|
الموقف العربي من القرار (1441), ومستقبل العراق0 [17/يونيو/2003] كتب/ عبدالله سنان
لا يستطيع مكابر إنكار أن الهدف من التوجه الأمريكي لإستخدام القوة العسكرية ضد العراق يتعدى هدف التخلص من أسلحة الدمار الشامل ـ التي تصر الإدارة الأمريكية على امتلاك العراق لها ـ إلى هدف دمج المنطقة العربية بكاملها ضمن حدود الفعل الأمريكي.
وما يؤكد ذلك هو الإصرار الأمريكي في التعامل مع العراق بالعنف في كل ما تطرحه أمريكا، وبرغم ما يقدمه العراق من تنازلات تمس بسيادته في جانب كبير منها.
في الثامن من نوفمبر بلورت المعادلة السياسية الاستراتيجية الدولية بشأن طبيعة العلاقة بين العراق والمجتمع الدولي (الأمم المتحدة).
وما نحاوله في هذه الدراسة استشراف الموقف العربي من القرار الدولي (1441) ومن ثم معرفة مستقبل العراق في النظام العربي, وفي ظل التهديدات الأمريكية بضربه عسكرياً.
ومع التأكيد على أن هذه الدراسة لا تعنى بتناول موقف الدول العربية من المسألة العراقية كل على حدة (دولة دولة) بل تتناول الموقف العربي من خلال الإطار المؤسسي للنظام الاقليمي العربي .. أي الجامعة العربية ، ومن خلال المحاور التالية:-
أولاً: الإطار العام للعلاقات العربية ـ العراقية .
ثانياً: الموقف العربي من القرار الدولي بشأن العراق (1441).
ثالثاً: مستقبل العراق.
* أولا:الإطار العام للعلاقات العربية ـ العراقية
تعتمد قراءة وتحليل طبيعة الموقف العربي من القرار (1441) بشأن العراق و اودراك ابعاد ودلالات ذلك الموقف على مستقبل العراق ، تعتمد على معرفة الإطار العام للعلاقات العربية-العراقية، والعلاقات العربية ـ العربية.
ولكن وحتى نلم بمفردات الدراسة فإننا بحاجة لعرض موجز للعلاقات العربية ـ العربية من الناحية الرسمية ، فكما تشير كثير من الدراسات والادبيات السياسية العربية ، فإن الإطار الزمني للعلاقات العربية ـ العربية من الناحية الرسمية ، لا يتجاوز سبعاً وخمسين سنة .. أي منذ تأسيس الجامعة العربية في 22 مارس 1945م . وحقيقة كانت هناك تفاعلات عربية ـ عربية قبل هذا التاريخ ، إلا أن هذه التفاعلات لم يتوفر لها الإطار المؤسسي إلا في عام (1945م) ومثلت نشأة الجامعة العربية بارقة امل عربي لتحقيق الوحدة العربية الشاملة، أو على أقل تقدير شكل من الاتحاد والتقارب العربي . إلا ان نشأة الجامعة جاءت متزامنة مع نهاية الحرب العالمية الثانية بما أفرزته من تحولات دولية هامة حيث كان النظام الدولي يتحول من نظام القوى المتعددة إلى نظام القطبية الثنائية، ومنذ ذلك الحين شكل النظام الدولي القائم بسماته الرئيسية عامل تأثير وضغط على المنظمة العربية الوليدة، لتحويلها إما أداة للصراع أو منتدى للمواجهة، وبهدف تعطيل أو احتواء أي دور مستقل يمكن ان تقوم به الجامعة العربية.
ومن ناحية أخرى فإن تطورات النظام الدولي والعلاقات الدولية فرضت على المنظمات الاقليمية ضرورة التكيف شكلاً وعملاً لملائمة هذه التطورات ، لذا فإن الجامعة العربية كمنظمة اقليمية نشأت نتيجة الحاجة لإطار مؤسسي ينظم العلاقات العربية ـ العربية ويعالج مشكلاتها ، تحولت بفعل تلك التطورات إلى أداة من أدوات النظام الدولي المساعدة لمؤسساته الدولية التي يمكن أن تفرق في بحور من المشكلات الاقليمية ومن هنا كسبت الجامعة العربية هشاشتها تكويناً وعملاً .
