|
معاق:إعاقتي لم تمنعني من شيء وحفزتني على التحدي وإثبات ذاتي [16/يناير/2010] صنعاء - سبأ نت: تحقيق : غمدان الدقمي
لم تمنعه الإعاقة من أن يكون عضوا فاعلا ومتميزا في مجتمعه, تلقى تعليمه (قراءة القرآن وأبجديات الكتابة) في أربعينيات القرن الماضي في عدد من المعلامات، وهو لم يتجاوز 7 أو8 سنوات، والتحق بمدرسة الأحمدية في تعز، وأصبح بعدها موظفا في مصلحة الجمارك. المواطن محمد أحمد أمين قاسم العبسي (أحد أبناء قرية القرنه - عزلة الأعبوس مديرية حيفان محافظة تعز)، معاق حركيا، اعتبر إعاقته شرفا ووساما منحه إيّاها سبحانه وتعالى، وأعطته حافزا للعيش والاهتمام بالتعليم منذ سن مبكِّرة.
المعاق النشيط المبدع
وصفه عدد ممن عرفوه صغيرا وكبيرا بـ"المعاق الطموح والحنون ومحب الخير للجميع"، الذي لم يستسلم للإعاقة بالرغم أنه بداية مشوار حياته كان يستعين بيديه في السير، فيلتقي بأصدقائه ويلعب معهم ويمارس مهنة الصيد (صيد الأوبار) في الأودية, وحصل بعدها على وظيفة رسميّة أثبت جدارته فيها, موضحين أنه إلى اليوم يزور أقرباءه، وكل من يعرفهم ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم؛ قاهرا كل ظروف الإعاقة. وفي السياق ذاته يصفه أحد معلميه -عبده محمد الجبح- بالمعاق النشيط والمبدع, وقال: "كنت أعجب كثيرا من قدرته على تلقِّي المعلومات وأسلوبه الراقي والممتاز في التعامل مع الآخرين وبشكل لا يتصوّره أحد، بالرغم من صغر سنِّه حينها، والذي لا زال كما هو، بل وأفضل حتى اليوم". المواطن محمد أحمد أمين, 65 عاما، أب لخمسة أولاد وأربع بنات، قال: "إعاقتي لم تمنعني من شيء, وكانت حافزا لي على تحدِّي وضعي وإثبات ذاتي, تعلمت القراءة والكتابة على أيدي عدد من الفقهاء (مقبل سيف وعلي جازم الفقيه وأحمد عثمان حميد -رحمة الله عليهم) وكانت تنقلني إلى قراهم والدتي وخلال الإجازة كنت أرافقها إلى قرية المشاوز، عند جدتي (ثلج أنعم) أم والدتي -رحمة الله عليهما- والتي كانت ترافقني إلى منزل عبده الجبح ليعلمني -أطال الله في عمره- وحينها كنت لا زلت أمشي على اليدين، حيث لم أكن أملك أي وسيلة من الوسائل الحديثة التي تساعد المعاقين حركيا, بعدها أرسل لي خالي علي مقبل الدقيمي -أطال الله عمره- عصيان (عصي) من عدن ساعدتني على السير، كما تكفل أيضا بالإنفاق عليّ وعلى والدتي؛ كون والدي توفي وأنا في سن صغير".
محطات ورهينة للإمام
في خمسينيات القرن الماضي مرّ محمد بتجربة حياة أثبت فيها جديته وعزيمته على تحدِّي الإعاقة, وذلك عند ما أرسله جده الشيخ أمين قاسم -رحمه الله- إلى تعز، ضمن أربعة رهائن، فرضوا على مشايخ المنطقة والمناطق المجاورة من قبل الإمام, وبرز حينها اعتراض عُقّال القرية على إرساله كرهينة؛ نظرا لإعاقته، لكن والدته أصرت على إرساله، وهو ما تم، واستمروا رهائن لمدة ثلاثة أشهر, وتوفّر له حينها حضن دافئ لدى المرحوم أحمد عمر العبسي (صاحب أستوديو أحمد عمر -رحمة الله عليه- والذي ساهم في التحاقه بالتعليم في المدرسة الأحمدية بتعز إلى جانب احتضانه وبقية أصدقائه، وأستمر في الدراسة لمدة ستة أشهر.
قصته في الجمارك
وفي وقت لا حق مر محمد بتجربة أخرى في مواجهة الإعاقة، حيث سافر إلى مدينة عدن، وهناك لقى حضنا دافئا لدى خاله، واشترى له مكينة خياطة وكميّة من القماش، على حين تكفل أولاد عبد الرحيم عثمان بتدريبه الخياطة عليها, انتقل بعدها إلى العمل في القرية, كل ذلك كان قبل ثورة 26 سبتمبر، أما بعد الثورة فكان له شأن آخر مع الإعاقة، وفي هذه المرحلة بدأ الخوض في مضمار آخر هو العمل في الجمارك, ففي منطقة المفاليس القريبة من مسقط رأسه، والتي كانت في تلك الفترة نقطة عبور بين شمال اليمن وجنوبه (جمرك)، بدأ محمد مشوار عمله حيث كان عمّه منصور أمين يعمل هناك أمينا للصندوق، وكان محمد يساعده ويقوم بعمله أثناء سفره, وبعد ما اشتدت مشاكل الجبهات في الجنوب تضاعف العمل في الجمرك، وأوكلت إلى محمد مهمة كاتب اليومية والمحاسب، وأمين الصندوق، وهي بداية تعيينه في عمل رسمي، وبالتحديد بعد إشراف الشيخ محمد عبدالجليل -رحمه الله- على الجمرك لمدة شهر، والذي نقل أخبار محمد للمُدراء في تعز، وساهم إلى جانبهم في حصوله على أمر تكليف بالعمل في جُمرك المفاليس التابع لمصلحة الجمارك. ويصف محمد تلك الفترة بـ"أسعد أيام حياته"، حيث لم يكن يتوقع ذلك، وقد رافقه في سفره إلى منطقة الراهدة لاستلام أمر التعيين في العمل الشيخ عبد الحق عبد الجليل. وأثنى المعاق محمد أحمد على أسرته لمساعدته ووقوفهم بجانبه وتحملهم أعباء رعايته، حتى أصبح عضوا متميزا في مجتمعه, وكذا كل من ساهم في مساعدته من أصدقائه وزملائه في العمل وخارج العمل. منوها إلى أن "لا إعاقة مع العزيمة والإيمان بالله"، وأنه على المجتمع والأسر أن تعي كيفية جعل المعاق عضوا فاعلا ومنتجا. وتقلّد محمد (المتقاعد حاليا) ما يقارب 16 منصبا في مصلحة الجمارك، متنقلا ما بين جمارك "المفاليس وحرض والخوخة والكدم وصنعاء والبقع وتعز", آخرها تعيينه مسؤول البوابة بجمرك المخاء، في 27 فبراير 1999. ـــــــــــــــــــــــــــــ صحيفة السياسية
|