|
الارهاب والتطرف في اليمن 00 قراءة في الأسباب العقيدية والفكرية 0 [19/يونيو/2003] كتب/ زايــد جابر
في برقية العزاء التي بعثها الى اسرة الشهيد/ جارالله عمر في 28/12/ 2002 لخص الرئيس علي عبدالله صالح - بكلمات موجزة- الأسباب الرئيسية التي ذهب ضحيتها الشهيد /جارالله عمر حيث قال: " إن الفقيد (رحمه الله) ذهب ضحية للعنف والتطرف والتعبئة الخاطئة والتعصب الأعمى على يد أحد المتطرفين من الذين انحرفوا في تفكيرهم وسلوكهم وآمنوا بالعنف والقوة وسيلة لفرض رؤاهم وافكارهم المتعصبة والمتحجرة والتي لاتستقيم بأي حال مع نهج الحرية والديمقراطية والتعددية الذي إنتهجته بلادنا خياراً وطنياً حضارياً لا تراجع عنه لصنع التقدم والازدهار للوطن". ومما لاشك فيه أن هذه المأساة التي ولدتها ثقافة العنف والتطرف والتعبئة الخاطئة والتعصب الأعمى لم تكن نبتاً شيطانياً ظهر في بلادنا هكذا فجأة وبغير مبرر ولا مناسبة إنه في الحقيقة محصلة لأسباب وتراكمات كثيرة تاريخية ومعاصرة وحصاد لما زرع- ولايزال- من غرس ومن الخطأ أن يفصل هذا الفكر المتطرف – الذي نعاني منه اليوم عن مجمل الظروف التي أفرزته، واذا كان هذا التطرف قد وصل اليوم إلى المرحلة الحرجة والخطرة وهي انتقال المتطرفين من التطرف الفكري النظري الى التحدي والتصادم مع الواقع الاجتماعي والقانوني- الأمر الذي ينتقل بالممارسة من حدود الفكر الى نطاق التجريم، إذ لم يعد التطرف مجرد شذوذ على النظام الاجتماعي والقانوني ولكنه تحول الى عمل موجه ضد النظام والمجتمع ومصالح الوطن العليا مما يستلزم - بالتأكيد - تغييراً في مدخل التعامل وأسلوبه إذ لاشك أن هذه المرحلة من التطرف لا تواجه إلا بسلطة الدولة والقانون. بيد أن ذلك وحده -رغم أهميته- ليس بكاف لتخطي هذه الأزمة نهائيا والقضاء على جذورها ومنابعها، إذ أن ذلك يتطلب مواجهة هذه الفتنة في جبهات متعددة وضمن خطة متكاملة تأخذ في اعتبارها تشخيص هذه الحالة بدقة والإحاطة بجميع جوانبها وأعراضها وكشف اسبابها المتعددة ومن ثم العمل على مواجهة هذه الأسباب والتصدي لها بأقصى قدر ممكن من الصراحة والشجاعة والحسم، لأن أي سكوت أو مداراة على هذه الاسباب هو بمثابة تجاهل لألغام مزروعة في عقول العشرات إن لم يكن المئات أو الآلاف من الشباب اليمني المتدين الذي وقع فريسة سهلة لهذه الأفكار المتطرفة سواء كان منتمياً إلى بعض خلايا وتشكيلات التطرف والارهاب أم لا ويمكن ان يكون صيداً سهلاً لها في اي وقت.
واذا كان قد قدر لبعض هذه الألغام أن تنفجر لتصيب سمعة البلاد وإقتصادها وعلاقاتها الخارجية أو لتودي بحياة سياسي كبير بحجم الاستاذ/جارالله عمر واشخاص ابرياء قدموا إلى اليمن برعاية وحماية الدولة لتقديم خدمات انسانية للمواطن اليمني (حادثة مستشفى جبلة في 30/ 12/ 2002م) فيعلم الله اين وكيف ستكون الانفجارات التالية إذا استمر الحال كما هو عليه وأكتفينا بالحل الأمني فقط -وإن كان لابد منه في مثل هذه الظروف- ولم تتضافر الجهود الفكرية والدعوية والسياسية والاعلامية لنزع تلك الالغام وإبطال مفعولها.
وفي هذا الجزء من هذه الدراسة - الموجزة - سنحاول القاء الضوء على أهم المرتكزات الفكرية والمفاهيم الخاطئة التي يستند اليها المتطرفون في أعمالهم الإرهابية والأسباب التي جعلتهم ضحايا لهذه الأفكار والمفاهيم الخاطئة، ثم موقف الإسلام من هذه التصرفات والمفاهيم - التي ينسبونها ظلماً وعدواناً - إليه.
* أولاً/ قضايا ومفاهيم خاطئة:
إن الشريعة الإسلامية ليست طلاسم وألغاز تستعصي على الأفهام وليست حكراً على طائفة من الناس لا تؤخذ إلا منهم بل هي " كالمحجة البيضاء ليلها كنهارها لايزيغ عنها إلا هالك" والإسلام دعوة سلام ومحبة للبشرية جمعاء "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" إلا أن بعض الأفراد والجماعات - قديماً وحديثاً – أساءت فهم النصوص الاسلامية وتبنت اجتهادات ومواقف ألحقت الأذى والضرر بالناس باسم الإسلام، والمتطرفين اليوم يقومون بأعمالهم الإجرامية متدثرين برداء الشريعة الإسلامية ويعتقدون أنهم يتقربون إلى الله عز وجل بما يعملون وهم في ذلك يتبنون آراء شاذة تبناها ودعا لها بعض الفقهاء والمفكرين الإسلاميين قديماً وحديثاً ويعتقدون أنها الوصف السليم والفهم الصحيح للإسلام في عقيدته ونظامه الأخلاقي وأدابه وشريعته، ونعتقد أن مثل هذه الآراء – التي ألحقت الضرر بسمعة الإسلام والمسلمين – تنطلق في واقع الامر من منطلقات خاطئة تتمثل في قراءة النصوص الإسلامية – قرآنا وسنة – بعيداً عن مقاصد الشريعة وأهدافها الكلية وأحياناً قراءة متعسفة وخاطئة لتلك النصوص تحملها بأكثر مما تحتمل أو بغير ما سعت إليه وأحياناً تعمد هذه القراءة الى قياس في غير موضعه لأقوال وتجارب التاريخ الإسلامي التي هي تجربة بشرية تجاوزها الزمن لتلزم مسلمي هذا الزمان بها دون أن يلزمهم بها الشرع نفسه، كما أن اصحاب هذا الفكر يرفضون بإصرار حصاد التجربة الانساية والتطور البشري النافع لأنه جاء من غير المسلمين مع أن " الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها". وكثير هي الأفكار والمبادئ التي يعتنقها هؤلاء ويتحركون على ضوئها ولكننا سنشير الى أهم هذه القضايا والموضوعات التي عكست الأفهام الخاطئة لها مصائب ونكبات كثيرة للأمة الاسلامية.
