|
التحالف الدولي ضد الإرهاب والموقف الأوروبي 00 الخلفيات والطابع القائم [17/يونيو/2003] كتب/احمدالحضرمي
يتفق العالم أجمع بمختلف الدول والحكومات والشعوب على مناهضة الارهاب والعنف والسعي نحو تعزيز الأمن والسلم على المستويين الوطني والدولي، ولكن الجميع لم يتفق على تحديد مفهوم محدد وموحد للإرهاب وتقنين إجراءات موضوعيه للقضاء عليه أو تفاديه والحد منه ولازال الخلاف وعدم الاتفاق قائم حتى اليوم ، وكلُ ينطلق من مفهومه ورؤيته الخاصه 0
وعلى الرغم من عدم وجود إتفاق عالمي ودولي حتى اليوم حول مفهوم محدد وموحد للإرهاب فإنه لا يختلف إثنان من البشر والإتفاق أكيد على أن لكل حدث مسبباته ودوافعه الكامنه وراءه والدافعة نحو الفعل،وأن العدوان والطغيان لابد أن يواجه بالإنتقام ولو بعد حين ولا يمكن تفسير الأحداث التي وقعت في داخل الولايات الأمريكيه أو خارجها دون هذا النحو 0
ولكن من الطبيعي أن تحدث للأمريكان على المستويين الشعبي والحكومي الصدمه الكارثيه جراء الهجمات التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن الامريكيتين في الحادي عشر من سبتمبرفي العام الأول من القرن الحادي والعشرين والتي حطمت معاقل ورموز القوه السياسيه والإقتصاديه والعسكريه الأقوى في عالم اليوم 00لم يكن الأمريكان ولا العالم يتوقع ذلك الحدث الذي كان له تداعيات وإنعكاسات أكبر من حجمه 0
فقد إنتفضت الولايات المتحده بقوتها العظمى بالدعوه الى قيام تحالف دولي ضد ما أسمته بالإرهاب وإستطاعت إنشاء التحالف الدولي وتزعمته في شن حربها ضد أفغانستان كمرحله أولى وهي بصدد المرحله الثانيه في المرحله الراهنه 0
ونظراًلأهمية دراسة موضوع التحالف بإعتباره الموضوع المسيطر على السياسه والساحه الدوليه حالياً ونظراً لأهمية الموقف الأوروبي بإعتباره المحور الذي تربطه بالولايات المتحده علاقات إستراتيجيه في إطار حلف الناتو وتعول عليه الدور الأكبر لذا تأتي هذه الورقه لطرح قراءه تحليليه حول موضوع التحالف والموقف الأوروبي بخلفياته وطابعه القائم0
* اولا/حول التحالف الدولي ضد الآرهاب.. خلفيات الحمله ضد الإرهاب
لم تكن أحداث ( الحادي عشر من سبتمبر ) بدايةَلإطلاق مفهوم الإرهاب أو الحمله ضد الإرهاب، ولكنها بدايةً لما أعلنت عنه وتزعمته الولايات المتحده بما يعرف بالتحالف الدولي ضد الإرهاب منذ الأحداث وحتى الظرف الراهن بينما إطلاق مفهوم الإرهاب والحمله ضد الرهاب فبعدهما الزمني يعود إلى عقود ما قبل الأحداث وقد شغل ذلك حيزاً من الإهتمام والتوجس لدى المجتمعات والحكومات حتى على مستوى هيئة الأمم المتحده حيث كان أول قرار صادر عن الأمم المتحده بشأن معالجة الإرهاب هو القرار رقم (3034) صدر في ديسمبر من العام 1972 (1) ويتضمن إدانة العنف والإرهاب ويدعو الدول لتفاديه ، وبرغم عدم تحديده لماهية الإرهاب إلا أن هذا القرار ميز واكد مشروعية النضال وحق تقرير المصير 00كما صدرت عدة قرارات أُخرى منها القرار رقم (61/40) الصادر في ديسمبر من العام 1985 وجاء في نصه : حث الدول بالتعاون مع أجهزة الأمم المتحده ذات الصله للمساهمه في القضاء التدريجي على الأسباب الكامنه وراء الإرهاب(2) 0
ولكن على الرغم من الإهتمام والإتفاق الدولي على ضرورة مناهضة الإرهاب وصدور العديد من قرارات الأمم المتحده المتعلقه بذلك إلا أنه لايوجد إتفاق عالمي حول تحديد ماهية أو مفهوم موحد للإرهاب حتى اليوم، كما أن الحمله ضد الإرهاب كانت قد بدأت بصورة حمله إعلاميه منذ عقدين زمانيين وذلك في الخطابات الإعلامية الدوليه خصوصاً في الإعلام الغربي الذي تسيطر عليه الآلة الصهيونية والتي دأبت على تحريك القوى والوسائل الإعلامية الغربية لشن الحمله ضد الإرهاب وإلصاقه بالعرب والمسلمين 00وقد ساعد مراكز الإعلام الغربي لشن تلك الحمله قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر عدة عوامل كان أبرزها عاملين أساسيين هما ما يلي :- (3)
1) إنهيار المنظومة الإشتراكية التى كانت تشكل بؤرة المواجهه مع الغرب وإستبدال ذلك العدو الشيوعي على الصعيد الإعلامي بعدو آخر يتمثل بالعرب والمسلمين
2) صعود العديد من القوى الإسلاميه والتى أطلق عليها ( الجماعات الأٌصوليه ) والتى لم تتردد في استخدام وسائل العنف في مجتمعاتها وضد الغرب ....
