|
المصالحة الصومالية.. إلى أين ؟ [17/يونيو/2003] كتب/ مجيب الرحمن عبيد
* نبذة عن الصومال
تقع هضبة الصومال في أقصى الشرق الأفريقي, وتشكل اقرب نقطة إلى المثلث ضلعا "خليج عدن" والمحيط الهندي بينما يتشكل رأس المثلث "رأس جراد فوي" وهو على شكل سهم يخترق خليج عدن أو بالأصح يفصل بين خليج عدن والمحيط الهندي, وقد شكل الصوماليون رأس جسر لنقل الحضارة العربية والإسلامية ودفعوا ضريبة لتلك المواقف باهضة الثمن تجاه الغزاة ابتداء بالغزو البرتغالي في عام 1507م, وحتى الغزو البريطاني الفرنسي والإيطالي, الذي قام بتجزئة الصومال إلى عدد من المناطق الإدارية, بذريعة وقف نزيف الحروب القبلية الصومالية, التي تشمل بين الحين والآخر بسبب الماء والمرعى وهى ذريعة أعطاها البريطانيون لأنفسهم خلال تواجدهم شمال الصومال لفصل وادي (هود) وإعطائه لإثيوبيا واشترطوا الماء والمرعى للصوماليين, ومن نفس الفترة أعطوا صحراء الاوجادني عام 1897م لإثيوبيا وبنفس الشروط(1)
وينحدر الصوماليون عرقياً من أصول عربية ومن جذرين قبليين هما "صومالي وساب" ويتفرع من الأول أربعة فروع قبلية أساسية هي "الدارود والهوية والاسحاق والعيسى" في حين يتفرع عن "ساب"جذريين قبليين أساسيين يقطنان على شاطئي نهري "جوب وشبيلي" في أقصى جنوب الصومال وهما (الديجل، والرحنويين) وهذه الجذور القبلية الستة تتفرع إلى حوالي ثمانين قبيلة وعشيرة تنتشر داخل وخارج الصومال أى إنها تتوزع بين إريتريا وجيبوتي وإثيوبيا وكينيا والصومال المعاصر الذي عرفناه حالياً جاء على اثر نضال شاق خاضه أبناء الصومال الأحرار منذ مطلع القرن العشرين تحت إطار تنظيمي عرف بحزب وحدة الشباب وقد حصلت الصومال على حق استقلالها وإعلانها رسمياً في مطلع يوليو 1960م وتكونت الصومال من توحيد منطقتين صوماليتين في 1 تموز/يوليو 1960م كانت احداهما تحت الاستعمار البريطاني حتى 26حزيران/يونيو 1960م وهي المنطقة الشمالية من الجمهورية الصومالية والتي أطلقت على نفسها الآن اسم (جمهورية ارض الصومال) والمنطقة الأخرى هي التي كان يطلق عليها (صوماليا) والتي كانت خاضعة للاستعمار الإيطالي قبل الحرب العالمية الثانية وصارت فيما بعد أرضاً تحت وصاية الأمم المتحدة حتى 1 يوليو 1960م وتعرف اليوم بالجنوب الصومالي(2)
* الجذور التاريخية للصراع في الصومال
ترى الكثير من الدراسات والتحليلات بأن انقلاب محمد سياد بري في أكتوبر 1969م قد حمل الصومال إلى وضع جديد يعد بداية حقيقية للصراع في الصومال حيث ألغى الأحزاب وأعلن الاشتراكية العلمية كما وقع في العديد من الأخطاء الكبيرة أبرزها أنه حكم البلاد سياسياً بأسلوب يفتقر إلى العدل والمرونة وتسبب في حرمان قبائل "العيسى والإسحاق" في شمال البلاد (الذين يشكلون قرابة 50% من قوم الصومال الموحد) من الكثير من الحقوق السياسية والاجتماعية وقد ترتب على ذلك قيام العديد من الانقلابات الفاشلة ضد سياد بري.