1-الجهاد في سبيل الله:
الجهاد في اللغة هو " استفراغ الوسع وبذل الجهد" على تعدد في الميادين التي يبذل فيها الانسان وسعه وجهده من جهاد الفكر وجهاد النفس وجهاد العدو.. الخ والجهاد بمعنى القتال كما جاء في القرآن وفهمه الصحابة والمسلمون من بعدهم كان لصد العدوان وحماية الدعوة الاسلامية، إلا أن هناك بعض المفاهيم العجيبة والغريبة في العصر الحديث لـمفهوم الجهاد تبناها بعـض اعلام الفكر الاسـلامي الحديث كأبو الأعلى المودودي رحمه الله (1903- 1979م) الذي يرى أن مهمة الجهاد وفريضته على المسلمين تتمثل " في صورة مجاهدة كل نظم الدنيا وحكوماتها بكل الوسائل المناسبة واللازمة والمتكافئة – بما فيها القتال المسلح- وذلك من أجل الاستيلاء على هذه الحكومات، وإقامة حكم الشريعة الاسلامية في كل أقطار الأرض ، ثم ترك حرية الإعتقاد للشعوب – أي أنه بإختصار يوجب على المسلمين – بفريضة الجهاد- السعي لحكم العالم، وجعل كل الحكومات بيد المسلمين دون إكراه الشعوب غير المسلمة على إعتناق الإسلام!!!(1) وليس المودودي وحده من تبنى هذا الفهم العجيب بل هناك علماء آخرين قدامى ومعاصرين يتبنون مثل هذا الرأي ويستندون إلى آراء بعض المفسرين لآيات الجهاد وركام من المرويات في التراث الإسلامي تتجاهل آيات الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وحرية العقيدة ..الخ والتي تقارب مائة وعشرين آية وتدعي أن كل هذه الآيات نسخت بآية في سورة التوبة أسموها آية السيف وهم لم يحسنوا فهم الآيات وادراك مواقع النزول وربط الأحكام، وللأسف فإن هذا الفهم يجد صدى واسعاً لدى كثير من فصائل المد الاسلامي المعاصر وخاصة في صفوف الشباب، وقد تصدى كثير من العلماء الثقاة الراسخين في العلم والحريصين على سمعة الإسلام والمسلمين في العالم لهذا الفهم وفندوا دعواه الهشة ومنهم الشيخ/ محمد الغزالي "رحمه الله" حيث يرد على هؤلاء قائلاً "سمعت من يحتج بالآية "وقاتلوا المشركين كافة" (التوبة :37) قلت له:الا تكملها؟ أليس بعدها "كما يقاتلونكم كافة" فأين في الآية الدعوة إلى الهجوم وإعمال السيف في الناس؟ ويشيع بين المفسرين أن آية السيف نسخت ما جاء قبلها وعند التحقيق لايوجد ما يسمى آية السيف، هناك جملة من الآيات في معاملة خصوم الاسلام وفي مقاتلتهم أحياناً لأسباب لا يختلف المشرعون قديماً وحديثاً على وجاهتها وعلى أنها لاتنافي الحرية الدينية في أرقى المجتمعات"(2) ويؤكد الشيخ محمد الغزالي رحمه الله خطورة هذا الفهم وادعاء نسخ آيات الدعوة والموعظة الحسنة والحرية الدينية بآية السيف فيقول " القول بالنسخ مرض أصاب بعض المتكلمين في القرآن الكريم وكان سبب بلاء شديد للأمة الإسلامية بل إنه عكر رونق الدعوة ووضع في مجراها الجنادل! أليس من المصائب أن نثبت أقوال هنا بأن هذه الآيات – يقصد آيات الدعوة والحرية الدينية – منسوخة!؟ وماذا بعد إلغائها إلا إبطال رسالة الأمة كلها وهي الدعوة الواضحة الموصولة حتى قيام الساعة صحيح أن الراسخين في العلم رفضوا هذه الأفعال ولكن أفواجاً من الشباب المغرور والشيوخ العجزة أنتشروا في هذه الأيام يؤثرون نسخ" الاّ إكراه في الدين ونسخ محاسنه في الدعوة، ويجب وضع حد لهذا البلاء"(3) واصحاب هذا الفهم يرون أنهم اتباع السف الصالح وهم يسيرون على نهجه، وفي ذلك إساءة ايضاً لتاريخ الأمة الإسلامية الذي لم يكن تاريخ عدواني كما يتصوره هؤلاء- يقول الشيخ الغزالي" ورأيت ناساً يقولون: إن آية " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم" مرحلية وعليه فإذا أمكننا اليد لم نبق على أحد من الكافرين قلت ما هذه سلفية هذا فكر قطاع طرق لا اصحاب دعوة شريفة حصيفة وأولئك لايؤمنون على تدريس الاسلام لجماعة من التلامذة بله أن يقدموا في المحافل الدولية والمجامع الدولية"!! (4)
2-دار الاسلام ودار الكفر:
يستتبع الفهم السابق لمفهوم الجهاد لدى المشتددين والمتطرفين أنهم يستندون أيضاً إلى التقسيم التاريخي الذي استعمله الفقهاء المسلمين قديماً من تقسيم العالم إلى دار اسلام ودار حرب وأضاف بعضهم دار العهد ودار الحرب هي ديار غير المسلمين ممن لاتربطهم معاهدات مع المسلمين، وكانت العلاقة بين دار الاسلام ودار الحرب محل خلاف بين فقهاء المسلمين حيث يرى بعضهم وخاصة من الفقهاء المعاصرين – أن اساس العلاقات بين دار الأسلام ودار الحرب هو السلام ولا يجيزون للمسلمين شن أي من أنواع الحروب الا ماكانت حرباً دفاعية لرد عدوان دار الحرب بينما رأى بعض الفقهاء أن العلاقة بين دار الاسلام ودار الحرب هي حالة حرب دائمة حتى تصبح دار الحرب دار إسلام أو دار عهد إلا أنهم أجمعوا على أن لا تكون تلك الحرب عدوانية من جانب المسلمين التزاماً بقوله تعالى " ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين".
وعلى كل حال فقد كان لهذا التقسيم في الماضي- مايبرره- ولم يكن المسلمين أول من أبتدعه فقد سبقهم الرومان وكذلك رجال اللاهوت في الغرب بعد ظهور الاسلام، بيد ان ما يجب ان يعلمه هؤلاء ان هذه الآراء والتقسيمات للأرض والديار لاتسند الى نصوص شرعية من كتاب أو سنة وإنما هي إجتهادات طرحها الفقهاء في ضوء قراءتهم للواقع الذي عايشوه وينبغي الا تؤخذ باعبتارها ديناً ملزماً واستحضارها اليوم يعني غفلة عن الواقع وجهلاً بمقاصد الشرع الكبرى، فدار الاسلام الذي تحدث عنها الفقهاء لم يعد لها وجود إلا في كتب التاريخ فديار المسلمين صارت موزعة بين أوطان عديدة فضلاً عن أن أسماءها باتت مرتبطة بالأجناس والقوميات وأحياناً باسماء الأسر والعائلات!!.. كما أن دار الحرب لم تعد واقعة في مربع الآخرين من غير المسلمين بالضرورة، وعلى هذا فإن هذه الآراء كانت تخاطب عالماًُ غير عالمنا الذي نعيشه الآن فقد تحدثت عن عصور غابت فيها فكرة الوطن الذي يضم بشراً متعددي الأديان والأصول العرقية كما غاب فيها القانون الدولي ولم يعرف المنظمات الدولية، الأمر الذي كان مقبولاً معه أن يجتهد الفقهاء في صياغة علاقة دار الإسلام بالاخرين.(5) أما اليوم مع نشوء المنظمات الدولية القائمة على مواثيق تجمع ما بين الدول على اختلاف في أديانها وديارها وتعاهدها على التعايش السلمي والتعاون فإن التقسيم للديار الذي كان سائداً قد خضع للتغيير واصبح الجميع يعيشون في عالم متعاهد وهو دار العهد ابتداءاً، وفي ذلك يقول الامام محمد أبوزهرة " وأنه يجب أن يلاحظ أن العالم الآن تجمعه منظمة واحدة قد ألتزم جميع أعضائها بقانونها ونظمها وحكم الاسلام في هذا أنه يجب الوفاء بكل العهود والالتزامات التي تلتزمها الدول الاسلامية عملاً بقـانون العهد الذي قرره القرآن الكريم وعلى ذلك لا تعد ديار المخالفين التي تنتمي الى هذه المؤسسة العالمية دار حرب إبتداءاً بل دار عـهد".(6)
أما أسوأ ما يقوم به هؤلاء المتطرفون اليوم فهو الاعتداء الآثم على من يدخل بلاد المسلمين من الغربيين سياح وعاملين وغيرهم، رغم أن هؤلاء يدخلون في أمان المسلمين باجماع جميع الفقهاء – حتى الذين يرون ان العلاقة مع بلدان هؤلاء هي علاقة حرب- وأدلة ذلك متضافرة من الكتاب والسنة وتاريخ المسلمين وحسبنا حديث النبي(ص) الذي رواه البخاري واحمد والترمذي عن علي رضي الله عنه عن النبي (ص) قال" ذمة المسلمين واحدة يسعى بها- أدناهم – فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لايقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً" أي فعهدهم واحد يعطيه أي شخص مسلم لأي انسان ويحرم قتله، وهذا ماعليه الجمهور والأئمة الأربعة.(7)
فاذا كان اعطاء الأمان لمثل هؤلاء من حق أي فرد عادي في المجتمع فكيف بالدولة وولاة الأمر الشرعيين " ولكن يبدو أن هؤلاء ينطلقون من مبادئ ضالة وافكار خاطئة لاتعترف بشرعية الدولة والحكومة اصلاً!! وبالتالي لايرون أن عليهم واجباً شرعياً في الالتزام بأحكامها وقوانينها!!