وبفعل تلك العوامل إنطلقت الأله الإعلاميه الصهيونيه والغربيه بتوظيفها لشن حمله إعلاميه شرسه ضد العرب والمسلمين تحت مسمى الإرهاب والتى بلغت ذروتها في أعقاب هجمات 11سبتمبر 2001م.
* التحالف الدولي الراهن ضد الارهاب.. الطابع والمنطلقات
لأن امريكا أفتقدت وجود العدو بعد إنهيار السوفييت نتج عن ذلك فراغ في وجود العدو ، ولشغر ذلك الفراغ بدأ الإرهاب يحتل مرتبة العدو البديل لدى التوجه الإعلامي والحكومي الامريكي وبدفع من القوي الصهيوينه نحو ذلك العدو الذي الصقته بالعرب والمسلمين خصوصاً بعد أحداث 11سبتمبر .. وفي ظل أجواء تداعيات هذه الأحداث حصلت الولايات المتحده الأمريكيه على تعاطف دولي إستطاعت بعدها تحقيق وبناء تحالف دولي ضد ما أسمته بالإرهاب ..إلا أن هذا التحالف قام وفقاً للدعوه والرؤيه الأمريكيه التي توضح طبيعته ومنطلقاته النقاط التاليه :-(4)
1) قام التحالف الدولي بعد احدث 11سبتمبر وفقا لدعوة وجهتها الادارة الامريكية الى إقامة تحالف دولي لمواجهة الارهاب بحيث يشمل معظم دول العالم ممثلة في حلف الاصلنطي(الدول الاوروبية) ودول الشرق الاوسط وروسيا والصين وغيرها من دول العالم.
2) قام التحالف الدولي دون تحديد متفق عليه لمفهوم الارهاب بل وفقاً للرؤيه والمنطلقات الامريكية التي من ابرزها مايلي :-
أ- رفض فكرة الحياد في التحالف والحرب ضد الارهاب وجاء هذا المبدأ على لسان الرئيس الامريكي بوش بقوله (من ليس معنا فهو ضدنا )
ب- ان تكون المشاركة شاملة لمختلف الوسائل ومنها :
- التعاون في مجال الاستخبارات والقيام بإجراءات ضد الافراد والمنظمات التى تعتبرها امريكا ارهابيه
- فتح المجال الجوي أمام أي عمليات عسكريه تقوم بها الولايات المتحده وحدها أو في أطارحلف الناتو.
- القيام بأي إجراءات أُخرى وأوسع تطالب بها الولايات المتحدة الحكومات للقيام بها أزاء منظمات تستظيفها .
3) لا تكفي المشاركه بمجرد التعهدات التضامنيه بل لابد من المشاركه بدون تردد أو تحفظ وإلا فسوف تقرر الولايات المتحده وحدها التحرك وكيفية ذلك التحرك .
وقد كانت المرحله الاولى التي حددتها امريكا في حربها ضد الإرهاب والتي تزعمت التحالف في هذه الحرب وهي شن الحرب ضد افغانستان وذلك بدون أي مسوغ أو دليل مادي ...ومنذ الوهله الاولى من الدعوه الامريكيه لقيام تحالف دولي ضد الارهاب وشن المرحله الاولى من هذه الحرب سارت امريكا في ذلك وفقاً لرؤيتها وبنزعه انفراديه يحكمها معيار المصالح الفرديه والتوجهات الامريكيه وقد تأكد ذلك بعد الحرب على أفغانستان ...
