السوفيتي السابق، ولكن بعد زوال هذا الخطر لم يعد هناك ما يمنع أوروبا عن ان تستقل عن الخط الأمريكي وتأمين نفسها وحماية مصالحها وهو ما يعني دخولها لا حقاً بفعل طبيعة الحياة في صراع مع حليفتها السابقة الولايات المتحدة حول المصالح الاقتصادية والتجارية في المناطق الحيوية من العالم، فقد حذرت دراسة أشرفت عليها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تستشرف أحوال العالم في العام 2015م من أن (تصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا قد يؤدي إلى انهيار تحالفهما).(52)
خوف الولايات المتحدة من خروج اوروبا من تحت عباءتها جعلها ومنذ فترة مبكرة تتبنى سياسة البحث عن عدو خارجي في سياستها الخارجية من الصين وروسيا وكوريا الشمالية إلى إيران والعراق إلى عدوها الجديد(الإرهاب) الذي وجدته العدو المناسب هذه المرة لإعادة حشد التحالف الأوروبي والدولي تحت قيادتها لمواجهته، وأحسن ما في هذا العدو الجديد أنه غير ظاهر وغير محدد بمكان معين بحيث يمكن استخدام بعض الألاعيب والتهويل الاعلامي لجعله يبدو أكبر من الخطر الشيوعي آلاف المرات وأنه يوجد في كل مكان تريد أن يكون موجوداً فيه.

- احتواء الصحوة الإسلامية في منطقة آسيا الوسطى:
جاء في تقرير رسمي ألماني أن أكثر ما يجذب اهتمام الغرب بآسيا الوسطى وتصدرها مرتبة متقدمة في الأجندة الاستراتيجية الغربية عاملين الأول تنامي القوى الإسلامية بعد زوال الاتحاد السوفيتي ، والثاني الاكتشافات النفطية والغازية، وأشارت إلى أن المعارك التي دارت بين قوات من قرغيزيا وأوزبكستان وطاجيكستان من جهة والمقاتلين الإسلاميين المتمركزين في وادي فراغنة- الواقع بين الدول الثلاث- قد أثارت مخاوف شركات النفط الغربية التي تستثمر أموالاً طائلة في آسيا الوسطى بسبب توجسها من أن يؤدي تزايد قوة المقاتلين الإسلاميين في الأخير إلى انفلات زمام الأمور من أيدي حكومات الجمهوريات الثلاث والتي تتهم حركة طالبان الأفغانية بالوقوف خلف المقاتلين الإسلاميين ودعمهم.(53)

وما يؤكد على أن منع تنامي قوة الحركات الإسلامية في آسيا الوسطى أحد أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة هو قيام وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت بزيارة دول المنطقة (قرغيزيا وكازاخستان واوزبكستان) في 14-18/4/2000م وتحريضها ضد الصحوة الإسلامية في هذا الدول وحث حكوماتها على محاربة ما وصفته (بالإرهاب) ، وقيامها بمنح قرغيزيا مبلغ ثلاثة ملايين دولار أمريكي كدعم أمني لمساعدتها - كما جاء في وكالة الأنباء الفرنسية- على وقف انتشار (الإسلام السياسي) وتجارة المخدرات وتوقعت الوكالة الفرنسية أن نفس المبلغ قد منح لكل من كازاخستان وأوزبكستان لنفس الغرض مشيرة إلى أن واشنطن قد افتتحت مكتبا للمباحث الفدرالية (FBI) في كازاخستان بحيث يخدم دول آسيا الوسطى.(54)
ورغم الخطر الذي تشعر به كلاً من روسيا والصين من الوجود الأمريكي في المنطقة إلا أن العامل الحاسم في تأييدهما للجهود الأمريكية في حربها الدائرة حالياً في أفغانستان يعود إلى اتفاقهما مع وجهة النظر الأمريكية على ضرورة منع انتشار التيار الإسلامي الأصولي في جمهوريات آسيا الوسطى والأقاليم الإسلامية من الصين وروسيا الاتحادية والذي يهدد استقرار المنطقة برمتها من وجهة نظرهما، ويرى الجميع أن أفغانستان في ظل حكومة طالبان تشكل القاعدة الام لانتشار تيار الإسلام الأصولي (الوهابي) في المنطقة ، على اعتبار أن المجاهدين الذين شاركوا في الجهاد ضد الغزو السوفيتي والذين جاءوا من الدول المجاورة لأفغانستان ولا زالوا يقيمون فيها ، يشكلون قواعد خلفية لتشجيع ونشر الفكر الإسلامي في بلدانهم .(55)