3-ظاهرة التكفير:
شاعت لدى أوساط بعض الشباب نتيجة لفتاوى بعض الفقهاء ظاهرة التكفير للمسلين لبعض الأعمال التي يرون أنها مخالفة للاسلام أو نتيجة لآراء لاتتفق مع آرائهم، والحكم على مسلم بالكفر أمر جد خطير وتترتب عليه نتائج في غاية الخطر منها اهدار دمه ولذلك ينبغي أن يكون المسلم في غاية الحذر من المجازفة في اطلاق هذه التهمة على أي مسلم ولقد حذر الرسول (ص) من تكفير المسلمين فقال" إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فهو كقتله ولعن المؤمن كقتله"، والحكم بالكفر على شخص هو حكم ضمني باستحالة مغفرة الله له وخلوده في نار جهنم وهذا إفتئات على الله وإملاء وحكم عليه، وإدعاء بعلم الغيب الذي لايعلمه إلا الله وعدوان على حق من حقوق الله وهو حق العذاب والمغفرة وقد حذر رسول الله (ص) من الحكم على الناس بحرمانهم مغفرة الله ورحمته حيث قال: " إن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان وان الله تعالى قال من ذا الذي يتألى عليّ (يحكم عليّ ويحلف باسمي) اني لا اغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان واحبطت عملك" (مسلم كتاب البر والصلة)، ولقد كان علماء السلف يحتاطون احتياطاً كبيراً في الحكم بالتكفير ويخطئون ولايكفرون وحتى في المواقف التي يكون فيها الكفر صريحاً فإنهم يحكمون أحكاماً عامة ولا يكفرون فرداً بعينه ورعاً وحذراً من مغبة التكفير إذ لاريب ان الخطأ في إثبات الإيمان خير من الخطأ في اثبات الكفر لأنه أقل ضرراً ومفسدة والتوقف في اثبات الكفر أولى لانه من الأمور المشتبهات ومن توقى الشبهات سلم من الوقوع في المحرمات، يقول الامام الغزالي " اما الوصية فان تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ما داموا قائلين :لا اله الا الله محمد رسول الله غير مناقضين لها. فإن التكفير فيه خطر والسكوت لاخطر فيه" ويقول "التكفير حكم شرعي يرجع إلى اباحة المال وسفك الدم والحكم بالخلود في النار فتارة يدرك بيقين وتارة بظن غالب وتارة يتردد فيه، ومهما حصل تردد فالوقف فيه اولى، والمبادرة الى التكفير انما تغلب على طباع من يغلب عليه الجهل" وتظهر دراسة سيرة الرسول (ص) أنه لم يكفر أحداً من المسلمين في عهده برغم انهم كانوا يخطئون ويذنبون كسائر الخلق وبعضهم ارتكب الكبائر فشربوا الخمر أو وقعوا في الزنا ومنهم من قام بأعمال أو قال أقوالاً تشبه اعمال وأقوال المشركين وكان الرسول (ص) يرشد المخطئين ويعلم الجاهلين ويهديهم الى الصواب بكل رفق ورحمة وعطف وحب وسماحة وسعة صدر".(8)
ولم يشكك النبي (ص) في ايمان احد من المسملين حتى في الاحوال التي يخالفون فيها تعاليم الدين بقصد أو بغير قصد وعندما قال خالد بن الوليد رضى الله عنه: كم من مصل يقول بلسانه ماليس في قلبه رد عليه الرسول (ص) " إني لم أؤمر أن انقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم"( مسلم كتاب الزكاة) وبرغم ان الرسول (ص) كان يعلم – بوحي من الله – ان بعض الذين اعلنوا الاسلام ونطقوا بالشهادة كانوا من المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وبرغم ان اعمالهم كانت تنطبق على وصف المنافقين فانه لم يكشف للمسلمين عن اشخاصهم ولم يصف احداً منهم بالنفاق ، ولم يقتلهم حتى لايتخذ ذلك ذريعة لادعاء العلم بالسرائر والحكم على الناس بالظن والهوى ونزع صفة الايمان عنهم بالباطل"(9)
4-الخروج عن السلطة:
ظهر في التاريخ الاسلامي فرق اشاعت الفتنة وعملت على شق الصف بتأويلات فاسدة للنصوص الاسلامية كما عمل الخوارج الذين كفروا عامة المسلمين بما فيهم الامام علي كرم الله وجهه وقتلوه وقد ظهرت جماعات وفرق اخرى تؤمن بضرورة الخروج على الحاكم الجائر لكن ظل الرأي الغالب لدى اهل السنة والجماعة يرى عدم جواز الخروج. يقول ابن تيمة ملخصاً موقف الفقهاء من استخدام القوة ضد السلطة "ان المشهور من مذهب اهل السنة انهم لايرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وان كان فيهم ظلم لان الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم دون قتال ولا فتنة فيدفع اعظم الفسادين بالتزام الأدنى".
ويقول ابن القيم في اعلام الموفقين "إن الواجب شيء والواقع شيء والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب، وينفذ الواجب بحسب استطاعته لا من يلقي العداوة بين الواجب والواقع فلكل زمان حكم وإذا عم الفسوق وغلب اهل الارض فلو منعت امامة الفساق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم لعطلت الأحكام وفسد نظام الخلق وبطلت اكثر الحقوق. فأمام الضرورة والغلبة بالباطل ليس الا الاصطبار والقيام بأضعف مراتب الانكار". واما الجماعات المعاصرة الذين ثبت منهم العنف فانهم ليسوا على مذهب الذين يرون الخروج على الحاكم الجائر ولكنهم يدعون انهم على منهج اهل السنة – وهم في الحقيقة أقرب الى الخوارج – وخروجهم على السلطات ليس بدعوى انها جائرة ولكن- وهنا تكمن الخطورة – انهم يرون انها كافرة ، وهم في سبيل اثبات دعاواهم الباطلة يتعسفون في تأويل بعض الآيات القرآنية ويسقطونها على الانظمة القائمة كما يعتمدون على ادبيات بعض رجال الحركة الاسلامية المعاصرة التي اتسمت كتاباتهم بتكفير الانظمة واحياناً المجتمعات مثل ابو الاعلى المودودي وسيد قطب وغيرهم.
واذا كان هؤلاء – في نظر معظم العلماء – هم على ضلال مبين ايا كانت المبررات التي يطرحونها – فانهم في اليمن أبعد ضلالاً واشد انحرافاً ذلك أنه ليس أمامهم أي مبرر للجوء الى العنف فاليمن بحمد الله – يعيش في اجواء الحرية والديمقراطية وتكفل لهم حرية التعبير والمعارضة بالطرق السلمية. ومن جانب آخر فإن النظام في اليمن اسلامي لا يشك به احد فالاسلام دين الدولة والشريعة الاسلامية مصدر جميع التشريعات كما ينص دستور الجمهورية اليمنية وبالتالي فان لجوء هؤلاء الىالعنف في فرض رؤاهم وتصوراتهم ليس له من مبرر سوى العدوانية والارهاب والرغبة في القتل والتخريب.
* ثانياً: اسباب شيوع ثقافة العنف والتطرف:
إن معظم المتورطين بالاعمال الارهابيةفي بلادنا هم من الشباب الذين لم يتلقوا قسطاً كافياً من العلوم الشرعية وتنقصهم التجربة ومعرفة الواقع، وهؤلاء – كما يقول القاضي/ حمود الهتار رئيس لجنة الحوار مع العائدين من افغانسان " لاينتمون الى جماعة واحدة ولكن القاسم المشترك بينهم أنهم يتمتعون بقوة إيمان يحسدون عليها" " وما وجدنا لديهم جميعاً هو اجلالهم للعلماء".(10) إذن فكل رصيدهم هو إيمان عميق وطاعة عمياء لعلمائهم ، وعلى هذا فاننا نستطيع القول أن هؤلاء قبل ان يكونوا مجرمين اساءوا لبلدهم وشعبهم ودينهم فإنهم – في الحقيقة – قد كانوا ضحايا فكر معوج وتعليم مغشوش وفتاوى مضللة يقوم بها بعض علماء متعصبون ودعاة فتانون ومتحدثون في الدين فقدوا الانصاف والاتزان. وإن كان ذلك – بالطبع- لايعفي هؤلاء الشباب من تحمل المسؤولية، إذ أن الإسلام ما دعا الى طاعة العمياء وليس هناك في الأرض ناطق بإسمه فتعاليمه واضحة – كوضوح الشمس في رابعة النهار- لمن أراد أن يفهم ولكنها آفة اتباع الأديان – جميعاً- في كل عصر وحين.