وفي المرحلة الراهنه التى بدأت امريكا بالترويج لها على أنها المرحلة الثانيه من حربها ضد الإرهاب والتى تمثل الحرب ضد العراق، وأظهرت التوجه الامريكي من التحالف والتي تعكس أيضاً نزعتها الإنفراديه وفرض الهيمنة الامريكيه وخدمة مصالحها .. وقد اتضح ذلك من خلال المعطيات التالية :- (5)
1) إطلاق التصريحات الامريكيه ذات النزعه التسلطيه وفرض الهيمنه والتي منها مصطلحات الدول المارقه ، ودول محور الشر ، وحددت ذلك بالعراق وايران وكوريا الشماليه0
2) السعي إلى عدم تحديد مفهوم للإرهاب رغم الدعوة إلى ذلك ، كون ذلك سيؤدي إلى إختلاف في التحديد والهدف ، وعندما يكون الإختلاف في الهدف وبما أن أمريكا تريد أن تطلق يدها لتضرب من تشاء .. يصبح من السهل توجيه وإطلاق الضربة إلى أي دولة في غياب تحديد واضح لمفهوم الارهاب .
3) أظهرت تحليلات الخبراء أن العمليات العسكريه الامريكيه على افغانستان لا علاقة لها بمكافحة الإرهاب ، حيث كانت من منطلق توجيه ضربة لتفريغ شحنة الغضب الشعبي الأمريكي وتوجيه رسالة للعالم لاستعادة الهيبة والكرامة الامريكيه وأنها القوة العظمى0
4) إزدواجية النظره والمعاييرً إزاء الإرهاب كما هو الحال ازاء الآرهاب الآاسرائيلي
ضد الشعب الفلسطيني 0
5) المحاولة الامريكيه لفرض توجهاتها وتنفيذها إما عبر هيئة الامم المتحده أو بالإفصاح عن النزعة الانفراديه من خلال فرض الهيمنة الامريكية .
وازاء طبيعة التحالف والمعطيات التى عكستها الولايات المتحده في قيادتها للتحالف وتوجهاتها خلال المرحلة الراهنه فقد بداء التحالف يفقد التماسك الذي ظهر في بدايته.
* ثانيا/الموقف الأوروبي من التحالف الدولي ضد الإرهاب
عندما يتبادر الى السامع او القارئ مصطلح الموقف الأوروبي فأن ذلك يعني بداهه موقف الاتحاد الأوروبي أو دول الاتحاد الأوروبي .. ويكون الموقف من التحالف الدولي موضوع التحليل يمثل اساسا موقف سياسي الذي بدوره يرتبط بالسياسة الخارجية ، ولتحديد وفهم طبيعة الموقف الأوروبي فان ذلك يستدعي بالضرورة دراسة وتحليل طبيعة الموقف السياسي للاتحاد الأوروبي او بمعنى اصح معرفة وتحديد ما اذا كان هناك سياسة خارجية اوروبية موحدة لدول الاتحاد وذلك من خلال قراءة وتحليل تطورات الاتحاد وطبيعته القائمة في هذا الشأن ومن ثم تحديد طبيعة الموقف ومنطلقاته .
