|
الاتحاد الأوروبي والبحث عن القوة0 [19/يونيو/2003] كتب/ محمد عباس
لعل من ابرز مظاهر مكونات النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية وابان مرحلة الحرب الباردة، ظهور العديد من المنظمات الدولية والاقليمية التي بدأت تتواجد ككيانات كبرى محتلة جزء كبير من الخارطة السياسية للعالم.. وياتي الاتحاد الأوروبي الذي إنشئ في اوائل الخمسينيات كأحد اهم المنظمات الاقليمية العاملة في هذا الااطار.. وقد بدا الاتحاد الاوروبي مصمماً منذ انتهاء الحرب الباردة على احداث تغييرات طموحة من شأنها زيادة فاعليته ودوره من خلال بعض الخطوات المتقدمة باتجاه المزيد من الاندماج الاقتصادي داخل الاتحاد وتوسيع عضويته.
* النشأة :
نشأ الإتحاد الأوروبي عندما وقع قادة فرنسا والمانيا وايطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورج اتفاقية مجموعة الفحم والصلب الاوروبية في 18 ابريل عام1951، وقد قامت مجموعة الفحم والصلب الاوروبية على فكرة بسيطة ترى انه يمكن للعدوين السابقين فرنسا والمانيا انهاء حروبهما المتكررة وبناء قارة اكثر سلما قائمة على التعاون الاقتصادي بالاتفاق بين الدول على انتاج الفحم والصلب.
وبعد مرور خمسين عاماً على نشأة الاتحاد الاوروبي نجد انه مر خلال مراحل توسعه بأربع مراحل على النحو التالي ففي عام 1973م انضمت للاتحاد الاوروبي، الدنمارك، وإيرلندا والمملكة المتحدة وانضمت في عام 1981 اليونان وفي عام 1986 إنضمت إسبانيا والبرتغال وفي عام 1995 انضمت النمسا وفلندا والسويد وأصبح الاتحاد الاوروبي الآن لديه 15 دولة تحتضن 370 مليون نسمة ويَعدُّ لتوسعته الخامسة في هذا الوقتِ نحو أوروبا الشرقية و الجنوبية اذ سيقرر زعماء الاتحاد في 12 و13 ديسمبر الجاري بمدينة كوبنهاجن إعلان التوسيع التاريخي للاتحاد، بالترحيب بعشرة أعضاء من وسط وشرق أوروبا.
* الاهداف:
1- ومن اهداف الاتحاد الأوروبيِ أَنْ ينظّمَ العِلاقات بين الدول الأعضـاءِ وبين شعوبهـم في إسلوبِ متماسكِ وعلى قاعدةِ التّضامنِ و ذلك من خلال تحقيق التقدم الإقتصادي والإجتماعي.
2- ابراز الهوية الأوروبية على الصعيد الدولي من خلال (المساعدات الإنسانية الأوروبية) إلى البلدان الغير أوروبية.
3– وجو إيجاب في الازمات الدولية.
4- تقديم الهوية الأوروبية ليس باعتبارها نقيض للهوية الوطنية لكل بلد أوروبي ولكن كمكمل لهذه الهوية وزيادة حقوق الفرد الأوروبي.
5- تطوير مساحة الحرية والأمن والعدالة، والمحافظة وبناء القانون الذي تسير عليه المؤسسات الخاضعة للإتحاد وهذه المؤسسات هي:
- البرلمان الأوروبي: ينتخب من قبل شعوب دول الإتحاد.
- اللجنة التنفيذية: وهي السلطة التنفيذية التي لها حق التشريع.
- محكمة العدل: تضمن الخضوع للقانون.
- مجلس المحاسبة: مسؤول عن تدقيق حسابات الإتحاد.
هذه المؤسسات الرئيسية و تدعم من هياكل أخرى وهي:
- اللّجنة الإقتصادية والإجتماعية:
- لجنة المناطق.
- لجنة الشكاوي.
- مصرف الإستثمارِ الأوروبي.
- البنك المركزي الأوروبي.
* التوســـع :
مع اقتراب اتفاقية مجموعة الفحم والصلب من تاريخ انتهاء مدة سريانها في عام 2002 برزت تساؤلات كثيرة عن مستقبل الاتحاد الاوروبي وشكله ووضعه الجديد لاسيما بعد ان قرر قادة دول الاتحاد توسيعه بعد انتهاء الحرب الباردة، ولقد حاول قادة الاتحاد الاوروبي التصدي لبعض القضايا التي اثارها التوسيع في اتفاقية جديدة وقعوها في نيس بفرنسا جعلت من الاسهل نظريا ان تتعاون مجموعة صغيرة من الدول تعاونا اوثق من الاخرين في مجالات سياسية معينة، لكنهم لم يغيروا البنيان المؤسسي الاساسي للاتحاد الاوروبي واجلوا امكانية ادخال تغييرات جوهرية الى عام 2004 اي الى ما قبل موعد التوسيع المتوقع مباشرة.