- الوجود قريباً من باكستان:
أصبحت باكستان وأفغانستان تشكلان في نظر الغرب بؤرة الأصولية الإسلامية المعاصرة نتيجة للعديد من التراكمات ،فقد كان لظروف المواجهة مع الاتحاد السوفيتي عسكريا في الأراضي الأفغانية في الثمانينات دور مؤثر في تعميق المشاعر الدينية والمفاهيم الجهادية لدى الشعبين الباكستاني والأفغاني هذا من جهة ومن جهة أخرى كان لقيام دولة باكستان على اساس ديني ومن ثم استخدامه كأحد عناصر المواجهة مع الهند من خلال تبنيه رسميا من قبل الحكومة اسهاما آخر في تنامي التيار الإسلامي ، وفضلا عن ما تم ذكره فباكستان ومعها بطبيعة الحال أفغانستان اصبحتا في نظر الغرب الملاذ و والملجأ الذي تحتمي به العناصر الإرهابية ليس ذلك وحسب فمخاوف الغرب والولايات المتحدة تحديدا تتزايد كلما ادركت ان باكستان قد تحكم مستقبلا من قبل الإسلاميين خاصة وان للجماعات الإسلامية تواجدا في مؤسسات الدولة الهامة (الجيش والأمن) وهي دولة عضو في النادي النووي وما قد يترتب على حدوث احتمال كهذا من مخاطر مثل تسريب التقنية النووية إلى دولة إسلامية او ما يتوقع من حكومة كتلك من تبني سياسات متشددة ضد الهند وعملية التسوية في الشرق الأوسط واسيا الوسطى.

كل ما سبق ربما فرض على الولايات المتحدة ضرورة التواجد قريبا من باكستان سواء أكان الهدف من ذلك محاصرة التيار الديني او بهدف تحييد القوة النووية وإخضاعها للرقابة… فقد حثت الدراسة التي اعدها ثمانية باحثين أمريكيين بارزين من بينهم (زاليماوي خالبزاد) كبير الاستراتيجيين في شئون الأمن العالمي في مجلس الأمن القومي الأمريكي الإدارة الأمريكية على ان تكون قريبة من باكستان التي تعتبر بالكاد شريكا موثوقا به كما ان الأوضاع الداخلية التي تشهدها تجعل منها بلدا معرضا لمزيد من الاضطرابات في المستقبل على الأرجح.(56)