ففساد الأديان الأولى جاء من طراوة الاتباع في أيدي رؤسائهم وتحولهم مع مبدأ السمع والطاعة الى اذناب مسيرة لا فكر لها ولا رأي، ولم يعتبر بعض شباب الاسلام بما جرى لهؤلاء وقد روي انه لما نزل قوله تعالى: " أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، قال عدى بن حاتم – معترضاً- إنهم لم يعبدوهم ، فقال رسول الله (ص) :بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فأتبعوهم فتلك عبادتهم إياهم" فأنظر كيف غدت الاستجابة العمياء شركاً وكيف استغلت الثقة لتغيير احكام الله واضلال عباده عن الصراط المستقيم (11) وأين كان الامر فإن هؤلاء قد وقعوا ضحية للفكر المتطرف والمفاهيم الخاطئة بجملة من الوسائل والمؤثرات التي أجتذبتهم الى هذا الفكر ويمكن أن نشير الى بعض هذه الوسائل والمؤثرات فيما يلي:
1-الفتاوى المضللة:
يتلقى الشباب الاسلامي اليوم سيل من الفتاوى من داخل وخارج الوطن – أحدثت ولاتزال فتنة كبرى بين المسلمين، وقد كان السلف الصالح – الذين للأسف – يتكئ المفتون والمتطرفون اليوم عليهم – يتهيبون كثيراً في قضية الافتاء وخاصة فيما يتعلق بقضايا الحلال والحرام ، وقد روى الإمام الشافعي في كتابه "الام" عن القاضي ابي يوسف صاحب ابي حنيفة قوله "أدركت مشايخنا من اهل العلم يكرهون الفتيا أن يقولوا : هذا حلال وهذا حرام الا ما كان في كتاب الله عز وجل بيناً بلا تفسير ويروى عن ابراهيم النخعي – وهو من كبار فقهاء التابعين بالكوفة – إنه حدث عن اصحابه انهم كانوا اذا افتوا بشيء او نهوا عنه قالوا: هذا مكروه وهذا لا بأس به فأما ان نقول: هذا حلال وهذا حرام فما اعظم هذا".(12)
ويشير ابن قيم الجوزية في كتابه (اعلام الموقعين ج4) إلى ان من افتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ويلزم ولي الأمر منعه اذ هو في تلك الحالة بمنـزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق!! ولو أننا حاولنا تطبيق ما قاله ابن قيم الجوزية لتم منع الكثير من المفتين الذين يدلون الركب وليس لهم علم بالطريق بتعبير إبن القيم رحمه الله!!.
إن كثيراً من الاعمال الارهابية في اليمن قد تمت بناءً علىفتاوى مضللة سواء من بعض الاشخاص المعتلين والمختلين في افكارهم من خارج الوطن والذين تروج لهم بعض وسائل الاعلام الغربية وتحاول ابرازهم بوصفهم يمثلون الاسلام وهم كما يقول د/ يوسف القرضاوي " ليسوا في العير ولا في النفير أمثال (أبي حمزة) المصري و(أبي قتادة) الأردني الذي أصدر فتوى لبعض الشباب الأغرار بجواز قتل أبائهم وامهاتهم!!).(13) أو فتاوى لبعض الفقهاء في الداخل ضلوا فيها وأضلوا.. فحادثة مقتل السياح في أبين أواخر عام 1998م " نفذت بموجب فتوى مغلوطة من احد الفقهاء وكذلك حادثة المدمرة الامريكية (كول) هي الأخرى ايضاً تمت بناءً على فتوى مغلوطة الى جانب فتاوى اخرى فضل هؤلاء الفقهاء واضلوا" بحسب شهادة القاضي حمود الهتار رئيس لجنة الحوار مع الشباب العائدين من افغانستان.
كما ان المدعو علي احمد جار الله الذي اغتال الاستاذ جار الله عمر يوم 28 /12/ 2002م لم ينطلق من فراغ فقد هاجم قبل اكثرمن عام – في احدى خطبه المنبرية – الشهيد جارالله عمر وآخرين ممن سماهم العلمانيين مؤكداً ان العلماء قد طالبوا من العلمانيين ان يتوبوا الى الله وان يتبرأوا من كل فكر يخالف الاسلام ويناقضه وانه سمع احد العلماء المعروفين وهو يطالب العلمانيين بذلك ويستدل بقوله تعالى "فان تابوا وأقاموا الصلاة واتوا الزكاة فاخوانكم في الدين".(14) ونسى هو ومن استدل بهم- ان التوبة امر بين العبد وربه وليسوا وكلاء الله على عباده ليتوب الناس على ايديهم!! كما ان هناك كتب تمتلىء بفتاوى التكفير والتفسيق لعدد من الاعلام والشخصيات السياسية والثقافية في المجتمع، بل أن عالماًكبيرا يحظى باتباع كثيرين قد صرح في احد كتبه بان الاشتراكيين والناصريين والبعثيين كفاراً وإنه اذا استطعنا ان نغتالهم وامنا الفتنة فلا بأس !!(15)
2-خطب ومواعظ تحريضية عدائية:
تحتل الدعوة الى الله اهمية قصوى ومكانة سامية كونها وسيلة لهداية الناس واشاعة الاستقرار في المجتمع "بيد أن هناك اناساً يشتغلون بالدعوة الاسلامية وفي قلوبهم غل على العباد ورغبة في تكفيرهم او اشاعة السوء عنهم.. غلّ لايكون إلا في قلوب الجبابرة والسفاحين وإن زعموا بألسنتهم أنهم أصحاب دين، إذ ان المسلم الحق طبيب يأسوا الجراح ويرحم الضعاف ويرشد الحيارى ويتلطف مع الضالين حتى يثوب بهم الى طريق الله، وهؤلاء جعلوا ما عرفوا من الدين تكأه للنيل من غيرهم والارتفاع على انقاضهم مع ان الاسراع في اتهام الناس وتلويث سمعتهم ليس دينا والحكمة في معالجة الاخطاء مطلوبة وفي الحديث " إن الله يحب الرفق في الأمر كله" ولا شك ان الرغبة في تكفير الناس وانتقاص اقدراهم وترويج التهم حولهم مرض نفسي بالغ الخبث والتصاق هؤلاء المرضى بالاسلام او تصدرهم في ميدانه لايغني عنهم شيئا فانهم في الحقيقة غرباء عليه أو عقبات أمامه أو غبش في مرآته.(16)
ولايحتاج المرء الى كثير عناء ليلاحظ عدوانية كثير من الخطباء في المساجد ضد الاخرين ايا كانوا مسلمين أو غير مسلمين ومن منا لم يستمع الى ادعية هؤلاء في خطبة الجمعة أو بعض الصلوات على الاعداء ، وهم كل من خالفنا " بأن يحصيهم الله عدداً ويهلكهم بدداً ولايغادر منهم احدا"ً وأن "يدمرهم تدميراً ولايبق منهم صغيراً ولاكبيراً ويجعلهم وما يملكون غنيمة للمسلمين" وهؤلاء الاعداء يخصهم بعض الخطباء بالذكر عندما يدعوا بالهلاك والتدمير على " اليهود ومن هادنهم والنصارى ومن ناصرهم والشيوعيين ومن شايعهم" والعلمانيين والملحدين والمبتدعين"!! واذا علمنا أن اليهود والنصارى والشيوعيين والمشركين (أي باختصار غير المسلمين) يمثلون اربعة اخماس سكان العالم فان من والاهم أو ناصرهم أو هادنهم أو شايعهم من المسلمين يمثلون بنظر هؤلاء 90% على الاقل من المسلمين اذ يدخل في هذا الوصف حتى من دعا الى الحوار والتعايش السلمي مع غير المسلمين ، كما ان بقية المسلمين الذين لايشملهم هذا التصنيف يشمل معظمهم وصف المبتدعين الذي يطلقه هؤلاء الدعاة حتى على العلماء والدعاة والزهاد قديما وحديثاً ممن يختلف معهم ، وعلى هذا فان معنى هذا الدعاء ان الامام اوالخطيب يدعوا بالفناء والهلاك على جميع سكان الكرة الأرضية باستثناء نفسه وجماعته الضيقة التي قد لايتعدى افرادها العشرات أو المئات على أكثر تقدير .
ومن المفارقات ان جموع المصلين يرددون بالتأمين على هذا الدعاء وامثاله وهم لايدرون أنهم يدعون بالهلاك على أنفسهم إذ ان معظمهم ان لم يكونوا جميعا في نظر هذا الداعية من المهادنين اوالمناصرين او المشايعين أو على الاقل من المبتدعين!!.
ولاشك ان دعوات الاستئصال هذه تكشف عن مدى البؤس الثقافي والعقد التي يحملها هؤلاء على الناس " ويوم يفقد التدين طيبة القلب ودماثة الاخلاق ومحبة الخلائق يكون لعنة على البلاد والعباد".
كما ان مثل هذه الادعية تخالف هدى النبي (ص) الذي ارسله الله رحمة للعالمين والذي رفض ان يدعوا على المشركين قائلاً: " اني لم ابعث لعاناً وانما بعثت رحمة" ولم يدعوا بالهلاك على احد حتى الذين حاربوه ورجموه وأدموا قدميه في الطائف قائلاً " عسى ان يخرج من اصلابهم من يقول لا اله الا الله"!!