كما ساهمت طبيعة الاساس الذي نشأت عليه الجامعة العربية ـ إقامة علاقات عربية ـ ودولية والسعي لتطويرها ـ في تهيئة الفرصة امام النظام الدولي لاختراق النظام الاقليمي العربي ، بغية تعميق العجز في مشروعه القومي وتطويع توازن النظام الاقليمي العربي دولياً، وتبعاً لذلك الترابط انتقل الصراع الاقليمي ، ورافق ذلك ازدياد الخطر الخارجي الناتج عن مفهوم الأمن وغياب التوجه القومي وقصور الدور البنيوي السلوكي للجامعة العربية.(1)
* العلاقات العربية ـ العراقية
وللوصول لتصور واضح لطبيعة العلاقات العربية ـ العراقية ، في الوقت الراهن ، نعود فنختزل عامل الزمن للعلاقات العربية ـ العربية ، بما عرفته من متغيرات في البيئة الداخلية للبلدان العربية والبيئة الاقليمية والدولية وصولاً الى مرحلة التسعينات من القرن العشرين، إذ شهد النظام الاقليمي العربي منذ بداية التسعينات موجات متعاظمة من الأزمان استنزفت قدراً هائلاً من طاقاته الايديولوجية والمادية والبشرية.
ولاشك ان أزمة الخليج (حرب الخليج الثانية) قد ساهمت في صياغة العلاقة العربية- العراقية، حيث شكل اجتياح العراق للكويت حدثاً من الاحداث العربية والاقليمية الاكثر خطورة
بالنسبة للنظام الاقليمي العربي لعدة اسباب منها:
- ان الاجتياح جاء في وقت كانت خطى الانفراط في النظام الدولي متزايدة ومتلاحقة بكل ما تحمله من مخاطر الاتجاه نحو عالم القطبية الاحادية.
- ان العقيدة القومية للنظام العربي كانت تتعرض لحملة شرسة وحروب متعددة أهمها حروب النفط والمال إضافة لسياسة الهيمنة الأمريكية.
- الاجتياح أدى إلى انقسام في الموقف العربي وبالتالـي تبعثر إمكانات النظام وأطرافه.(2)
وبفتور عقيدة النظام العربي القومية وافتقاره للقوة الموجهة المتوافقة مكانة وقدرة، أصبح مسار التفاعل بين البلدان العربية والعراق.. يتميز بالإختلال في نمط العلاقات وضعف التماثل واختلاف التوجهات الاقليمية.
ويتضح ذلك بجلاء من خلال النظر في طبيعة العلاقات العربية ـ العراقية من بعد الاجتياح وحتى ما قبل احداث سبتمبر 2001م، فالملاحظ على هذه العلاقات انها مرت بمراحل مختلفة، هي وحسب ما أوضحها الدكتور محمد سعد أبو عامود .. هي اربع مراحل :
- المرحلة الأولى:- وتسمى مرحلة الترقب ، وبدأت في أعقاب حرب الخليج واستمرت حتى نهاية العام 92م.. وتميزت بانقسام الموقف العربي تجاه العراق إلى دول مقاطعة للعراق ومشاركة في التحالف الدولي ضده .. ودول مساندة للعراق رافضة الحل الخارجي للأزمة..
وفي حين استمرت الدول العربية في المقاطعة، تراجعت الدول العربية في مساندتها وخففت من ارتباطها ببغداد.. وعموماً فإن موقف الطرفين العربيين من العراق استند إلى رؤية مؤداها أن النظام في العراق سيتغير نتيجة الهزيمة العسكرية ونظام الحصار المفروض من مجلس الأمن الدولي.. وانتهت هذه المرحلة بصمود العراق وتفكك جزئي لتحالفي أزمة الخليج وهو ما بدأ في ذلك الوقت بمثابة خطوة نحو إعادة التوازن في التفاعلات العربية ـ العربية، واتسم الموقف خلالها (الفترة) بالانصراف العربي عن المشاركة في التأثير على مستقبل العراق وعدم الاهتمام بوضع تصور مستقبلي للعلاقة مع العراق. وما يؤخذ على هذه المرحلة أنها لم تميز بين نظام عراقي غير مقبول وبين دولة عربية يجري تدمير قدراتها ويعاني شعبها حصاراً لا انسانيا.