- محاصرة إيران:
باتت جمهورية إيران الإسلامية تحتل أهمية كبيرة في نظر الغرب والولايات المتحدة تحديد، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الذي منحها قدرة أكبر على الحركة في مناطق نفوذها السابقة في آسيا الوسطى وإحياء روابطها التاريخية معها، أضف إلى ذلك أن إيران بعد الاكتشافات النفطية في بحر قزوين أصبحت تجثم على ثروة هائلة من النفط والغاز كونها إحدى الدول المطلة عليه، وهو ما يعطيها إمكانية كبيرة على النمو الاقتصادي السريع والتقدم في مجالات عدة، وتتوقع دراسة أشرفت عليها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أن تكون إيران دولة نووية في الفترة القريبة وربما تقتحم عالم الفضاء قبل العام 2005م.(18)
يعزز المخاوف الأمريكية أيضا تنامي العلاقات الإيرانية الروسية إلى درجة ربما تصل إلى التحالف الاستراتيجي في الأجل القريب والذي حتماً سينعكس سلباً على النفوذ الأمريكي في منطقة آسيا الوسطى وبحر قزوين.
ورغم المحاولات الأمريكية للتقارب مع إيران والتي عبَّرت عنها زيارة وزير الخارجية البريطاني جاك استرو لطهران مؤخراً كأول زيارة من نوعها لمسئول غربي منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979م.
إلا أن البعض ينظر إليها كإجراء تكتيكي لضم إيران إلى دول التحالف حيث ولازال هناك الكثير من خطوط التقاطع بين إيران والولايات المتحدة منها الخلاف الحاد بين الدولتين حول طريقة تقسيم ثروات بحر قزوين وطرق مرور الأنابيب، فواشنطن تؤيد أذربيجان وتقف وراء مشروعات أنابيب النفط التي تمر بالأراضي التركية وذلك حتى تضمن تدفق نفط قزوين بعيداً عن روسيا وإيران بهدف إبعادهما عن المكاسب والمزايا الاقتصادية التي يمكن أن تحصلا عليها وهو ما يعد مخالفا لطموحات طهران التي ترغب بمرور خط الأنابيب من أراضيها بوصفه أقصر الطرق وأيسرها للوصول إلى أسواق النفط العالمية
ومنها أيضاً أن الولايات المتحدة لا زالت تنظر إلى إيران كإحدى الدول الداعمة (للإرهاب) بفعل معارضتها لعملية السلام في الشرق الأوسط وتبنيها لسياسات داعمة للمنظمات الإسلامية الجهادية (حزب الله ، حماس ، حركة الجهاد) التي تعتبرها الولايات المتحدة منظمات(إرهابية).

يقول زولتان جروسمان من جامعة ويسكونسين ماديسون ان السبب الرئيسي الذي من اجله تحارب امريكا يتمثل في انها خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وجدت نفسها مجابهة بمنافسة من كتلتين اقتصاديتين صاعدتين في أوروبا وشرق اسيا، فبالرغم من انها ظلت تعتبر القوة العظمى العسكرية الاخيرة فانها كانت تواجه تراجعا في قوتها الاقتصادية النسبية في مواجهة الاتحاد الاوروبي والكتلة الاقتصادية الشرق اسيوية التي تمثلها اليابان والصين والنمور الاربعة الاسيوية. وقد واجهت الولايات المتحدة احتمال الاطاحة بها اقتصاديا بصورة كبيرة خارج الكتلة الاورواسيوية. وهذا يفسر الدافع الرئيسي وراء الحروب
مركز البحوث والمعلومات/ قراءات سياسية(العدد 8 فبراير 2003)
أخبار ذات علاقة
  • الولايات المتحدة مازالت واثقة من الالتزام الأسباني في العراق
  • [06/نوفمبر/2003]
  • وزير الخارجية التركي يدعو الولايات المتحدة إلى تحسين الأمن في شمال العراق
  • [25/أغسطس/2003]
  • خاتمى يحمل الولايات المتحدة مسؤولية الوضع المتردى فى العراق
  • [21/أغسطس/2003]
  • الولايات المتحدة تسعى الى زيادة التحالف الدولى فى العراق
  • [21/سبتمبر/2003]
  • استراتيجى أمريكى :الولايات المتحدة خسرت حرب العراق
  • [02/يناير/2005]
      المزيد من (وكالة الأنباء اليمنية سبأ)
    ابرز متغيرات الوطن العربي خلال عام 2006م
    العلاقات اليمنية العربية وابرز ما شهدته خلال عام 2006م
    العالم 2005 - يوميات دولية (3)
    العالم 2005 -يوميات دولية (2)
    العالم 2005 -يوميات دولية
    وكالة الأنباء اليمنية سبأ ترصد العلاقات اليمنية العربية في عام 2005م
    حصاد 2005.. أنشطة وفعاليات مجلس الوزراء .. اضافة أولى وأخيرة
    حصاد 2005.. أنشطة وفعاليات مجلس الوزراء
    جنوب لبنان خمسة أعوام من التحرير
    الإتحاد البرلماني العربي .. نبذة تعريفية