ففي نيس بفرنسا وفى ديسمبر 2000 حدد زعماء الاتحاد الاوروبي عام 2004 موعدا مستهدفا لدخول أعضاء جدد للتجمع الاوروبي وجاء في الاعلان الصادر عن القمة المنعقدة أن زعماء الاتحاد يأملون أن تتمكن الدول المتقدمة للعضوية من المشاركة في الانتخابات البرلمانية الاوروبية المقبلة 00 ومن المقرر أن تجري انتخابات البرلمان الاوروبي في منتصف عام 2004 وسيتعين على ذلك انضمام الاعضاء الجدد قبل ذلك بوقت كاف للسماح لهم بالمشاركة في تلك الانتخابات. والدول المرشحة هي بلغاريا وجمهورية التشيك وقبرص واستونيا والمجر ولاتفيا وليتوانيا ومالطا وبولندا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا.
وجاء في النص ان استراتيجة الانضمام "ستتيح للاتحاد استنادا الى الاهداف التى حددها المجلس الاوروبي في هلسنكي (ديسمبر 1999) ان يكون قادرا على ان يستقبل اعتبارا من نهاية العام 2002 الاعضاء الجدد المستوفين للشروط على امل ان يتمكنوا من المشاركة في الانتخابات الاوروبية المقبلة في يونيو من عام 2004م.
وكان الاتحاد الاوروبي قد بدأ في ديسمبر 1997 مفاوضات مع دفعة اولى من الدول (بولندا والمجر وسلوفينيا وتشيكيا واستونيا وقبرص)وبعد سنتين على ذلك مع دفعة ثانية تشمل لاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وبلغاريا ومالطا ومنحت تركيا وضع المرشح الرسمي في ديسمبر 1999 لكن الاتحاد الاوروبي لن يبدأ مفاوضات مع هذا البلد الا بعد تحقيق تقدما على الصعيد السياسي لاسيما في مجال احترام حقوق الانسان والاقليات وهناك اتجاه لتأجيل النظر في طلبها حتى عام 2007م.
وإذا انتقلنا لأفكار قادة الاتحاد الأوروبي التي طرحوها خلال هذا العام حول مستقبل الاتحاد أو أوروبا الجديدة كما يرونها, نجد أن أغلبها يدور حول مدى الاقتراب من أو الابتعاد عن القضية المصيرية: (مزيد من التكامل والاندماج وكيفية تحقيق ذلك).
ففي حين كانت رؤية المستشار الألماني شرودر هي الحاجة إلي ايجاد اتحاد فيدرالي علي غرار الولايات المتحدة الأمريكية, يستند إلي حكومة تنفيذية قوية مقرها بروكسل ولديها جميع السلطات, باستثناء سلطتي السياسة الزراعية المشتركة والمعونة الاقليمية اللتين يتم اعادتهما إلي الحكومات الوطنية, كانت بريطانيا تعارض بشدة ـ علي لسان رئيس الوزراء بلير ـ أي اندماج اوروبي أكثر فمصطلح اتحاد فيدرالي بالنسبة لها يعني قيام دولة عظمى, وهذا هو أكثر ماتخشاه! أما فرنسا فهي متذبذبة.. حيث تتأرجح رؤيتها بين فكرة اتحاد فيدرالي للدول القومية وهو ماسبق أن طرحه الجنرال ديجول من قبل, وبين التزامها منذ الخمسينيات كعضو مؤسس للاتحاد, وحتي الآن, باتحاد أوروبي يزداد تقاربا يوما بعد يوم, وتتدفق كل السلطات فيه في اتجاه بروكسل, حيث يصبح لأوروبا سياسات ضريبية وصناعية مشتركة. المهم أنه في أي من الوضعين يجب أن يخدم الوضع المتفق عليه مصالح فرنسا.