* الاتحاد الأوروبي والموقف السياسي00 عوامل التأثير والتحديات
يمثل الاتحاد الأوروبي النظام الاقليمي الأوروبي ويضم خمسة عشر دولة منها دول اتحاد غرب اوروبا الذي يعتبر التنظيم الدفاعي الثاني على مستوى اوروبا بعد حلف الناتو إذ ان الاتحاد يضم دولا عضوا فيه وليست عضوا في اتحاد غرب اوروبا بعد حلف الناتو ومنذ عقد الخمسينات وبموجب معاهدة روما لعام 1957م قام الاتحاد الأوروبي على اساس سوق اوروبية مشتركة لتحقيق التكامل الاقتصادي، وحتى عقد التسعينات ووفقا لمعاهدة ماستريخت في العام 1992م تحول الاتحاد الى سوق اوروبية موحدة .. وقد استطاع الاتحاد الأوروبي وحتى هذه المرحلة ان يحقق نجاحات كبيرة ومتقدمة في التكامل الاقتصادي والنقدي غير ان تحقيق التكامل السياسي والوحدة السياسية لدول الاتحاد لقيام الولايات المتحدة الأوروبية لازال ذلك الهدف لم يتحقق حتى اليوم00
غير أن التكامل الإقتصادي بطبيعة الحال قد ساهم وأدى إلى تقوية عملية التنسيق الأوروبي المشترك تجاه قضايا السياسه الخارجيه 00وقد توج ذلك في معاهدة أمستردام في العام 1997 والتي نصت على ضرورة تعزيز وتقوية عملية التنسيق والتعاون الأوروبي في مجال السياسه الخارجيه والأمن حيث دشنت قيام سياسه خارجيه وأمنيه مشتركه وحددت المعاهده أولويات السياسه الخارجيه الأوروبيه في بداية الألفيه الثالثه عموماً 00وتضمن تحقيق الأولويات التاليه :-(6) 000
(1) إستمرار التحالف الإستراتيجي مع أمريكا كون أوروبا لا زالت دون إمتلاك نفس القوه الرادعه للدفاع عن نفسها من أي هجوم نووي حيث لا زالت تعتمد في ذلك على أمريكا 0
(2) العمل على تقوية أواصر التعاون مع شرق أوروبا من أجل جعل أوروبا منطقة
سلام وإستقرار 0
(3) إستمرار التعاون مع دول الشرق الأوسط نظراً لما تحويه من ثروات أهمها النفط الذي يمثل مصدر الطاقه الرئيسيه للدول الأوروبيه 0
(4) العمل على تعزيز أواصر التعاون مع دول العالم الأخرى في المجالات السياسه والثقافيه والإقتصاديه 0
ولتحقيق التكامل السياسي للاتحاد خصوصاً في مجال السياسة الخارجية والامن فقد استحدثت معاهدة امستردام لعام 97م التي دخلت حيز التنفيذ والتصديق عليها في 99م مناصب جديدة لم تكن موجودة ومن هذه المناصب مايلي : (7)
1- منصب الممثل او المفوض الأوروبي للشؤون الامنية (يتولاه حالياً خافيير سولانا ويختص هذا المنصب في ربط البعد الامني للاتحاد الأوروبي بمنظمة حلف شمال الاطلسي بغرض المحافظة على العلاقات الدولية بين التنظيمين.
2- منصب الممثل أو المفوض الأوروبي للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية (يتولاه حالياً الدبلوماسي الانجليزي كريس باتن) ويختص ويقوم بتنسيق المواقف الأوروبية تجاه العديد من المسائل السياسية والاقتصادية العالمية.
وبالنسبة لتحديد موقف الاتحاد تجاه قضايا السياسة الخارجية فإن مجلس الإتحاد الأوروبي هو الذي يلعب الدور المهم في تحديد السياسة الخارجية المشتركة ويتخذ قراراته في هذا الشأن وفق تطبيق قاعدة الإجماع..ويصنف قراراته لما تعكسه من ضرورة في اتخاذ عمل او اجراء مشترك وبحسب المصالح المشتركة وعندما يرى المجلس ضرورة اتخاذ عمل او اجراء مشترك حيالها فإن قاعدة الاغلبية المطلقة او اغلبية الثلثين تحل محل قاعدة الاجماع.
ولكن رغم ان الاتحاد الأوروبي بعد معاهدة امستردام قد اتجه نحو عملية التكامل السياسي من خلال تدشين سياسة خارجية مشتركة وقيام هياكل سياسية اتحادية ممثلة بمجلس الاتحاد والبرلمان الأوروبي والمفوضية الاورويبة والهيئة العليا لشؤون السياسة الخارجية والدفاع المشترك الا ان ذلك لا يعني ان الاتحاد يتبنى سياسة خارجية موحدة وموقف موحد بقدر ما يعني ان الاتحاد ينسق سياسة خارجية في مجال الاهتمامات المشتركة اكثر من أي وقت مضى وان قيام التكامل والوحدة السياسية وقيام سياسية خارجية موحدة ويبلوره موقف سياسي أوروبي موحد ذلك لا يزال هدفاً لم يتحقق حتى اليوم ولايزال غير ممكن في الوقت الراهن او حتى في المنظور القريب.