كما يمتلي معظم خطاب الوعظ والارشاد بمفردات الترهيب والتخويف والتشدد والدعوة الى مخاصمة الحياة والمجتمع باعتبارها حياة جاهلية واصبح البعض يرى ان هذه المفردات هي علامة الجدية ومستلزمات الدين واعتبار التحريض والتعبئة ضد غير المسلمين سبيل النهوض ونصرة الاسلام " ويبدوا ان الاحساس المرير بالتراجع السياسي والاقتصادي والعسكري للشعوب الاسلامية المعاصرة قد دفع كثيراً من الدعاة الى التورط في تحريض المسلمين على مخاصمة الدنيا كلها والدخول مع الناس " الاخرين" في معركة مواجهة ورغبة في الاستبعاد والاقـصاء" (17) وهذا لايبني نهضة ولا يقيم حضارة ذلك ان بناء حضارة والخروج من دائرة التخلف تتطلب فقه سنن التغيير والحضارات وامتلاك ناصية العلم والبناء اما التحريض وعداء العالم بأسره فهو اقرب طريق للانتحار!!
3- التربية الانعزالية:
احاطت بعض الجماعات افرادها – وهم غالباً من الشباب- بسياج من العزلة عن الآخرين ليتلقوا برامج تربوية ودعوية مكثفة تعتمد اغلبها على اطروحات بعض المفكرين الاسلاميين الذين وصموا المجتمعات الاسلامية بالجاهلية ودعوا الى قيام جماعة اسلامية متميزة عن المجتمع ومفاصلة له حتى يمكنها تحقيق المجتمع الاسلامي المنشود- كما يرون ، وهذه التربية الانعزالية جعلت هؤلاء الشباب لا يتعاملون الا مع من هم على شاكلتهم . وكان من شأن هذا الانغلاق والتقوقع على الذات والجماعة أن ولدت لدى الشباب " نظرة " مانوية" للعالم لاترى فيه الا خيراً وشراً، ايماناً وكفراً، اسلاماً وجاهلية، انصاراً وخصوماً، ضلالاً وفساداً وتتجه هذه النظرة بقوة الى تنزيه الذات وتدنيس الاخر (الخصم ، المجتمع – الحاكم ،الدولة ، بقية العالم) فتفقد بذلك الفرد القدرة على التحليل والتفكير ويسقط من حسابه التضاريس التي لا يخلو منها كائن او مجتمع او حتى خصم ان الحقيقة نسبية ولا يملكها الا الله وقد وزعها على كل عباده بنسب متفاوتة ليحتاجوا الى بعضهم ويتكاملوا حتى وهم يتصارعون" (18)
هذه النظرة الحدية للمجتمع والآخرين التي ولدتها العزلة عن التيار العام للحياة ومفارقة المجتمع شعوريا أو فعلياً، والانحصار داخل "حوزة مغلقة" لاتتواصل مع الآخرين، رافقها فقه خاص لهؤلاء صنعته اجواء العزلة والانفصال عن التيار العام سماه بعض المفكرين " فقه العزلة" وأهم عناصره: تفسير النصوص تفسيراً حرفياً يجزئها ويعزلها عن سياقها، ولا يحاول التعرف على مقاصدها الكبرى.
2) شدة الانكار على المجتمع واوضاعه كلها ورفض تفهم القوانين الاجتماعية التي يخضع لها المسلمون كما يخضع غيرهم.
3) ممارسة "الامر بالمعروف والنهي عن المنكر" ممارسة لاتعرف الضوابط ولا الحدود وتسعى للتغيير بأي ثمن على نحو يجعل من اصحابها "وصاة" على الأفراد وعلى المجتمع كله، وهو موقف يكشف عن استعلاء ونظرة فوقية تخالف روح الاسلام وآدابه مخالفة اساسية ولاشك ان هذا الفقه الانعزالي وتكون جماعات أو مجموعات عمل سرية وغير معلنة قد افضى بدوره الى نمو" فقه" مكمل لفقه العزلة نستطيع ان نسميه " فقه العمل السري" وهذا الفقه هو المسئول في النهاية عن الانحراف السلوكي والتوجه العدواني والعنف العشوائي الذي يسير فيه بعض اعضاء تلك الجماعات" (19).
ان من حق هؤلاء ان يسعون – بالطرق السلمية – الى اصلاح اوضاع المجتمع وفق المنهج الاسلامي لكن هذا يتطلب – الى جانب الفقه الصحيح بالشريعة الاسلامية – امتلاك فقه الواقع بتعقيداته وتضاريسه المتنوعة لكنهم – للاسف- نتيجة لعزلتهم عن المجتمع وتطورات الحياة المتسارعة يصنعون عالماً من الأوهام ثم يتصورون أنه الحقيقة ويتعاملون معه على أنه كذلك ،أي حقيقة فعلية وواقعية، وعندما يتحركون للعمل بهذا الواقع – الوهمي- فانهم يصنعون المأساة تلو الأخرى بهم وبشعوبهم " لذلك نقول ان الانخراط في المجتمع والاندماج فيه والتعرف على مكوناته ومؤثراته ودراسة الظواهر الاجتماعية ومعرفة اسبابها والمساهمة في دوائر الخير، ومحاولة التوسع فيها على هدى وبصيرة، وعدم تشكيل اجسام بعيدة عن المجتمع منفصلة عنه، وإقامة هياكل وكيانات وخيام خارج المجتمع والحياة أو السير خلف المجتمع ورصد تصرفاته والحكم عليها، بدل الدخول في المجتمع واغرائه بفعل الخير هو سبيل الخروج ومعاودة اخراج الامة من جديد."(20)
4- الموروث السلبي ضد قيم الديمراطية والتعددية والرأي والرأي الآخر:
إننا يجب أن نعترف إبتداءً أن لدينا جميعاً – سلطة ومعارضة، أفراداً وجماعات – تركة ثقيلة من الأستبداد والضيق بالرأي الآخر وتجريمه، وبالرغم من أن " إقامة مجتمع ديمقراطي عادل" كان احد اهداف ثورة السادس والعشرين من ستبمبر 1962م إلا أن ذلك لم يتحقق بسهولة وشهدت اليمن – بشطريها- جولات من الصراع والعداء بين مختلف التيارات السياسية ، حتى جاءت الوحدة المباركة في الثاني والعشرين من مايو 1990م لتعلن بداية عهد جديد يطوي صفحات الصراع المؤلمة ويرسي دعائم الديمقراطية والتعددية وإحترام الرأي والرأي الآخر، وأدركت جميع التيارات والأحزاب السياسية في الساحة اليمنية أن عليها أن تتكيف مع متطلبات العمل السياسي والحزبي العلني والذي يختلف بلا شك مع عملها تحت الأرض الذي مارسته عقوداً من الزمن قبل الوحدة. ولم تجد الأحزاب والتيارات السياسية الوطنية والقومية والأشتراكية صعوبة في إقناع انصارها بالتطورات الجديدة وتجاوز نظرتها وأفكارها السابقة المناهضة للديمقراطية والتعددية الحزبية باعتبار أن تلك الأفكار – السابقة – هي أفكار بشرية، اقتضتها مرحلة تاريخية معينة واثبت الواقع والتجربة خطأها وضرورة تغييرها، بيد ان الخطاب المناهض للديمقراطية والتعددية الحزبية- والآخر المخالف- والذي كان يتكئ على مبررات اسلامية لم يكن من السهولة تجاوزه لدى قطاع واسع من الشباب – الذين تشربوه منذ نعومة اظفارهم – بل أنهم نظروا إلى التطورات العملية للحركة الاسلامية والمنسجمة مع قيم الديمقراطية والتعددية بريبة، وعدوا ذلك إنحرافاً عن شريعة الله وحكمه!! واذا كان من غير الانصاف تحميل الاسلاميين المسئولية عن مضامين الخطاب المناهض للديمقراطية والتعددية في فترة تاريخية لم يكونوا وحدهم حملة هذا الخطاب وقد تجاوزوه مع غيرهم منذ قيام الوحدة، إلا أن الإنتقاد يجب أن يوجه إلى أسلوب عرض هذا الخطاب الذي كان يطرح على أنه حكم الإسلام في هذه القضية أو تلك وهو ما أدى الى تلبس الفهم والاجتهاد البشري بالنص الاسلامي المقدس ولو أنه طرح كما يجب على أنه اجتهاد بشري في فهم النص الاسلامي – وبالتالي فإن أي اجتهاد أو فهم لأي شخص أو مجموعة – لايعني بالضرورة – أنه مراد النص الإلهي بل ليس بالضرورة ان هذا الاجتهاد صائباً إذ يكفي أن يكون صاحبه حريصاً على تحري الصواب وهو بذلك مأجور سواء كان مصيباً أو مخطئاً ، فلو كان الأمر كذلك لأمكن بسهولة تجاوز الأفكار والاجتهادات السابقة والتراجع عنها لأفكار واجتهادات جديدة أقوى منها دون أي شعور بالاثم أوالانحراف عن الشرع، ومما عقد مسألة المراجعة إن تطورات الحركة الاسلامية وتأقلمها مع التطورات الديمقراطية لم يصاحبه جهد