* البحث عن القوة
منذ نهاية الحرب الباردة وظهور الولايات المتحدة كزعيم وحيد للعالم والاتحاد الاوروبي يعمل جاهدا على التحول الى قوة توازي الولايات المتحدة وقد حددت الدول ال15 الاعضاء في الاتحاد الاوروبي في قمة لشبونة في مارس 2000م وللمرة الاولى هدفا يتمثل بالتحول الى اكبر قوة اقتصادية في العالم في غضون عشر سنوات، لعل أهم الخطوات التي اتخذها الاتحاد في هذا الاتجاه هي البدء في يناير 2002 في تداول اليورو.. العملة الأوروبية الموحدة في كل المعاملات التجارية في12 دولة أوروبية في حدث يمثل لحظة تاريخية لأوروبا. فعملة اليورو هي البشير بقيام الوحدة السياسية كما كان يتمناها الآباء المؤسسون للاتحاد وبدء تداولها يمثل خطوة كبيرة نحو إيجاد اتحاد اوروبي أكثر تكاملا واندماجا.
واصبح الاتحاد اكبر كيان تجاري في العالم حيث يشترك 12 عضوا من اعضائه في عملة موحدة تطمح لمنافسة الدولار الامريكي.
وفي اتجاه اخر وفي جانب هام من جوانب القوة وهي القوة العسكرية الاوروبية المستقلة عن القيادة الامريكية اتفق في باريس في 28/ 7 / 2000م الخبراء العسكريين للدول الخمس عشرة في الاتحاد الاوروبي على التصديق على التوصيف الدقيق للقوة الاوروبية للرد السريع التي يعتزمون تشكيلها.
وكانت الدول الخمس عشرة قررت في ديسمبر 1999 في هلسنكي تشكيل قوة مشتركة قوامها 50 الى 60 الف رجل يمكن نشرها خلال ستين يوما في مسرح عمليات يبعد 4 الاف كلم وقادرة على البقاء فيه اكثر من سنة. ويتطلب هذا الهدف بسبب التناوب عدد عناصر اجمالي يبلغ 180 الف رجل.
لكن الخبراء العسكريين الاوروبيين اعتبروا ان رقم 80 الف رجل لتحقيق هذا الهدف اكثر ملائمة بسبب السيناريوهات المختلفة للتدخلات الممكنة.
وفي 22/9/2000م / اعلن وزير الدفاع الفرنسي ألان ريشار ان القوة الاوروبية للتدخل السريع التي ستتشكل في العام 2003 سيبلغ عدد افرادها 80 الف رجل.
واوضح ريشار في ختام اجتماع غير رسمي لوزراء الدفاع في الاتحاد الاوروبي ان هؤلاء
الرجال سيزودون ب (300 )الى (350) طائرة مقاتلة و(80 ) سفينة.
وتعتبر هذي القوة التي سيعهد اليها تنفيذ المهام الانسانية وعمليات حفظ السلام في العالم قوة مستقلة ومميزة عن حلف شمال الاطلسي 0
وفي 20/11/ 2000م وعدت دول الاتحاد الاوروبي ال15 بتقديم مائة الف رجل وحوالي400 طائرة مقاتلة ومائة قطعة بحرية لانشاء قوة التحرك السريع المشتركة كما اعلنت الدول ال15 في بيان مشترك صدر في بروكسل انه "بمجرد ان تكون الهيئات السياسية والعسكرية للاتحاد الاوروبي قادرة على تولي السيطرة السياسية والقيادة الاستراتيجية للعمليات التي يقودها الاتحاد الاوروبي قبل 2003 فان الاتحاد سيتولى تدريجيا مهمات ادارة الازمات بما يتناسب مع تزايد قدراته العسكرية."
واكد زعماء الاتحاد الاوروبي ان قوات رد الفعل السريع لا تعني إنشاء جيش أوروبي وان القوات ستكون مرتبطة بحلف شمال الأطلسي على الرغم من مطالبة فرنسا بأن يكون للقوات استقلالها في التخطيط.
* الموقف الامريكي من توسيع الاتحاد الاوروبي :
على الرغم من ان اوروبا الشريك الاستراتيجي الاول للولايات المتحدة ورغم أن الولايات المتحدة تساند الوحدة الاوروبية، بل وتدعم توسع الاتحاد الاوروبي شرقا، الا انها تضمر قلقا ازاء التحولات الجيوبوليتيكية التي تشهدها اوروبا منذ نهاية الحرب الباردة، والتي اذا انحرفت إلى اتجاهات مغايرة للمقاصد الامريكية فانها تنذر بمقومات سالبة في حسابات واشنطن لذا حرصت الولايات المتحدة على تعزيز حلف الناتو وتحديث آلياته التنظيمية والدفاعية بحسبانه الآلية الاكثر فاعلية لضمان استمرار الدور المحوري الذي تضطلع به الولايات المتحدة في شؤون القارة الاوروبية.