وقد تشكل أول حزب معارض في لندن عام 1980م تمثل بالحركة الوطنية الصومالية بقيادة قبائل "الإسحاق"، وتبع ذلك تشكيل عدد من التنظيمات المسلحة من الجبهة القومية الصومالية المتشكلة بطابع قبلي أيضاً من قبائل "الماجرتين والاوجادين" بقيادة الجنرال عبدالله يوسف وتلى ذلك تشكيل تنظيم المؤتمر الصومالي الموحد بقيادة الجنرال محمد فرح عيديد وعلي مهدي محمد من قبائل الهوية كما تلى ذلك أيضاً قيام تنظيم من قبائل "الدارود" في جنوب الصومال وبدأت الصومال تشهد نسبة حرب أهلية خلال عامي 88/89م وكان من نتائج ذلك اجتماع 114 شخصاً من كبار الشخصيات السياسية والاجتماعية أصدروا في نهاية الاجتماع بياناً جاء كرسالة موجهة إلى بري طالبوا من خلاله تشكيل جبهة إنقاذ للصومال واخطروا فيه بري أن الصومال على حافة الانهيار, ولكنه لم يتجاوب مع البيان بل سعى إلى اعتقال خمسين شخصاً من الموقعين على البيان وشدد قبضته العسكرية على شمال البلاد وبالذات "هرجيا" وتشير بعض التقارير انه سقط في تلك الأزمة حوالي خمسون ألف قتيل ومئات الآلاف من المشردين والجرحى وتأزمت الأوضاع مع سياد بري أدى إلى قيام تحالف ثلاثي بين "الإسحاق والهوية" وقبائل "الماجرتين" واسقطوا نظام سياد بري في 28 يناير 1991م ولكنهم دخلوا في حرب طاحنة (أي الهوية) وفى إطار المؤتمر الصومالي الموحد بين علي مهدي محمد, ومحمد فرح عيديد باعتبار الأخير كان يرى بأنه من يستحق الرئاسة, وفى خضم ذلك أجرت قبائل "الإسحاق" مشاورات وتحركات قبلية حثيثة في شمال البلاد وقاموا بترتيب أوضاعهم مع إثيوبيا وأعلنوا عن استقلال جمهورية ارض الصومال (sumal land) في 17 مايو 1991م.(3)
وهو الأمر الذي ادخل البلاد في أتون حرب أهلية مدمرة لم ينجح 15 مؤتمراً للمصالحة من إنهائها كلياً وذلك باستثناء مؤتمري جيبوتي وكينيا اللذين أوجدا حلول نسبية للصراع الدائر في الصومال.
* المصالحات الصومالية
لقد أجريت أول مصالحة صومالية في 15/8/1991م بين القبائل الصومالية في جيبوتي العاصمة, حيث ترتب عليها تشكيل برلمان مؤقت من 123 نائباً وتوصيات بأن يكون علي مهدي محمد رئيساً للدولة وان يختار رئيساً للحكومة من شمال الصومال، ولكن الحرب اتسعت أكثر بين أبناء التنظيم الواحد والقبيلة الواحدة, وتحولت مقديشو وضواحيها إلى كتلة من اللهب.. وكان قد سقط خلال فترة انعقاد مؤتمر المصالحة في يوليو 1991م ومارس 1992م عدداً كبيراً من الوفيات بسبب الجفاف القاتل الذي كانت تعاني منه البلاد، وجراء تلك الأوضاع أصدرت الأمم المتحدة القرار، وما يمكن إنقاذه في الصومال, ولكن أمريكا ومعها فرنسا وايطاليا اصطدمت بإعلان الجنرال فرح عيديد الجهاد المقدس ضد أمريكا, حيث خاض معها حرب عصابات وسقط من الطرفين حولي 50 قتيلاً, وهو الأمر الذي دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى الانسحاب في مارس 1994م.