موازٍ للتأصيل النظري والفكري وإقناع الشباب – بضرورة تجاوز المفاهيم القديمة – وتبني الأفكار الجديدة – بل أن ما زاد الطين بله – إن التقصير في هذا الجانب رافقه تحركات حثيثة من قبل بعض العلماء – الذين تربطهم صلات وثيقة مع كثير من الشباب – من خلال الخطب والمحاضرات وغيرها لترسيخ القناعات السابقة وتأييد قناعات هؤلاء الشباب بأن ما يجري من تطورات ومواقف ديمقراطية للحركة الإسلامية ليس صحيحاً، وكمثال على ذلك نورد آراء أحد هؤلاء العلماء في مقابلة له مع إحدى المجلات الإسلامية في اليمن (21) حيث توجهت المجلة إلى فضيلته بالسؤال عن رأيه بما تقوم به الحركة الإسلامية في اليمن من التنسيق مع مختلف الإتجاهات والتنظيمات في مختلف أبعاد العمل السياسي، فأجاب بقوله ( إن التعامل معها – أي التيارات والتنظيمات السياسية – يحتاج إلى حذر تماماً كما يتعامل الطبيب مع المصاب بمرض، فإذا لم يكن حذراً فقد ينتقل إليه المرض، ولذلك فإن الإسلاميين مطلوب منهم عند التعامل مع غيرهم أن يكونوا في وضع العطاء والتأثير والإعتداد الكامل بما عندهم وفي وضع الوقاية والحصانة من التأثير بالعدوى والإستعداد للمفاصلة عند أول شعور بذلك ) وحول تقييمه لنتائج التنسيق بين الحركات الإسلامية والإتجاهات الآخرى يقول ( نجد تأثيراً من هذه الحركات في تلك الإتجاهات إذ صلح بعض أفرادها وبدأ بعضهم يلتزم ببعض العبادات، وبدأ بعضهم يتفاعل ويتعاطف مع الطرح الإسلامي والقضايا الإسلامية، وصار منهم من يتدرج في التخلي عن العلمانية ويقبل بالإسلام عقيدة وشريعة مع نوع من الغبش وعدم الوضوح احياناً وهكذا، وبالمقابل فإن افراد هذه الحركات لم تكن عندهم حصانة كافية ولا علم وافي فتأثروا ببعض افكار هذه الإتجاهات او تبنوا فكراً هجيناً بغرض التقريب بين الفكر الإسلامي وفكر هذه الإتجاهات الذي سمته العامة أنه غريب مستورد فأصبحت تجد في صفوف الحركات الإسلامية من يتبنى مثلاً الفكر الديمقراطي وحرية الرأي والرأي الأخر والذي يعني بعبارة آخرى حرية الأسلام وحرية الفكر ( ربما يقصد حرية الكفر ) أو الردة في ديار الإسلام وكذا التعايش بين الحق والباطل مع أن الأصل أن المسلم حساس لا يقبل الإقرار لأي منكر بحرية الوجود والبقاء، ومن هؤلاء المتبنين من يقول لك : إنما نتبنى هذا الفكر مناورة لا إعتقاداً ومنهم من وصل الى حد الإفتتان والتبني الحقيقي للديمقراطية فيقول لك إنه لم يعد يصلح في هذا العصر إلاّ هذا الفكر وهو المناخ المناسب لتعريف الناس بالإسلام ودعوتهم إليه، ولاشك أن مثل هذا خلل كبير لا يمس الوسائل فحسب وإنما يمس العقيدة ويؤدي إلى إعتقاد النقص في الإسلام وأنه لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بغيره من الوضعيات والمستوردات وتبني ذلك في مجال الفكر لا يجوز ولو على سبيل المناورة، فكيف إذا كان على سبيل الإقتناع والإعتقاد ) أ.هـ
ونحن إذ أوردنا هذا الرأي – كمثال – لما يطرح من عشرات الدعاة والخطباء في عدة وسائل لا نقصد به إدانة هذا العالم أو ذاك أو هذه الجماعة أو تلك، فمثل هذه الأفكار والتوجهات ليست خاصة ببعض علماء وشباب اليمن إذ أنها لازالت تمثل – حضوراً لا بأس به – من الفكر الإسلامي المعاصر في آنحاء العالم، وهي بلاشك تمثل صورة لأفكار المجتمع الإسلامي في عصور التخلف والإنحطاط والتقليد، ولاشك أن هذه الأفكار – في طريقها إلى الإضمحلال – كما أضمحلت أفكار مشابهة في العصر الحديث، ذلك ما تقتضية سنة التطور وقاعدة أن البقاء للاصلح والأنفع " فأما الزبد فيذهب جفاءاً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " ولكن ما نود الإشارة إليه أن شيوع هذه الأفكار لدى بعض الشباب في اليمن لأ يأتي من قوة هذه الأفكار ومنطقيتها إذ أن حججها وأدلتها أوهن من بيوت العنكبوت إذا ما عرضت على الأدلة الصحيحة والفكر السليم، وما يعطيها البقاء هو ضعف الثقافة الإسلامية الصحيحة لدى هؤلاء الشباب وضعف التوجيه والإرشاد السليم سواء من قبل الدولة أو مؤسسات المجتمع المدني – وعلى رأسها الأحزاب والمثقفين والدعاة المستنيرين وغيرهم – وهو ما يتطلب القيام بحملة توعية ومناقشات وحوار مع أصحاب هذه الأفكار – بشتى الوسائل – وهذا هو الطريق السليم لتهيئة بيئة صحية للديمقراطية والحرية والتعددية وتجفيف منابع التطرف والإرهاب، وصدق الله العظيم القائل " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ".
* ثالثاً: موقف الاسلام من الاخرين:
إن معرفة نظرة الاسلام للانسان وعلاقة المسلم بالآخرين المتفقين معه والمختلفين وغيرها من القضايا يجب أن تؤخذ من أقوال الشارع وليس من أقوال الشارح أياً كانت منزلته العلمية والتاريخية، ذلك أن تفسيرات وأفهام العلماء أياً كانوا يجب أن تحاكم إلى المنبع الرئيسي الذي أستقوا منه احكامهم وهو كتاب الله وما صح من سنة رسوله(ص) والمتأمل في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله (ص) يجد موقف الاسلام بوضوح من هذه القضايا الرئيسية والمثارة والتي يمكن أن نوجزها فيما يلي :
1 – نطرة الاسلام للانسان:
إن الانسان أياً كان لونه وأصله وجنسه وعقيدته الدينية هو في نظر الاسلام مخلوق مكرم ومفضل على سائر الكائنات قال تعالى " ولقد كرمنا بني آدم " (الاسراء – 7) " لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم " (التين – 4) " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " (البقرة – 30) إلى آخر الآيات في هذا السياق والتي تمجد الانسان وتعلي مرتبته فوق كل المخلوقات من حيث هو تكوين بشري وقبل أن يصبح مسلما أو نصرانياً أو يهودياً أو بوذياً … الخ، وليس صحيحاً على الاطلاق أن تلك الحفاوة القرآنية من نصيب المسلمين دون غيرهم كما يتصور البعض ذلك، أن النصوص القرآنية شديدة الوضوح في هذه النقطة بالذات فهي تارة تتحدث عن " الانسان " وتارة تتحدث عن " بني آدم " ومرات أخرى توجه الحديث إلى " الناس " وهذا التعميم لا تخفى دلالاته على أي عقل منصف ومدرك للغة الخطاب في القرآن الكريم، التي تستخدم موازين للتعبير غاية في الدقة، تحسب بها متى يكون الخطاب للانسان وللناس بعامة ومتى يوجه الكلام للمؤمنين والمسلمين قبل غيرهم(22) وهذا التكريم الالهي للانسان – مسلماً كان او غير مسلم – استوجب عصمة دمه وماله وعرضه، وهذه العصمة اكدها النبي (ص) في وصيته للانسانية كلها في حجة الوداع " أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم ".
2 – التعامل مع غير المسلمين :
التنوع الانساني والاختلاف – في نطر الاسلام – هو حكمة الهية ونعمة وليس نقمة ولا هو خطر على أحد، ويستفاد من قراءة كتاب الله أن التعامل مع غير المسلمين يأتي على مستويات أربعة تحكمها أربعة من القوانين :
- الأول: قانون العلاقة مع البشر من جهة كونهم بشراً، ويتمثل في الآية الكريمة "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" (الحجرات – 17) وهذه الآية تجعل الإختلاف والتباين بين الناس من دواعي التعاون والألفة لا الكراهية والإقتتال.
