|
الزكاة في مراسلات الرسول الكريم ومكاتباته للأمراء ووصاياه لعماله [16/سبتمبر/2008] صنعاء – سبأنت: تقرير : صلاح محمد المقداد تضمنت مراسلات الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ومكاتباته للأمراء وولاة المناطق والأقاليم في عهده وتوجيهاته لصحابته ولعموم المسلمين في كل زمان ومكان بشأن الزكاة كل ما يفيد الإصرار والالتزام والحرص منه على تطبيق أوامر الله تعالى ونواهيه بحذافيرها في قضية حيوية كالزكاة. وقد أكد الرسول الكريم في الوقت نفسه بمراسلاته تلك الحزم وثبات الموقف بأنه لا مهادنة ولا مساومة ولا تهاون أبدا مع الممتنعين عن إيتاء الزكاة لأي سبب من الأسباب مما يعني أنه لا دين لمن لا يأتي الزكاة المفروضة عن أمواله من أغنياء المسلمين.
فالزكاة التي تعني " ما يخرجه الأغنياء من أموالهم من حق الله تعالى إلى الفقراء " تأتي في المرتبة الثالثة في قائمة أركان الإسلام الخمسة، ولا يكتمل إيمان المرء إلّا بالإيمان بها مجتمعة، ولا يشمخ بنيان هذا الدين، وتقوم قائمته إلّا بتلك الأركان الخمسة التي تشمل الشهادتين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت.
وقد سميت الزكاة بهذا الاسم " لما يكون فيها من رجاء البركة وتزكية النفس وتنميتها بالخيرات"، وهذه التسمية بحسب صاحب كتاب "فقه السنة" السيد سابق مأخوذة من " الزكاء "، وهو النماء والطهارة والبركة، قال تعالى: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها".
والزكاة باعتبارها الركن الثالث من أركان الإسلام تعد جزا أساسيا لا يتجزأ من نظام الإسلام وعقيدته السمحاء الذي جاء لإصلاح الكون وإعادة ترتيب أوضاع العالم، وتحريره من رق الفوضى وحياة الجهالة والشرك والاستغلال والظلام والقسوة، ولأهميتها البالغة ضمن إطار ومنظومة الإسلام الشاملة ونظامه العادل قرنت الزكاة بالصلاة في (82 ) آية قرآنية مما يعني أنها تعد من أهم الفرائض وأساسيات هذا الدين الإسلامي الحنيف الخاتم الذي ارتضاه الله لنا وللبشرية جمعاء.
وقد فرض الله تعالى الزكاة بكتابه وسنة نبيه وإجماع أمته، ويعتبر الممتنع عن إيتاء الزكاة من المسلمين في حكم المرتد عن دين الإسلام بل إن امتناعه عن إيتاء الزكاة المفروضة ينفي عنه الإيمان، ويجعل مقاتلته بحد السيف أمرا مشروعا إلى أن يعدل عن امتناعه عن أداء الزكاة حتى ولو كان مقدارها شيئا بسيطا.
وعلى هذا الأساس كان موقف الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه الراشدين وصحابته من بعده ومن تبعوهم حازما وقويا وثابتا في قضية الزكاة وتأديتها كفريضة، وجاء تعاطيهم مع مسألة الممتنعين عن إيتاء الزكاة تأكيدا على حرصهم على تحصيل حق الله المعلوم والمفروض في أموال أغنياء المسلمين للفقراء منهم.
وفي هذا السياق جاءت التوجيهات النبوية بخصوص الزكاة صريحة وواضحة لا لبس فيها، كما جاءت ترجمة لحرص الرسول الكريم على تمام وكمال دين المرء بالإيمان بالأركان الخمسة للدين الإسلامي، ومنها: الزكاة، حيث روى الجماعة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن في السنة العاشرة للهجرة واليا وقاضيا خاطبه بقوله:" إنك تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلّا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله عز وجل افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى أفترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم، فان هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم (نفائس) أموالهم، واتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب ".
وروى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلّا بحق الإسلام وحسابهم على الله".
وروى الطبراني في الأوسط والصغير عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله :" إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم"، وقوله صلى الله عليه وسلم: " من أدى زكاة ماله ذهب عنه شره".