- المرحلة الثانية:- وتعرف بمرحلة مبادرات المصالحة العربية، وبدأت في يونيو 93م مع مبادرة ملك المغرب الحسن الثاني، ثم دعوة وزير الإعلام العماني لإعادة العراق من البوابة العربية بدلاً من عودته من البوابة الغربية، إضافة لمبادرة الأمين العام لجامعة الدول العربية
لتحقيق المصالحة العربية في عام 93م أيضاً. إلا ان هذه الجهود لم تسفر عن حدوث أي تقدم ملحوظ في الاتجاه نحو المصالحة. ويرجع ذلك إلى التشدد الكويتي والسعودي تجاه العراق. وكذلك إلى السياسة العراقية التي لم تبدي أي استعداد لتغيير مواقفها ولم تقدم أي بادرة لتدعيم جهود المصالحة. وخلال هذه المرحلة صدر القرار الدولي بترسيم الحدود الكويتية العراقية، وهو ما رفضته بغداد بداية إلا انها عادت وأعلنت قبولها بعد ذلك.
- المرحلة الثالثة:- وتعرف بمرحلة التداخل بين التفاعلات العربية العراقية والتفاعلات العراقية الدولية.. وتميزت بتراجع حالة الاجماع الدولي لمقاطعة العراق وحصاره، حيث نجح العراق من خلال الاستجابة لبعض قرارات مجلس الأمن، وإعادة تنشيط شبكة المصالحة مع بعض الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن. ومعاودة التحرك صوب بعض الدول العربية وإجراء اتصالات مع تركيا وايران في بلورة مواقف محددة تقر بالتجاوب العراقي مع قرارات مجلس الأمن. وبالتالي ضرورة البدء في رفع المعاناة عن الشعب العراقي خاصة بعد صدور العديد من التقارير الدولية التي اوضحت صعوبة الاوضاع المعيشية للشعب العراقي وهو ما دفع إلى بدء المفاوضات حول مشروع النفط مقابل الغذاء وقد استمرت هذه المفاوضات طوال عام 1995م وحتى مايو 1996م حيث تم توقيع الاتفاقية في 20 مايو 1996م ، وقد أيدت الدول العربية هذه الاتفاقية باعتبارها توفر الموارد المالية اللازمة لسد احتياج الشعب العراقي من الغذاء والدواء.. الأمر الذي يعالج الوضع المأساوي الذي يعيشه هذا الشعب .
- المرحلة الرابعة:- وتعرف بمرحلة القلق في التفاعلات العربية ـ العراقية. وتميزت بتنوع وتشابك هذه التفاعلات وتراوحها بين التحسن النسبي والتراجع إلى موقع التشدد مرة أخرى، وشهدت هذه المرحلة انعقاد عدد من القمم العربية مع استبعاد العراق عن حضورها في يونيو 1996م.. نتيجة الموقف المتشدد من الكويت والسعودية، كما تميزت هذه المرحلة بأن مواقف الدول العربية ولأسباب مختلفة لا تؤيد ضرب العراق، لكن هذه المواقف تتراجع إزاء التهديد الأمريكي والهجوم الأمريكي كما حدث عام 98م, فيما عرف بعملية ثعلب الصحراء.. وفي هذه المرحلة حدث تطور إيجابي في التفاعلات العربية ـ العراقية على المستوى الثنائي خاصة في نطاق الاتصالات العراقية السورية والعراقية المصرية وبين العراق وسلطنة عمان والإمارات وقطر، إلا ان التشدد الكويتي السعودي يضع حداً لهذه الخطوات.