ويواجه الاتحاد الأوروبي العديد من الصعوبات والتحديات التي تعيق إمكانية قيام سياسة
خارجية موحدة وموقف أوروبي موحد تمثل ابرزها بالعوامل التالية : (8)
1- لعدم تحقيق الوحدة السياسية على مستوى النظام الإقليمي الأوروبي (الاتحاد الأوروبي) فلا زالت الدول الأعضاء في الاتحاد هي ذات سيادة.
2- كانت ولازالت الدول الأوروبية تعتبر مجال السياسة الخارجية والأمن من المجالات التقليدية المرتبطة بسيادتها وبالتالي لا يمكن التنازل عنها لأي جهة أخرى على الأقل في الوقت الراهن والقريب.
3- كلاً من فرنسا وبريطانيا تعتبران من الدول النووية ودائمة العضوية ترفضان تقرير
سياستهما الخارجية من قبل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
4- لأن معظم القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية الأمنية يتم اتخاذها في اطار التعاون الحكومي ووفقاً لقاعدة الإجماع.
5- العلاقة الأوروبية الامريكية حيث لازال الاتحاد يعاني من مشكلة مواجهة القوة الكلية الامريكية ويواجه صعوبة في التحدث بصوت واحد.
ويضاف الى العوامل والتحديات السابقة عامل آخر يتمثل بوجود تيارين داخل الاتحاد متناقضين في مجال السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية(9) أحد التيارين يهتم بأولوية الجانب السياسي وينادي بضرورة قيام أوروبا قوية ومستقلة سياسياً تجاه اميركا الحليفة، والتيار الآخر يهتم بأولوية الجانب الاقتصادي وتوسيع السوق الأوروبية مع زيادة الشراكة مع امريكا ومهمة شؤون الدفاع الأوروبي يتولاها حلف الناتو وتحت القيادة العليا الأمريكية. ورغم تزايد نمو هذا التيار الا ان المواجهة بين التيارين تزداد في وتيرتها.
وعلى ضوء التحليل السابق يتضح ان الموقف الأوروبي (الاتحاد الأوروبي) تجاه قضايا السياسة الخارجية يأتي كنتاج لعملية تنسيق مشترك بين السياسات الخارجية لدول الاتحاد ويعكس مواقفها المشتركة وليس الموحدة. وإزاء ذلك فان السياسة الخارجية للاتحاد تظهر تماسكاً محدوداً والتي تتردد بين التوافق والاختلافات في المواقف التي تبديها الدول الاعضاء.
* الاتحاد الأوروبي والموقف من التحالف الدولي ضد الإرهاب
على الرغم من غياب التكامل ، والموقف السياسي الأوروبي الموحد وعدم امكانية قيام سياسة خارجية موحدة وعلى الرغم من عدم ثبات السياسة الخارجية ومواقف الاتحاد الأوروبي والتي تأتي في إطار عملية تنسيق مشترك بين دول الاتحاد ازاء القضايا الدولية وتتسم بطابع غير أكيد يتراوح بين التوافق تارة والاختلاف تارة أخرى (كما هو موضح في سياق التحليل السابق) فانه وفي هذا السياق يأتي طرح وتحليل الموقف الأوروبي من التحالف الدولي ضد ما يسمى بالارهاب التي تتزعمه الولايات المتحدة في المرحلة الراهنة بمختلف الابعاد والتداعيات ذات الصلة وأبرزها الموقف من الاحداث وتداعياتها كونها التي أفرزت قيام التحالف.. تحديد الموقف من التحالف ذاته.
* الموقف الأوروبي من الأحداث وتداعياتها
هجمات 11 سبتمبر التي تعرضت لها مدينتي نيويورك وواشنطن قوبلت بإدانة دولية واسعة النطاق وتعاطف وتضامن مع الولايات المتحدة من غالبية دول العالم ومنها دول الاتحاد الأوروبي. ففي أعقاب الحادث عقد الاتحاد الأوروبي اجتماعاً استثنائياً على مستوى وزراء الخارجية للإعراب عن التضامن مع امريكا..وأصدر رؤساء وحكومات الخمسة عشر اعضاء الاتحاد إعلاناً مشتركاً تضامناً مع الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من الهجمة الاعلامية الشرسة التي شنتها دوائر الإعلام الغربي بعدالهجمات وبتحريض من الداوئر الصهيونية ضد العرب والمسلمين والصاق الارهاب بهم إلا أن الموقف الأوروبي إزاء ذلك منذ الاحداث وحتى الوضع الراهن يقوم على المنطلقات التالية :
1- تاكيد رؤساء الدول والحكومات الأوروبية ورئاسة البرلمان الأوروبي والمفوضة الأوروبية والهيئة العليا لشؤون السياسة الخارجية والدفاع المشترك في بيان مشترك على :
ـ ضرورة العمل على تقديم المسؤولين عن الهجمات إلى العدالة.