وقد أملى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بعض أحكام الزكاة في ورقات وبعث بها إلى أمراء البلاد وولاتها ولما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن حزم المتوفى سنة 53 للهجرة / 673م، واليا على اليمن أعطاه أحكاما مكتوبة في الفرائض والصدقات والديات وما إلى ذلك. كما أعطى الرسول الكريم أيضا لوائل بن حجر عندما كان يرجع إلى بلدته حضرموت كتابا فيه أحكام الصلاة والصوم والربا والخمر وغيرها. وفيما يلي نماذج مختارة من مراسلات النبي صلى الله عليه وسلم إلى ولاة الأمصار كرسائل فيها أحكام الديات والجزية والميراث وأحكام العبادات، ومنها: الزكاة، وأحكام الحيوانات الميتة.
ففي رسالة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد القيس وحاشيتها من البحرين وما حولها قال : " إنكم أتيتموني مسلمين، مؤمنين بالله ورسوله، وعاهدتم على دينه فقبلتُ، على أن تطيعوا الله ورسوله فيما أحببتم وكرهتم، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتحجّوا البيت، وتصوموا رمضان، وكونوا قائمين بالقسط ولو على أنفسكم، وعلى أن تؤخذ من حواشي أموال أغنيائكم فتُردّ على فقرائكم، على فريضة الله ورسوله في أموال المسلمين".
وفي رسالته إلى العباد الأسبذيين، وهم أهل البحرين وقيل أنهم مجوس أهل هجر بالبحرين وأنهم كانوا مسيحيين ثم تحولوا إلى المجوسية، وفي رواية أخرى قيل أنهم أهل عمان قال لهم : " أنه من شهد منكم أن لا إله إلّا الله وأن محمداً عبده ورسوله، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فله مثل ما لنا وعليه مثل ما علينا ومن أبى فعليه الجزية، على رأسه دينار معافا، على الذكر والأنثى، ومن أبى فليأذن بحرب من الله ورسوله وعليكم ألاّ تمجّسوا أولادكم، وأنّ مال بيت النار ثنياً لله ولرسوله ، وعليكم في أرضكم، مما أفاء الله علينا، منها مما سقت السماء أو سقت العيون، من كل خمسة واحد، ومما يسقى بالرشا والسواني، من كل عشرة واحد. وعليكم في أموالكم: من كل عشرين درهماً درهم، ومن كل عشرين ديناراً دينار. وعليكم في مواشيكم الضعف مما على المسلمين، وعليكم أن تطحنوا في أرحائكم لعمّالنا بغير أجر ".
كما خاطب أهل عمان والبحرين في رسالة أخرى بقوله: " إنّهم إن آمنوا، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأطاعوا الله ورسوله، وأعطوا حقّ النبي، ونسكوا نُسُكَ المسلمين، فإنهم آمنون، وإنّ لهم ما أسلموا عليه، غير أن مال بيت النار ثُنيا لله ورسوله، وإن عشور التمر صدقة، ونصف عشور الحبّ، وإن للمسلمين نصرهم ونصحهم، وإنّ لهم على المسلمين مثل ذلك، وإن لهم أرحاءهم يطحنون بها ما شاءوا.
وتؤكد كتب التاريخ ومصادره العديدة إن الرسول عليه الصلاة والسلام بعث رسائل كثيرة إلى عرب الحجاز، وتهامة، ونجد، واليمن، وعُمان، والبحرين، والأحسان وغيرها من أعمال جزيرة العرب مما يشير إلى أنَّ المراسلات النبوية بلغت القبائل العربية على اختلافها، ووصلت إلى سائر عرب الجزيرة على تباعدهم سواءً البدو والحضر دعا فيها إلى الإسلام والإيمان بما جاء به من فرائض ومنها الزكاة، ومما وصى به الرسول الكريم أصحابه بخصوص الزكاة قوله " اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم". يشار إلى أن الزكاة تعرف لغة بأنها: " النمو والزيادة والريع، ويقال زكا الزرع إذا نما وزاد، وتطلق على الطهارة كما في قوله تعـالى" قد أفلح من زكاها" أي طهرها من الأدناس، فيما تعرف اصطلاحا بأنها " إخراج جزء مخصوص من مال مخصوص بلغ نصابا لمستحقيه إذا تم الملك والحول، وهو الزمن المخصوص في غير المعدن والحرث. وتسمى في لغة القرآن والسنة "صدقة" ، كما قال أحد الفقهاء " الصدقة زكاة، والزكاة صدقة". وإجمالاً يمكن أن نخلص إلى القول تأكيدا على ما سبق إن الزكاة تعد من وسائل الإسلام ومبادئه السامية التي اتخذها لتقريب المسافة بين الأغنياء والفقراء سبأ
|