وتشير التقارير والدراسات السياسية أنه وبرغم ما شهدته العلاقات العربية ـ العراقية من تقدم يستثنى منه الكويت والسعودية إلا أن الرسميين العرب (الحكومات العربية) لم يستطيعوا الحفاظ على موقفهم العام الذي اتخذوه تجاه التهديد الأمريكي بضرب العراق في مطلع العام 98م الذي كان امتداد لرد فعلهم في أواخر عام 97م.(3)
* ثانيا:الموقف العربي من القرار الدولي(1441)
حين تعرضت الشرعية القومية لفقدان الإتزان، بفعل عامل التدخل في العلاقات العربية العراقية والعربية الدولية، والتناقضات في المواقف القومية من القضايا العربية المشتركة التي ما تزال تتستر خلف الترتيبات الشكلية للعمل العربي المشترك، حين ذاك وجدت الجامعة العربية صعوبة في لم الشمل العربي وتوحيد التوجهات وسبب ذلك العجز يعود لكون عوامل التدمير داخلية ومن مثل :
1- إنعدام الثقة المتبادلة بين قيادة العراق وبعض القيادات العربية وعلى الأخص الكويت والسعودية . وبالتالي رفض التعامل معه .. وكذلك العراق الذي لم يثق في هذه الأطراف العربية ورفض بالتالي الاستجابة لأي نداءات وجهت إليه.
2- مراهنة العراق والاطراف العربية على عنصر الزمن ، حيث راهن العراق على عنصر الزمن في خلق تناقضات عربية ، وراهنت الاطراف العربية على ان الزمن وفي ظل المقاطعة والحصار سيؤدي إلى إنهيار النظام العراقي.
3- تبني ايديولوجية تحريضية من العراق تجاه الاطراف العربية ، وتبني الأطراف العربية لايديولوجية تبريرية على اساس التمييز بين النظام العراقي والشعب العراقي.
4- عدم وجود تصور مستقبلي عربي للعراق وعدم وجود تصور عراقي مستقبلي لطبيعة علاقته بالدول العربية.
5- تفضيل التعامل الدولي مع القضية العراقية .. فالدول العربية رأت أن الإطار الدولي يوفر الضغط على العراق لتغيير سياسته أو تغييره .. والعراق يرى في هذا الإطار اداه مناسبة لتغيير مواقف الدول العربية تجاهه.(4)
وقد جاءت نتائج جلسة وزراء الخارجية العرب والتي اختتمت أعمالها في 10 نوفمبر الماضي لتكشف حقيقة العجز .. فبدلاً من وصول مجلس وزراء الخارجية العرب إلى حل قومي يعيد التوازن للمنطقة بشكل عام والعراق بشكل خاص ، حيث جاءت نتائج الجلسة لتغيب الجامعة وتفقدها دورها الذي يقضي بتأسيس حل عربي، إذ لم تساهم الجامعة مساهمة فعلية تدفع بإتجاه صياغة حل نهائي للمسألة العراقية ولم تشترك في الإعداد الفعلي للقوة العربية اللازمة للدفاع عن العراق وفقاً لمعاهدة الدفاع العربي المشترك. ولكن جاءت نتائج الجلسة الطارئة لمجلس وزراء الخارجية العرب هامشية استغلت لتمرير القرار الدولي بصورة غير شرعية .. فتوصيات الجلسة لم تكن إلا وفقاً لإدارة غير عربية ، يتضح ذلك من خلال النظر في ما تضمنته تلك التوصيات وأهمها:-
- رفض ضرب العراق.
- ترحيب بقبول العراق عودة المفتشين الدوليين بدون شروط والمطالبة بمواصلة التعاون بين الأمم المتحدة والعراق لحل جميع المشاكل العالقة عن العراق وإنهاء الحصار المفروض عليه ووضع حد لمعاناة شعبه.
- طالبت فرق التفتيش بصورة سلمية تمهيداً لرفع العقوبات وممارسة مهامها بمهنية وبكل حياد وموضوعية وعدم الإقدام على أي أعمال استفزازية وذلك لضمان مصداقية عملها والمطالبة بمشاركة خبراء عرب في فرق التفتيش.
- إلتزام الدول العربية بالحفاظ على أمن وسلامة العراق وسيادة ووحدة أراضيه ورفض الدول العربية المطلق لضرب العراق.
- طالب بإلزام إسرائيل نزع أسلحتها تنفيذاً لقرارات الشرعية الدولية.