وكان تقدير الكثير من المحللين بأن مؤتمر أديس أبابا للمصالحة الوطنية الموقع في 27 مارس 1993م والذي اتفقت فيه القوى السياسية على خطة عملية لتحقيق الوفاق الوطني، هو المؤتمر الأخير، وأن السلام الشامل قد جاء (حيث كان أبرز نتائجه بعد مفاوضات استمرت لأكثر من ستين يوماً، اختيار مجلس تشريعي وتنفيذي مكون من74 شخصية) ولكنه اصطدم بجدار الإصرار على الاستقلال من قبل محمد إبراهيم عجال رئيس جمهورية شمال الصومال الإنفصالية(4)
ومنذ إنهاء عملية الأمم المتحدة في الصومال عقد مؤتمران محفوفان بالأمل عام 1997م هما: "سوديره" الذي عقد برعاية إثيوبيا، ومؤتمر القاهرة الذي عقد برعاية مصر، غير أن المؤتمرين لم يحققا سوى إبراز الانقسامات بين سادة الحروب0
وقد عملت الكثير من الدول والمنظمات بلا هوادة على استعادة قدر من وحدة الدولة والحكم في الصومال، ولكن الاهتمام ظل مركزاً دائماً على سبل الجمع بين سادة الحرب بغية مساعدتهم على التوصل إلى اتفاق ينهي حالة الجمود، إلى أن جاء مؤتمر جيبوتي للمصالحة الوطنية الذي أعطى الإهتمام الأكبر للمجتمع الوطني الصومالي.
- مؤتمر جيبوتي للمصالحة الصومالية
في العام 2000م عقد مؤتمر رئيسي جديد للسلام والمصالحة في "عرتا" بجيبوتي وذلك بمبادرة من الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، وبدعم من الأمم المتحدة وجهات مانحة أخرى ومنظمات حكومية دولية بينها الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية0
وعُقدت اجتماعات المؤتمر بين مايو/أيار، وأغسطس/آب بحضور أكثر من 2000 مندوب من الصومال والشتات الصومالي في العالم، وضم المؤتمر شيوخ العشائر وقادة معظم الفصائل السياسية المسلحة وغير المسلحة، وممثلين عن المجتمع المدني بمن فيهم جماعات حقوق الإنسان والمرأة والأقليات، وكان من أبرز الغائبين المعارضين للمؤتمر حكومتا أرض الصومال وأرض "البانت" وأربعة من أُمراء الحرب الذين يترأسون فصائل مسلحة في مقديشو، وفي يوليو/ تموز وافق المؤتمر على تشكيل مجلس وطني انتقالي، والذي قام في أغسطس/آب بانتخاب عبدالقاسم صلاد حسن (وهو وزير داخلية سابق في الصومال يعيش في المنفى) رئيساً لمدة ثلاث سنوات، وضم المجلس 245 عضواً، 44 من كل من العشائر الرئيسية الأربع، و25 مقعداً للنساء و24 للأقليات، مع ترك 20 مقعداً شاغراً يعين الرئيس الجيبوتي أصحابها فيما بعد، وفي أكتوبر/تشرين الأول قام عبد القاسم صلاد بتعيين رئيس للوزراء مالبث أن شكل حكومة مؤقتة مقرها العاصمة مقديشو(5) وهي أول حكومة مركزية شهدها الصومال منذ انهيار الدولة في العام 1991م رغم أن نفوذها ظل محدوداً، حيث واجهت معارضة شديدة من قبل حكومتي أرض الصومال وأرض "البانت" الانفصاليتين.
ويمكن تلخيص أهم العوامل التي أدت لنجاح المبادرة الجيبوتية فيما يلي:-
1- تقلص دور زعماء الحرب المؤثرين في مجريات الأحداث في الصومال في هذا المؤتمر، حيث ثبت قطعياً لدى المجتمع الدولي عدم قدرتهم على تحقيق المصالحة الوطنية المنشودة فهم يفضلون أن تستمر الأوضاع في الصومال كما هي طالما وهناك مصالح شخصية تتحقق لهم من وراء ذلك. يؤكد ذلك ما جاء في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان حول الوضع في الصومال والذي نشر في 16/8/1999م، وقدم إلى مجلس الأمن لاتخاذ القرارات المناسبة بهذا الشأن، حيث جاء في الفقرة الرابعة من التقرير: " لم يكن زعماء الفصائل الصومالية وبارونات الحرب مستعدين للتخلي عن مصالحهم الشخصية لحساب المصلحة الوطنية، لأن استمرار الأوضاع الحالية في الصومال على منوالها الحالي أربح لهم وأكثر فائدة بالنسبة لهم".