- الثاني : قانون العلاقة مع المخالف المسلم : وتتمثل في قوله تعالى " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم " (الممتحنة – 8) فما تطلبه الآية ليس الاقساط – أي العدل _ فقط بل يتعدى ذلك إلى المستوى المتسامي من خلق الأنسان وهو البر، وفي الأحوال المغايرة تقول الآية الكريمة "إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على اخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون " إن هذه الآية تبدأ بلفظ إنما التي تأتي للحصر وتبين أن المعاملة المغايرة المخالفة للقسط والبر مقصورة على المعامل المخرج من الديار أو المظاهر على ذلك.
- الثالث : قانون العلاقة مع المحاور الذي يريد أن يغلب بالحجة والارشاد، وفي هذا الصدد نراه في الآية الكريمة " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن " (العنكبوت – 46) وفي " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة " (النحل – 125).
- الرابع : قانون العلاقة مع المحارب، وهو يتجلى في أكثر من آية كريمة " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (البقرة – 190) " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلاّ أن يقولوا ربنا الله " (الحج 93 – 40) إلى غير ذلك من الآيات(23) وهذا القتال الذي أمر الله به المؤمنين لرد الإعتداء يظل محكوماً بضوابط شرعية ليس للمسلمين أن يتخلوا عنها، وقد وردت هذه الضوابط في وصايا النبي ( ص ) وخلفائه الراشدين من بعده لجيوش المسلمين منها " أن لا يقتلوا طفلاً ولا إمرأة ولا راهب في صومعته ولا مزارعاً في مزرعته وأن لا يقلعوا شجراً … الخ، وإنما يقتصر هم قتالهم على المعتدين والذين يصدون عن دعوة الله، ويظل السعي نحو السلم وكف القتال هو المطلوب شرعاً من المسلم لقوله تعالى " وإن جنحوا للسلم فأجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع العليم " ( الانفال – 61) إمّا إذا أظهر الاعداء ميلاً للسلم واعتزالاً عن الحرب فليس للمسلمين حق في قتالهم " فإن أعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا " (النساء – 9).
3-علاقة المسلمين مع بعضهم :
إن حكمة الله قد إقتضت أن يخلق الناس -سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين- متفاوتين في الأعمال والأفهام وكذلك في إستجابتهم لأوامر الدين ونواهيه، فمنهم العنيف والقوي والملتزم والمقصر، ولهذا جعل الله في الدين متسعاً للجميع حسب مراتبهم واستعداداتهم، قال الله تعالى " ثم أورثنا الكتاب الذين أصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله " (فاطر – 32) وقد فسر الظالم لنفسه بأنه : المقصر في بعض الواجبات والمرتكب لبعض المحظورات، وفسر المقتصد بأنه : المقتصر على فعل الواجبات وترك المحرمات، وفسر السابق بالخيرات بأنه : الذي لا يكتفي بفعل الواجبات بل يزيد عليها السنن والمستحبات، ولا يقف عند ترك المحرمات بل يضيف اليها إتقاء إكفاء الشبهات والمكروهات، وهذه الأصناف الثلاثة جميعاً ربما فيهم الظالم لنفسه، داخل في الأمة المصطفاه التي أورثها الله الكتاب بنص الآية الكريمة " ثم أورثنا الكتاب الذين أصطفينا من عبادنا " ولهذا كان من الخطأ والخطل اخراج بعض الناس من الملة والأمة لمجرد أنهم عصاة ظلموا أنفسهم، وكان من الخطل ايضاً إسقاط هذه المراتب ومعاملة الناس على أنهم كلهم يجب أن يكونوا سابقـين بالخـيرات بإذن الله(24).
وليس لأحد من البشر وصاية على أحد، وقد أمر الله عز وجل في محكم كتابه بأن يحكم المسلم على الناس بظاهر احوالهم وأن يدع له سرائرهم، ونهى عز وجل عن التشكيك في إيمان المقرين بالشهادة المعلنين للاسلام، وأنكر على من يخالف هذا فقال "يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا " (النساء – 94).
وكما يختلف المسلمون في التزامهم واستجابتهم لاوامر الدين ونواهيه فإنهم أيضاً يختلفون في الأفكار والأفهام والرؤى والمواقف العملية في قضايا الحياة المختلفة، وهذا شيء طبيعي أقتضته سنة الله في خلقه " ولا يجوز أن تضيق به الصدور أو أن يكون سبيلاً للتفرقة والقطيعة وتبادل الاتهام، كما أنه لا يقتضي – أبداً – أن يكون أحد أطرافه مؤمنا والأخر فاسقاً ومارقاً إذ الصواب والخطأ في الاجتهاد غير الإستقامة والخطيئة، والقرآن يذكرنا – وقلما نتذكر – بأن وحدة الأمة لا تحول دون وقوع الخلاف بين أفرادها، بل يظل المؤمنون – رغم خلافهم – " كالبنيان يشد بعضه بعضاً " وحتى إذا استفحل أمر الخلاف ووصل إلى حد الإقتتال المنهي عنه، فإن الفريقين المختلفين يظلان "اخوة" ويظلان "مؤمنين" " وإن طائفتان من المؤمنين أقتتلوا فاصحلوا بينهما فإن بغت احداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " (الحجرات – 9)(25).
* رابعاً: واجب علماء الدين في كشف اباطيل المتطرفين:
لاشك أن الأعمال الأرهابية التي يقوم بها بعض الشباب المتطرف اليوم هي نتيجة لمفاهيم وثقافة مغلوطة أستقوها من فتاوى وكتب فقهية ودعوية تاريخية ومعاصرة أخطأت في فهم النصوص الإسلامية ( القرآن والسنة ) وبالتالي أصدرت أحكامها بناءاً على هذا الفهم المعوج الذي تصدى له الفقهاء الثقاة ودعاة راسخين في العلم قديما وحديثاً، ولكن للأسف الشديد فإن الأصوات الشاذة والمتطرفة في الفكر الإسلامي – قديمه وحديثه – قد وجدت صدى واستجابة واسعة لدى قطاعات واسعة من الشباب الإسلامي المتدين ولم تجد أصوات الإعتدال والعقلانية في فكرنا الإسلامي – القديم والمعاصر – فرصتها في تلقين وتثقيف شباب المسلمين بل إن رموز هذا الفكر المعتدل قد حاصرتها تهم التشكيك والتضليل بل وحتى التكفير من قبل رموز التطرف الإسلامي في شتى أنحاء العالم، ولأن صورة التدين الناتجة عن هذا الفهم والتصور للإسلام قد ألحقت افدح الأضرار ليس بالمسلمين ومصالحهم فحسب وإنما بصورة الدين الإسلامي نفسه إذ أن غالبية الناس – وخاصة من غير المسلمين – لا يدركون الفرق بين حقيقة الدين كما هو في نصوصه المقدسة – القرآن والسنة – وبين صورته عند التأويل البشري والتطبيق العملي أو حين يظهر في سلوك أفراد وجماعات بل إن التداخل بين الصورتين – للأسف الشديد – هو الغالب الأعم في كل وقت وحين، فإن هذا ما يستدعي كل الغيورين على هذا الدين وخاصة العلماء الذين تفرض عليهم أمانة العلم أن يبينوا للناس وألا يكتموا الحق، وأن يدركوا جميعاً أن مجاملة المنحرفين عن روح الإسلام ومبادئه وأحكامه الثابتة والسكوت عما يمارسه بعضهم من تجاوز وعدوان لمجرد أنهم يرفعون رايات إسلامية، هذه المجاملة تسيء إلى الإسلام أبلغ إساءة .. وتصد عنه أصحاب العقول النيرة والقلوب الطاهرة السليمة وتفتح على العقول والنفوس باب الخلط بين التدين الصحيح الذي يسعد به صاحبه وتنتفع به الأمة كلها وبين التدين المنحرف عن الجادة الذي لا يورث صاحبه إلاّ إبتعاداً عن الناس ولا يفئ على الأمـة إلاّ حـرجـاً ومشقة وفتحاً لأبواب شر لا آخر لها(26).