- اعتبار قرار المجلس 1441 المرجعية المناط به تقييم تقارير المفتشين ويأخذ بعين الإعتبار ما صدر من بيانات أمام مجلس الأمن من أن هذا القرار لا يشكل أساس للجوء إلى أستخدام القوة العسكرية ضد العراق.(5)
ومما سبق يتبين أن الموقف العربي من القرار (1441) لا يختلف عن غيره من المواقف السابقة فهو موقف المؤسسة التابعة المتأثر بموقف مجلس الأمن . بمعنى أن الموقف العربي لم يملك القدرة على التأثير المباشر في طبيعة القرار أو طرق حل المسألة العراقية، وإن كان الموقف العربي يعارض السياسة الأمريكية ويطالب نزع اسلحة إسرائيل.. إلا ان هذا الموقف يقوم على أساس الإلتزام العربي بما ينتهي إليه مجلس الأمن من قرارات تحدد وضع العراق وعلاقته بالمجتمع الدولي.
كما أن الموقف العربي المرحب بقبول العراق عودة المفتشين الدوليين بدون شروط ، يشكل نقطة ضعف العراق ، حيث لا يمثل دعماً حقيقياً للعراق برفع العقوبات نهائياً وفك الحصار عنه. فمن المفترض أن صدور القرار الدولي (1441) يعمل عــلى تعليق العقوبات تمهيداً لـرفعها نهائياً.. لكن الولايات المتحدة ومن خلال مجلس الأمن تصر على استمرار العقوبات حتى 27 يناير 2003م .. إلى أن ترفع لجنة المفتشين أول تقرير لها إلى مجلس الأمن والذي بدوره يقرر الوضع في العراق وحجم التعاون بينه وبين الأمم المتحدة ، ووفقاً لذلك قد تعلق العقوبات تعليق قابل للعودة وليس الرفع .. ومن ناحية ثانية تصر الإدارة الأمريكية على استمرار الحظر على مناطق شمال وجنوب العراق ، وبالتالي استمرار اعمالها العسكرية العدوانية على نحو ما تشهده هذه المناطق منذ صدور القرار الجديد من طلعات وقصف جوي يستهدف المنشآت العسكرية والمدنية العراقية.(6)
ووفقاً للموقف العربي الرسمي من القرار الدولي (1441) وهو موقف المتلقي وليس الفاعل جاء الموقف العراقي متلقياً أيضاً.. إذ لم يكن أمام العراق وقد تحدد الموقف العربي غير الموافق على القرار والاستعداد لاستقبال المفتشين، على أمل تجنب العراق وشعبه شبح الحرب الأمريكية عليه.
وبرغم ما تضمنته صيغة القرار من بنود سيئة وما منحته من سلطات استبدادية للجان التفتيش تمس بسيادة العراق من حيث :-
- سماح بغداد لفرق التفتيش بدخول أي مكان في البلاد بحثاً عن اسلحة الدمار الشامل.
- تقديم بغداد لحساب كامل عن برامج انتاج اسلحتها بحلول الموعد النهائي المحدد لذلك في الثامن من ديسمبر 2002م ، أي خضوع العراق للرقابة المستمرة برغم المنظمات هذه إلا أن العراق وافق على القرار تنفيذاً لقرارات مجلس الأمن وعملاً بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة .
* ثالثاً : مستقبل العراق
ادركت الولايات المتحدة الامريكية بناءً على المعارضة لعدد من دول مجلس الأمن توجيه ضربة عسكرية للعراق . والموافقة العربية والعراقية على القرار الدولي في ضوء التطمينات من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن لسوريا العضو العربي في مجلس الأمن بالإلتزام بما تقدمت به من أن القرار لا يشكل ذريعة لشن الحرب على العراق .. ولا يتضمن التلقائية للجوء للعمل العسكري.
أدركت الولايات المتحدة أن تحقيق أهدافها في المنطقة والعراق وفق اسلوب العمل من جانب واحد ، أمر شبه مستحيل .. ولذلك بادرت للقيام بالعديد من المشاورات الموسعة بغية تحقيق تأييد عربي ودولي لسياستها تجاه العراق.(7)
وحين صدر القرار الدولي (1441) رأت كثير من الدوائر السياسية الدولية أنه مدخل أساسي لإعادة ترتيب العلاقة المستقبلية بين العراق والعالم ، وأن ذلك يعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة الموقف العربي بشكل عام والعراقي بشكل خاص من القرار الدولي الأخير .. ولذلك قوبلت الموافقة العربية على قرار مجلس الأمن بإرتياح وترحيب دولي واسع النطاق في حين نظرت إليه الدوائر الغربية (أميركا وبريطانيا) بعين الريبة والشك وربما التخوف.