لا تجد الولايات المتحدة مشقة في بسط نفوذها على اوروبا عبر تعزيز قيادتها المركزية للناتو فالحضور الاميركي اجمالا يلقى قبولا بحسبانه من ضرورات الامن الاوروبي الذي يواجه جملة من التحديات الداخلية والخارجية.
فعلى الصعيد الداخلي تبرز المخاوف من انبعاث النزعة القومية والعرقية الكامنة لدى بعض القوى خاصة في منطقة البلقان كما أن التحولات التي تشهدها دول شرق ووسط اوروبا لم تتبلور صورتها النهائية بعد ورغم انها تسير ـ تحت الاشراف الاميركي ـ نحو تحديث هياكلها الاقتصادية وتنظيماتها السياسية ومؤسساتها الدفاعية، كي تكتسب مؤهلات الاندماج في الاطار الاوروبي وتحقق شروط التأهل لعضوية الناتو ، ولكنها تعالج إرثا تراكميا بائسا. وقد تفرز تلك التحولات فتوقا في الجسم الاوروبي تعجز اوروبا وحدها عن السيطرة عليها.
وعلى الصعيد الخارجي هناك الخطر الروسي الذي لا يزال يمثل تهديدا نوويا ليس بمقدور اوروبا التصدي له بغير المشاركة الامريكية، كما تمثل الولايات المتحدة ثقلا بالغا التأثير في التفاوض مع روسيا حول توسيع الناتو والترتيبات الامنية في شرق أوروبا.
ولكن لواشنطن حساباتها التفصيلية التي تتقاطع مع الرؤية الاوروبية التي تقودها المانيا وفرنسا. فاليقين أن الولايات المتحدة ترغب في رؤية اوروبا موحدة بخصائص معينة ومعايير محددة أهمها أن لا تكون شريكا موازيا للزعامة الامريكية بل خاضعا لها وان لا تكون عامل اضعاف لمحورية الدور الامريكي في شؤون القارة، وهذه الرؤية المرجعية التي تصدر عن الولايات المتحدة كأحد أهم الموجهات لأدائها الجيوستراتيجي في اوروبا تصطدم بظهور المحور الالماني ـ الفرنسي ـ النازع إلى ابراز الهوية الاوروبية وبناء كيان اوروبي مستقل تحت القيادة الالمانية الفرنسية. وبالنظر إلى موازين القوة فليس من اليسير على هذا المحور أن يبسط نفوذا قياديا طاغيا على الشأن الاوروبي فضلا عن منازلة الولايات المتحدة على الساحة الدولية. ولكن مقدار القوة وحجم الاستقلال يتحددان وفقا لما تفرزه التحولات التي تعتري الصراع الدولي والتقلبات التي تستبد بنسق المصالح. وتراهن الدولتان على قوتهما الذاتية لاكساب محور التحالف نجاحا على الساحة الاوروبية والمحيط الاقليمي.
فألمانيا عملاق اقتصادي يستند إلى إرث ثقافي جانح إلى بسط الهيمنة على الشأن الاوروبي ولكن في اطار اندماجي طوعي هذه المرة.
وفرنسا قوة نووية استطاعت أن تنهض بقوتها الدفاعية بعيدا عن الناتو الواقع تحت الهيمنة الامريكية، وتسلم القارة بأسرها بالدور الحيوي لفرنسا في حماية البوابة الجنوبية لأوروبا.
وتعارض فرنسا بقوة سيطرة الولايات المتحدة على القيادة المركزية للناتو، الامر الذي
دفعها إلى قطع علاقتها العسكرية بالحلف عام 1966، ورغم عودتها إلى الأطر الدفاعية للناتو في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين الا أنها طفقت ـ مدفوعة بروح التحرر من الهيمنة الاميركية ـ تبحث عن اطار أمني آخر يجسد الاستقلال الدفاعي لأوروبا ويمثل المرجعية العسكرية للاتحاد الاوروبي ، فكان انشاء اتحاد غرب اوروبا ـ WEU ـ عام 1996ترجمة للمسعى الفرنسي الذي لم تعارضه الولايات المتحدة علنا، ولكنها ليست راضية عنه كل الرضا. مركز البحوث والمعلومات /
قراءات سياسية( العدد 6 ديسمبر 2002)
أخبار ذات علاقة |
| لا توجد أخبار ذات علاقة ... |
|