وإذا كان هذا هو واجب العلماء في كل مكان بإعتبار أن هذه الظاهرة – التطرف والإرهاب – أصبحت ظاهرة عالمية وحتى لو كانت في بلد معين فإن واجب علماء الإسلام – أينما كانوا – أن يدينوا هذه الأعمال ويكشفوا زيفها وبطلانها مادامت تتدثر برداء الإسلام، فإن واجب علماء اليمن هو أشد وآكد وذلك لما تتعرض له بلادنا من اضرار من جراء هذا التطرف، وللأسف الشديد فإن كثير من أهل العلم الشرعي في اليمن " لم يكن رأيهم من الوضوح والصراحة فيما ينسب إلى الدين من اتهامات هو منها براء ولأن رأي جمهور من علماء اليمن جاء في بيان شهير يدين بشدة إجراءات الولايات المتحدة ضد أفغانستان ويحذر الدول الإسلامية من المشاركة في ذلك ويبرئ ساحة الإسلام من أي إتهام بالعنف أو الإرهاب ولكنه نفى صحة ما ينسب إلى بعض المجموعات الإسلامية من قيامها بأحداث نيويورك وواشنطن، ثم لما أن أعلنت تلك المجموعة صراحة مسئوليتها المباشرة عن ذلك بذرائع وتعليلات عدة، تقحم نصوص الدين وأحكامه فيها إقحاماً، لم نقرأ أو نسمع موقفاً علنياً جماعيا أو حتى فردياً قوياً يبرئ الجهاد من هذا التلبس به ويبين موقف جمهور علماء الأمة في أكثر من قطر" (27).
إن ما يجري اليوم يستوجب على كل العلماء والمثقفين وأصحاب الرأي أن يبذلوا اقصى جهودهم في توعية هؤلاء الشباب المغرر بهم وأن يعلنوا – بكل وضوح وصراحة – موقف الإسلام من هذه الأعمال، إذ أن هذا الموقف أصبح واجباً شرعياً ووطنياً ولا عذر لأحد في السكوت عنه وذلك من أجل :
1 – حماية مصالح العباد والبلاد، وذلك كما هو معلوم هدف الشريعة الإسلامية ومدارها، إذ أن الأحكام والتكاليف الشرعية ترتبط بالمصالح وجوداً وعدماً، وكما يقول إبن القيم – رحمه الله – في كتابه ( إعلام الموقعين ) " إن الشريعة معناها على الحكمة والمصلحة للعباد في المعاش والمعاد وهي عدل ورحمة ومصالح وكل ما خرج عن العدل والرحمة والمصلحة فليس من الشريعة وإن نسب اليها " وإذا كان الأمر كذلك أفلا يكون من الظلم للناس وللشريعة نفسها – أن تنسب هذه الأعمال الإرهابية الخارجة عن العدل والرحمة والمصلحة إلى هذه الشريعة السمحاء، وهل هناك عذر لاحد من العلماء وأصحاب الرأي أن يتقاعس عن بيان تجني هؤلاء على شريعة الله والعمل على إيقاف هذا العبث بدينه.
2 – الدفاع عن صورة الإسلام والمسلمين وما لحقها من تشويه في العالم جراء هذه الأعمال الإرهابية، ولعل البعض لا يهمه العمل على تحسين صورة الإسلام والمسلمين لدى الغرب – خاصة في ظل الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني والتهديد بضرب العراق – وغيرها من الأعمال العدائية تجاه العرب والمسلمين معتبراً أن أي محاولة لتحسين صورة الإسلام انما هي تعبير عن الإنهزامية والخوف وأن أمريكا والغرب هم من يحاولون تشويه الإسلام ولسنا معنيين بذلك، والحق أن هذا المنطق يجافي الحقيقة والواقع بل وسيرة النبي (ص) التي تؤكد أنه كان حريصاً على أن لا تنقل صورة سيئة عن المسلمين لدى الآخرين أي أن يقتل المنافقين وعلى رأسهم عبدالله بن أبي عندما أستأذنه بعض اصحابه بقتله رغم ما يسببه للمسلمين من أذى ومعرفته الأكيدة عبر الوحي الالهي بنفاقهم، وقد علل رفضه لذلك بقوله "حتى لا يقال أن محمداً يقتل أصحابه " فكيف بنا اليوم وقد قيل عنا – بسبب هذه الأعمال – أننا نقتل بعضنا ونقتل الآخرين الأبرياء بدون وجه ححق !! أفلا يكون واجباً أن نسعى بكل إمكانياتنا لمحاصرة هذا الوباء وشل حركته ليس إرضاءاً للغرب وإنما خدمة لمصالحنا وديننا وانفسنا وحتى لا يقال " إن الإسلام يشجع الأرهاب"!!.
* الهوامش
1. د/محمد عمارة ( الاسلام وضورة التغيير)، كتاب العربي رقم (291) ، 15 يوليو 1997م، ص 93
2. محمد الغزالي (جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج)،دار الكتب، الجزائر، 1987م ص 52
3. نفس المرجع ص 101
4. محمد الغزالي (دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، دار القلم، دمشق، الطبعة الثالثة 1998 ص 115 – 116
5. فهمي هويد (مواطنون لا ذميون ) ، دار الشروق، الطبعة الثالثة ،1999 ص 106- 107
6. انظر كتاب د/عبدالواحد الزنداني، (السير والقانون الدولي).
7. منصور على ناصف (التاج الجامع للاصول في احاديث الرسول)، الطبعة الثانية الجزء الرابع ص 408.
8. محمد السعدي" التكفير والعنف في ميزان الاسلام" اشكاليات الفكر الاسلامي المعاصر، لمجموعة من الباحثين، اصدار مركز دراسات العالم الاسلامي ،الطبعة الاولى خريف 1999 ص 172 – 174
9. نفس المرجع ص 179 – 180
10- مقابلة مع القاضي حمود الهتار، في صحيفة 26 سبتمبر،العدد (1042)، تاريخ 28 نوفمبر 2002م ص 17
11. محمد الغزالي (من معالم الحق في كفاحنا الاسلامي الحديث)، دار الكتب الحديث، الطبعة الثالثة،1963، ص239
12. فهمي هويدي "التدين المنقوص" ، مركز الاهرام للترجمة والنشر ،الطبعة الاولى1987م، ص 46
13. د/يوسف القرضاوي " أمتنا بين قرنين" ، دار الشروق، الطبعة الاولى 2000م، ص 75
14. انظر نص خطبة القاتل علي احمد جار الله في صحيفة البلاغ، العدد (501)، تاريخ 31 ديسمبر 1002م ص 15
15. هوالشيخ مقبل بن هادي الوادعي في كتابه"القول المبين في بيان فضائح المذبذبين" ولم أتمكن من العودة إلى ا لكتاب أثناء كتابة هذه الاسطر، وإلا لذكرت ذلك بالنص وبرقم ا لصفحة وليراجع الكتاب من شاء ليجد صدق ماذكرناه!!.
16. محمد الغزالي (هموم داعية)، دار البشير، القاهرة، الطبعة الثانية، 1405هـ، ص162-163.
17. احمد كمال ابوالمجد "حول الخطاب الديني المعاصر"،مجلة الكتب وجهات نظر،العدد (38)، مارس، 2002م ص8
18. صلاح الدين الجورشي، (الحركة الاسلامية، رؤية مستقبلية، اوراق في النقد الذاتي)، عدد من الباحثين، مكتبة مدبولي، الطبعة الأولى، 1989، ص133.
19. احمد كمال ابوالمجد "الارهاب والاسلام"،الكتب وجهات نظر ،العدد (34)، نوفمبر 2001م، ص 16.
20. عمبر عبيد حسنة في مقدمته لكتاب الامة" فقه الواقع اصول وضوابط"، العدد (75)، محرم 1421هـ ص 37.
21. مقابلة مع الشيخ محمد الصادق مغلس في مجلة المنتدى ، العدد (70) ذي القعدة 1422هـ يناير 2002م ، ص 42 – 43.
22. فهمي هويدي، "مواطنون لاذميون" المرجع السابق ،ص 81
23. د/ راشد المبارك، (فلسفة الكراهية – دعوة الى المحبة)، عرض الكتاب ا.د/ملكة الابيض في صحيفة 26 سبتمبر،العدد (988)، تاريخ 6 ديسمبر 2001م، ص 17.
24. د/ يوسف القرضاوي، (الصحوة الاسلامية . رؤية نـقدية من الداخل)، عدد من الباحثين ، الناشر للطباعة والنشر،الطبعة الاولى، 1990م ، ص 52 – 53.
25. احمد كمال ابوالمجد "حول الخطاب الديني المعاصر" الكتب وجهات نظر ،العدد (38)، مارس 2002م، ص 8.
26. احمد كمال ابوالمجد، "الارهاب والاسلام" ، مرجع سابق ص 36.
27. د/ احمد محمد الدغشي، "المراجعة في العمل الاسلامي فريضة وضرورة – الجماعات الجهادية انموذجاً"، مجلة نوافذ ، العدد (38)، ديسمبر 2002م ، ص 40. مركز البحوث والمعلومات /
قراءات سياسية (العدد 7 يناير، 2003)
|