يوضح هذا أن هناك توجهاً ورغبة دولية في اعطاء الاولوية للحلول الاقليمية للمشكلات وهو الأمر الذي ترفضه الولايات المتحدة ، كونه يتنافى مع رغبتها في اثبات وجودها كزعيمة للنظام العالمي الجديد . والذي يحتاج في ظل ما يشهده من سيولة في العلاقات وغموض إلى اقاليم اثبات الدور.. وقد زاد ذلك من حدة الاختراق للاقاليم وتعميق الارتباطات بها وبالتالي جعل النظام الاقليمي العربي محل تنافس دولي أو ربما منطقة نفوذ امريكي تبعاً لقوتها المتفوقة من جهة ولموقع النظام العربي وثرواته وموارده من جهة ثانية .
ولذلك تعمل الولايات المتحدة على تحجيم العمل العربي المشترك لما يحمله ذلك من خصائص وملامح الانتماء القومي فترى الولايات المتحدة أن أي تدخل من الجامعة العربية هو تدخل ذو محمل وحدودي وعملاً داعياً للوفاق العربي ، وان عليها أمريكا وحلفاءها ان يعملا على اختراق هذا الكيان (الجامعة) وافشال الحلول العربية ودواعيها.
ولعل مطالبة الولايات المتحدة مؤخراً لإحدى عشر دولة عربية تحديد موقفها من الحرب على العراق بالتعاون ( حجما ونوعا) أو الرفض للحرب ، دليل على حرص الإدارة الأمريكية على افشال الحل العربي الذي بدت بواده ولو على المستوى النظري ، في نتائج جلسة مجلس وزراء الخارجية العرب في الفترة 9-10 نوفمبر 2002م وعلى الرغم من كون التحرك العربي المشترك في إطار المجلس لم يكن متسقاً مع مستوى الادارك الفعلي لحجم التحديات والتهديدات الأمريكية للنظام الاقليمي العربي ككل بمؤسساته وموقعه وثرواته وموارده.. إذ لم تتجاوز قرارات وتوصيات الجلسة الطارئة كعمل عربي مشترك، حد القبول العربي بالقرار (1441) في حين ظلت أزمة غياب الرؤية العربية بشأن مستقبل العراق مع استمرار السياسة الامريكية المعلنة ضد العراق والهادفة لضربه عسكريا وتغيير نظامه، وفي ظل محدودية التأثير السياسي للقوى الدولية الأخرى الرامية لإعادة ترتيب العلاقة مع العراق والمنطقة بشكل عام.
وعلى الرغم من طبيعة الوقع السيئ الذي يعيشه النظام العربي بفعل التوجهات المتباينة لدوله وطبيعة العلاقات العربية ـ الدولية المتفككة إلا أن إدراك التحديات الخارجية التي يواجهها النظام الاقليمي العربي ما يزال يمثل الهامش العربي المشترك وإن كان هامشاً ضيقاً لا يتيح للدول العربية التحرك الحر في إطاره الا انه يشكل فضاء لا بأس به يمكن ان تعمل من خلاله الجامعة العربي كمؤسسة عليا للنظام الاقليمي العربي، وتبذل في إطاره مساعي كثيرة لمواجهة التحديات الخارجية على المستوى العربي الجماعي.
* الهوامش
1- منعم العمار، الجامعة العربية بين الهوية والاختراق، يناير93م، ص 16.
2- د.رفيعة حسن احمد، بؤر التوتر والاستنزاف، مكتبة التجارة والاقتصاد، 89-90م.
3- د.محمد ابو عامود، العلاقات العربية العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، السياسة الدولية، العدد 139، يناير 2000م، ص 8.
4- د.محمد ابو عامود، العراق والنظام العربي، شروط الاندماج، السياسة الدولية، العدد 136، ابريل 1999م، ص 110.
5- نتائج جلسة مجلس الوزراء العربي 10 نوفمبر 2002م ارشيف الوكالة، نبراس
6- نفسه
7- نفسه
مركز البحوث والمعلومات /
قراءات سياسية (العدد السادس)
|