2- اهتمام المبادرة الزائد بمؤسسات المجتمع المدني الصومالي في تحمل مسؤولياته، فقد ركزت كل المؤتمرات السابقة على مشاركة الفصائل المتحاربة ولم تعط أهمية كافية للمجتمع المدني الصومالي.
3- التعاون الكبير من قبل العديد من المؤسسات والمنظمات الدولية والحرص على نجاح المبادرة وتحقيق السلام الكامل لشعب الصومال.
وكانت اليمن قد تقدمت بمبادرة تتعلق باستكمال عملية المصالحة وإحلال السلام والاستقرار في الصومال وتقوم المبادرة اليمنية على عدد من الأسس التي كان من أبرزها:
تعهد جميع الأطراف بالالتزام بوحدة الأراضي الصومالية والإيمان بالحل السلمي والديمقراطي لمختلف القضايا والمسائل في الصومال خلال الفترة الانتقالية، ووقف أي نوع من أعمال المواجهات أو الصراعات، وصيانة حقوق الإنسان، والتحضير الجماعي للانتخابات التي ستجرى بعد المرحلة الانتقالية.. كما تضمنت المبادرة كذلك ضرورة تعاون جميع الأطراف في إنجاح مهام الحكومة المؤقتة خلال الفترة الانتقالية التي حددت بـ"36" شهراً.. إضافة إلى توسيع الحكومة الحالية على مستوى الوزراء ونوابهم ووزراء الدولة لإيجاد حكومة وحدة وطنية بما في ذلك توسيع مناصب نواب رئيس الوزراء.. بحيث يتخذ الرئيس الصومالي جزءً من القرارات المتصلة بهذا الجانب وفقاً لصلاحياته والجزء الآخر يكون قراره من البرلمان وفقاً لمقترحات يرفعها الرئيس.. ومن نقاط المبادرة اليمنية الأخرى أيضاً قبول جميع المليشيات ودمجها بقوات الجيش والأمن والشرطة الصومالية مع إعادة تأهيل العناصر غير المؤهلة ليتم استيعابها بشكل كامل.. وإعطاء الضمانة للأشخاص بمناصبهم خلال الفترة الانتقالية بحيث لا يجرى أي تغير إلا في حالة وجود أشياء أو ممارسات مخلة بالقانون وميثاق المصالحة الوطنية وليس لأسباب سياسية أو ما شابهها.. هذا بالإضافة إلى إصدار قرار عفو عام يقره البرلمان الحالي وإيقاف أية ملاحقات أو مساءلات عن الأعمال السابقة التي حدثت خلال فترة غياب الدولة الموحدة في الصومال، ورعاية جميع المتضررين من الصراعات التي شهدتها البلاد وبالذات النساء والأطفال والمعاقين، وإيقاف أية أعمال إعلامية أو أنشطة من شأنها أن تخل بالوحدة الوطنية أو الدعوة إلى أي نوع من الفتن والقلاقل وإثارة النعرات.. ونقاط أخرى اشتملت عليها المبادرة اليمنية التي طرحت على دول الإيجاد.(7)
ولقد بذلت اليمن العديد من الجهود الهادفة إلى إحلال السلام والأمن والاستقرار في الأراضي الصومالية، حيث رعت اليمن مؤتمر من أكبر مؤتمرات المصالحة الصومالية والوفاق الصومالي في صنعاء عام 1998م، ومنه كانت العافية التي انتشرت إلى كافة الجسد الصومالي، حيث وضعت اليمن أساساً صلباً وقاعدة قوية للسلام في الصومال كان من أهم ثمارها مؤتمر عرتا للمصالحة الوطنية المنعقد في العام 2000م.