ـ ضرورة أن تلعب الامم المتحدة دوراً مهماً في عملية مكافحة الارهاب.
ـ العمل على إيجاد حلول للنزاعات والأزمات التي تشكل حجة الحركات الارهابية(10).
2- الموقف الأوروبي مغايرً للهجمة الاعلامية الغربية ضد العرب والمسلمين ورافضاً فكرتي اقران الارهاب بالاسلام والمسلمين أو احياء فكرة صراع الحضارات. وقد ترجم هذا الموقف من خلال الآتي:(11)
ـ منذ 21 سبتبمر 2001م وفي القمة غير العادية التي عقدها أعضاء الاتحاد ببروكسل رفض الخمسة عشر بشدة كل خلط او مماثلة بين الهجمات الارهابية المتطرفة والعالم العربي والاسلامي.
ـ حرص الاتحاد ومبادرته على انعاش حوار الثقافات، والاستنكار الأوروبي على تصريحات سيلفيو برلسكوني (الحكومة الإيطالية) في أواخر شهر سبتمبر 2001م والتي ادعى فيها تفوق القيم الغربية.
3- المبادرة الأوروبية للسلام في الشرق الأوسط .
4- وتشير المعطيات السابقة إلى أن الموقف الأوروبي يقوم على اساس اظهار التزامه بالعمل من أجل إحلال السلام والتمسك بالحلول السياسية والسلمية. ويمكن تعليل ذلك ان الموقف الأوروبي سينبع أساساً من حرص الإتحاد على حماية وضمان المصالح الأوروبية مع العالم العربي والإسلامي خصوصاً الثروة النفطية التي تمثل المصدر الأول للطاقة, وباعتبار ان السلام يؤمن مصالح اوروبا في المنطقة.
* الموقف من التحالف الدولي ضد الارهاب
كان الموقف الأوروبي بعد احداث الهجمات متعاطفاً مع الولايات المتحدة وفي البداية أعرب الاتحاد الأوروبي في قمة بروكسل الاستثنائية وفي نهاية سبتمبر 2001م عن قناعة الاتحاد في المشاركة في أي اعمال امريكية ضد الارهاب وطلب من الرئيس الامريكي اعطاء قائمة المهام التي يمكن القيام بها لمساعدة واشنطن كما اكد زعماء الاتحاد استعداد دولهم كل حسب وسائله لدعم امريكا في ردها على منفذي الهجمات وفي مواجهتها استناداً الى قرار مجلس الأمن رقم 1368. (12)
ولكن رغم التعاطف الأوروبي مع الولايات المتحدة بعد الهجمات والذي كان يمكن ان يساهم في تقريب المواقف الامريكية - الأوروبية تجاه التحالف المعلن الا ان التقارب منذ الوهلة الاولى كان عرضة للشك من جراء ميل امريكا للتصرف بقوة مفرطة لذلك فإن الموقف الأوروبي من التحالف الدولي ضد الارهاب الذي دعت اليه واعلنته وتزعمته الولايات المتحدة، وقد تضمن المحاور التالية : (13)
ـ وضعت الدول الأوروبية شروطاً مهمة للمشاركة في التحالف ومنها ما أدرج رسمياً في نص قرار مجلس حلف الناتو بتطبيق المادة الخامسة من ميثاق الحلف باعتبار الهجمات الارهابية على الولايات المتحدة هجمات على الدول الاعضاء وتتضمن هذه المادة شرطاً واضحاً وهو ان التطبيق يسري فقط في حالة ماإذا تأكد بصورة لا لبس فيها في ان الهجمات التي تعرضت لها امريكافي 11 سبتمبر كانت موجهة من الخارج.
2) أيضاً تضمنت شروط الدول الأوروبيه للمشاركة في الحلف على : (14)
1- إن الدول الأوروبية تريد ربط أية عمليات عسكرية مقبلة بأدلة لاتقبل الشك تسفر عنها التحقيقات وذلك حتى يمكن تحديد الأهداف المفترض توجيه الضربة اليها .