* مؤتمر كينيا للمصالحة الصومالية
وهو أحدث مؤتمرات المصالحة الصومالية وقد بدأت أعماله في منتجع الجوريت بكينيا في 15/10/2002م، بهدف تحقيق المصالحة في الصومال.
وينعقد المؤتمر برعاية منظمة الإيجاد وبحضور رؤساء كينيا والسودان وأوغندا كما يشترك فيه المئات من الصوماليين بينهم ممثلين للحكومة الانتقالية الحالية وعشرات المثقفين الوافدين من مختلف أرجاء العالم.. ويختلف هذا المؤتمر عن مؤتمر جيبوتي 2000م في أنه يضم ممثلين لحكومة الرئيس صلاد الانتقالية، ويضم أيضاً الذين ناصبوه العداء من زعماء الحرب، وهو الأمر الذي يتيح فرصاً أكبر للتقارب لم تكن متاحة في السابق.
وكان من أهم النتائج التي ظهرت في مؤتمر المصالحة بكينيا.. توقيع الفصائل المتحاربة في الصومال اتفاقاً بوقف إطلاق النار في محاولة لوضع حد لعقد من إراقة الدماء، وإقامة نظام اتحادي، وتيسير السبل أمام وكالات الإغاثة الإنسانية، وتعهد ملزم بمواصلة عملية المصالحة هذه.. ووقع الاتفاق أيضاً ممثلون عن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإيطاليا وإثيوبيا وجيبوتي ومصر كمراقبين، وقد وصف دبلوماسيون الاتفاق بأنه أكثر اتفاقات السلام شمولاً التي وقعها قادة الفصائل المتناحرة التي ازدهرت وسط أجواء الفوضى المصاحبة للحرب الأهلية وتسببت في تحويل الصومال إلى دولة منهارة.(8)
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد، هل ينجح مؤتمر المصالحة بكينيا في تحقيق ماعجز عنه 15 مؤتمراً للمصالحة الصومالية..؟
وأياً كانت الإجابة على هذا السؤال، فإن هناك عدداً كبيراً من التحديات التي تعترض المؤتمر ولا بد من تجاوزها لإتمام نجاح المصالحة الصومالية.
* التحديات التي تواجه مؤتمر المصالحة الصومالية
1- وجود فصائل صومالية معارضة للمؤتمر وتحرص كل الحرص على استمرار الأوضاع في الصومال على حالها لتحقيق مصالح خاصة ومكاسب تجنيها تلك الفصائل من استمرار حالة التمزق والحرب بين مختلف الفصائل الصومالية.
2- التحديات النابعة من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية:
حيث صار الوضع على صعيد المجتمع والاقتصاد في الصومال بائساً إلى حد لا يطاق فقد قتل مليون شخص تقريباً في الحرب الأهلية، وتشرد مئات الألوف من الصوماليين، وطبقاً لصحيفة الجارديان، فإن مليوني صومالي على الأقل ينامون خارج العاصمة في خيام، بالإضافة إلى انعدام الخدمات الصحية والتعليمية، والغالبية العظمى من السكان لا يجدون قوت يومهم، والفئة الأقل تعتمد على المساعدات القليلة التي يرسلها أقاربهم من الخارج، وبعضهم يزرع الأرض البور بعائد قليل من الطعام، كما أن خطر الجفاف يهدد ثلاث مناطق في الصومال.. ويتوازى كل ذلك مع حالة من انعدام الأمن والاستقرار في المجتمع الصومالي وهو الأمر الذي قد يهدد بفشل الجهود السياسية في تحقيق السلام الصومالي، فالاقتصاد مع السياسة هما مدخلان للأمن وإذا تحققت حالة من الأمن الاقتصادي ومعه السياسي وحولهما إطار من الأمن الاجتماعي، فإننا نكون إزاء مثلث للإنقاذ يكون بمكانة إعادة الدولة إلى الصومال بعد طول غياب.