2- لايمكن للدول الأوروبية تبرير أهداف عشوائية أو أهداف تتجاوز ما اسفرت عنه
التحقيقات عن وجود ضربة .
3- المشاركة الأوروبية في الضربة العسكرية تتوقف على نوع الضربة التي تعتزم الولايات المتحدة تنفيذها ، وإذا ما بدء الرد غير ملائم ومبالغ فيه من حيث الحجم فإنها قد تحجم عن المشاركة .
هذا فضلاً عن أن عدد من الدول الأوروبية قد اعلنت موقفها مسبقاً بعدم المشاركة في أي اعمال عسكرية في التحالف .
* الموقف الراهن
بعد الأحداث والحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد أفغانستان التي أعتبرت المرحلة الاولى من الحرب ضد الإرهاب واجه الموقف الأوروبي إتجاهات راديكاليه مناهضة للسياسة والتوجهات الامريكية خصوصاً تجاه النزوع إلى الاحادية والدعم دون تحفظ للخيارات الامنية الاسرائيلية .
وإزاء التوجه الامريكي بعد الحرب وخلال المرحلة الراهنة والتي اعتبرتها أمريكا المرحله الثانية من الحرب ضد الإرهاب خصوصاً تصريحات الإدارة الامريكية التي بدأت بمصطلحات مثل الدول المارقة أودول محور الشر ومنها العراق والتي تسعى الإدارة الامريكية حالياً لكسب التأييد لتوجهاتها الرامية الى شن حرب عدوانية ضد العراق دون مسوغ من خلال استصدار قرار من مجلس الامن .
ذلك لم يلق ترحيباً من غالبية دول الاتحاد ويقوم الموقف الأوروبي في هذه المرحلة على(15)
1) يجب أن تكون الإجراءات في إطار الأمم المتحدة وفي إطار توافق دولي .
2) رفض ومعارضة القيام بأي عمل عسكري منفرد .
هذا وقد إزداد خلاف دول الإتحاد بروزاً إزاء الأحادية الامريكية بوصفها الأحادية النفعية التي تنطلق من تفسيرها لمصالحها الأمر الذي زاد من التنافر المتلاحق في المواقف الأوروبية التي ظهرت بشكل اكبر في المرحلة الراهنة وأظهر مواقف متباينة(التي تشير اساسا الى عدم وجود موقف اوروبي موحد) .
ولم يقتصر الإختلاف الأوروبي على الموقف من التحالف بل لازال الخلاف قائم حول الإرهاب ويمكن تعميم هذه الصورة على المواقف الدولية بشكل عام الا ان هناك توافق دولي في الموقف المعارض للتوجه الامريكي ضد العراق،وعلى ضوء التحليل السابق يمكن القول بأن آفاق التحالف الدولي ضد الإرهاب القائم بدأ في التفكك ومآ له كذلك في ظل النزعة الامريكية نحو الانفرادية .
* الهوامش
1- مجلة المستقبل العربي العدد (275- مركز الدراسات الوحدة العربية، بيروت يناير 2002م ص30
2- المصدر نفسه.
3- مجلة الشاهد ، العدد(200- ، شركة الشاهد للنشر المحدوده ، قبرص إبريل 2002، ص50.
4، 5- تحليل مستخلص من عدة مراجع أبرزها المستقبل العربي العدد 278،إبريل 2002/ مجلة الشاهد، مصدر سابق /المستقبل العربي العدد 275يناير ،2002م0
6- مجلة السياسة الدولية العدد (148- .صـ 14
7- نفس المصدر صـ 15.
8- المصدر نفسه صـ 73 ، 75.
9- نفس المصدرصـ135 ، 134.
10- العالم في عام 2001م ، وكالة الأنباء اليمنيه سبأ ،صـ133، 127 .
11- السياسة الدولية ، العدد 148 صـ 75 ، 73.
12- العالم في 2001م ، مصدر سابق صـ 133،132،10.
13- السياسة الدولية ، العدد 146 ، صـ211،102.
14- المصدر نفسه.
15- تحليل مستخلص من تطورات الوضع الراهن من خلال التصريحات الرسمية المعلنة عبر وسائل الاعلام المرئية.
مركز البحوث والمعلومات /
قراءات سياسية (العدد الرابع)
|