3- التحديات النابعة من البناء الداخلي للدولة: فالصومال يقدم نموذجاً لأزمة الدولة وهو نموذج مخالف للأزمات المتعددة في العالم العربي التي تقع كلها داخل النظام السياسي دون تجاوزه إلى شكل الدولة وبنائها المركزي، فقد انهارت الدولة تماماً وانقسمت أراضيها بين فرق متناحرة وأصبح الصومال اليوم بحاجة إلى معجزة بعد أن وصل كل شيء فيه إلى الصفر، يحتاج إلى معجزة في الفكر والممارسة، إلى أفكار جديدة أو إطار جديد لأفكار قديمة، ويحتاج إلى سلوك وممارسات مختلفة، ويحتاج ثالثاً إلى نخبة حقيقية تنهض إلى مستوى تجاوز العشائرية، ويحتاج رابعاً إلى التفات دولي وإلى احتضان عربي كي تشب الدولة من جديد.
4- التحديات الإقليمية: وتتمثل أهمها في التدخلات الإثيوبية، حيث أن كثيراً من القيادات الصومالية وخاصة تلك التي تسيطر على مناطق حدودية صومالية مع إثيوبيا تسعى إلى الحصول على الدعم الإثيوبي المتمثل في الأسلحة والذخيرة، وبطبيعة الحال فإن وضع هذه الفصائل مرتبط بالتغيرات السياسية في البلاد والتحالفات التي تتشكل هنا وهناك، وكثيراً ما تتغير علاقة هذه الفصائل بإثيوبيا بهذه التغيرات وبالتالي فإن الحكومة الإثيوبية كانت تبحث دائماً عن موالين لها داخل هذه الفصائل لضمان بقائها على الساحة الصومالية خصوصاً وأنها لازالت تسيطر على العديد من الأراضي الصومالية.
كما تشمل التحديات الإقليمية الأخرى التي تواجه المصالحة الصومالية، اضطراب الأوضاع في السودان وتصاعد حدة القضية الفلسطينية وأحداثها بالإضافة إلى التهديدات الأمريكية الأخيرة بضرب العراق والتي تؤدي في مجملها إلى تراجع نسبي في الاهتمام بالقضية الصومالية من قبل المجتمع الدولي.
5- التحديات الدولية: أما على المستوى الدولي فقد تراجع الاهتمام بالملف الصومالي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر نتيجة الانشغال الأمريكي الحالي بالحرب على الإرهاب، كما تم إدراج الصومال ضمن الدول الراعية للإرهاب على الرغم من تجاوب الحكومة الصومالية المؤقتة مع مطالب واشنطن وتعاونها في مطاردة فلول الإرهاب.
كذلك فإن نداء الحكومة الصومالية بشأن إرسال قوات دولية لم ينل اهتماماً داخل المنظمة الدولية التي تشكو من عدم توافر الاعتمادات المالية الكافية لعملياتها الراهنة من ناحية.. فضلاً عن المخاطر المحدقة بالقوات الدولية المشاركة في هذه العمليات من ناحية أُخرى.
إلاّ أن تصنيف الصومال ضمن الدول الراعية للإرهاب يظل من أكبر التحديات الدولية التي تعرقل جهود المصالحة في الصومال والتي من شأنها زيادة التأزم والدمار في الأراضي الصومالية، فبقاء الصومال ضمن دول الإرهاب الدولي سيجعل الصوماليين حتماً محصورين بين سندان الفقر ومطرقة الإرهاب..
* الهوامش
1- صحيفة 26 سبتمبر، العدد (921), 24 أغسطس 2000م
2- المرجع السابق، بالإضافة إلى (صحيفة القدس العربي)، العدد (3585)، 19 نوفمبر2000م.
3- نفس المصدر
4- نفس المصدر
5- التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية، للعام 2001م.
6- إبراهيم الدسوقي، لحل الأزمة الصومالية، مركز الدراسات الإنسانية، مقديشو،2000م.
7- صحيفة (26 سبتمبر)، العدد (939)، 4 يناير 2001م.
8- وكالة الأنباء اليمنية سبأ، (النشرة السياسية)، العددان (18378)، (18391)، أكتوبر 2002م.
مركز البحوث والمعلومات /
قراءات سياسية (العدد الخامس)
|